سوزان شيهان.. أسطورة الكاتب غير المرئي
Arab
2 hours ago
share
في الأعمال الاستقصائية للكاتبة والصحافية الأميركية، سوزان شيهان، نحن أمام سيرة مهنية لكاتبة تحترف صيد التفاصيل ومراكمتها، حيث يقوم النص، سواء أكان تقريراً أو ريبورتاجاً أو بورتريهاً، على مساءلة العلاقة بين الجسد الاجتماعي في الولايات المتحدة والكتابة السردية. تلاحق شيهان، التي توفيت في السابع عشر من الشهر الجاري، عن عمر ناهز 88 عاماً، التفاصيل، وتمنحها كثافتها الكاملة، حتى تصبح التفاصيل نفسها وثيقة لا غنى عنها في التحليل والفهم. تتبّع ما يتسرب حول "الحدث": نظرة، صمت، تردد في الصوت، ترتيب غرفة، نبرة جملة. كل عنصر صغير يتحول إلى علامة دالة ومؤثرة تخدم السرد. وهذا ما نجده بقوة في كتابها "أليس لي مكان على هذه الأرض؟" الفائز بجائزة "بوليتزر" عام 1983. ففي هذا الكتاب، الذي كانت قد نشرته مجلة "نيويوركر" في سلسلة من أربعة أجزاء، أعادت، على مدار سنتين من البحث والاستقصاء، تشكيل صورة المريضة سيلفيا فرومكين (اسم مستعار)، نزيلة مركز كريدمور الحكومي للأمراض النفسية في كوينز؛ امرأة رثة المظهر، عدائية وتعاني من اضطراب ذهاني (جنون العظمة). وقد وصف النقاد هذا العمل بإنه إنجاز استثنائي يخلو من النزعة العاطفية ويقوم على الملاحظة الصارمة.  في كتبها الأخرى، ظلت شيهان وفية لهذا الاختيار: الوقوف عند تخوم المجتمع، حيث يتقاطع الانكسار بالرغبة في الاستمرار. ففي كتاب "الحياة بالنسبة لي لم تكن درجاً بلورياً"، المستلهم من قصيدة للشاعر لانغستون هيوز، نرى كيف يتحول عنوان ديوان شعري ذاته إلى علامة ثقافية دالة (الصعود المعطوب/ السلم المكسور/ الحلم المؤجل) عن الاختبارات التي عاشتها "كريستال" (ابنة زوجين مدمنين على المخدرات) التي أصبحت أمّاً في الرابعة عشرة، تعيش في منزل جماعي وتسرق وترتبط برجال سيئين.  أما في كتاب "أم تتلقى الإعانة" (1976)، فتتوغل في حياة أم تعتمد على نظام الإعانات، معتمدة على حس توثيقي رفيع ودقيق. وُصفت أعمالها بأنها أنثروبولوجيا يومية للمدينة الأميركية وسوسيولوجيا مكتوبة بأسلوب سردي وعلى هذا النحو التوثيقي العالي، تتناول في كتابها "طائرة مفقودة" (1986)، اكتشاف قاذفة أميركية طراز (B-24)  فُقدت خلال الحرب العالمية الثانية في غينيا الجديدة، وعلى متنها اثنان وعشرون رجلا انقطعت أخبارهم لعقود طويلة، فيما تنصت في كتاب "ما رآه الدكتور"، إلى طبيب أطفال يعمل في حي فقير، فتجعل من الممارسة الطبية نافذة على تاريخ اجتماعي وجغرافي وثقافي. كما تستعرض في كتاب "سجن وسجين" (1978) النظام العقابي من خلال حالة سجين واحد في سجن شديد الحراسة في نيويورك.  ما تفعله شيهان، في العمق، هو تفكيك الأنماط الجاهزة. الفقير ليس"نموذجاً"، والمريض ليس "حالة"، والسجين ليس "رقماً". كل واحد منهم نص متعدد الطبقات، يحتاج إلى قارئ مؤمن بالحكم من داخل التجربة. وبهذا المعنى، تتحول كتابتها إلى ممارسة أخلاقية بقدر ما هي ممارسة مهنية. إنها أخلاق الامتناع عن البطولات السردية المصطنعة لصالح الواقع الذي يكتب بصرامة، وبدرجة من الشفافية بوسعها أن تهزّ القارئ. ومن هنا، يمكن القول إن سوزان شيهان صنعت "أسطورة الصحافي غير المرئي"، أي ذاك الذي يختفي خلف نصه، ليترك للآخرين حق الوجود والقول. نصوصها لا تحتفي بذات الكاتبة، بل بهشاشة الأشخاص الذين تتحدث عنهم، وعن قدرتهم الاستثنائية على الاستمرار رغم كل الصعوبات. ومن ثم، فهي صحافية استقصائية تقرأ الواقع وتمارس التفكيك الهادئ للعالم، وتعيد تركيبه في نصوص شفافة، وتبنى في المسافة الدقيقة بين الإنسان ولغته. عن أعمالها، كتب فينس أليتي، في صحيفة "فيليج فويس" قائلاً إن "توثيقات شيهان الدقيقة والحية تُبنى جزءاً جزءاً، شبكات رفيعة من الأدلة والملاحظة، كثيفة بالوقائع، مشحونة بالإحساس". في هذا التوصيف، تتحول الكتابة إلى هندسة بطيئة للواقع، حيث تتراكم التفاصيل لتصير بنية دلالية متماسكة، ويغدو الوصف أداة معرفة. وفي "نيويورك تايمز"، قالت جانيت ماسلين عن كتب شيهان، إن نصوصها "تجمع بين الصرامة الصحافية والقوة الروائية، وتمنح القارئ تجربة قراءة مشبعة بالمعنى الاجتماعي"، مؤكدة أن  كل أعمال شيهان "تنتمي إلى تقليد اللاخيال الأدبي الذي يعيد تشكيل الواقع عبر سرد متوازن، يخلو من المبالغة، ويعتمد اقتصاداً لغوياً محكماً". أما الناقدة ميتشيكو كاكوتاني، فقد أبرزت قدرة شيهان على تحويل الحالات الفردية إلى مرآة للبنية العامة، ووصفت كتابتها بأنها "تفكير سردي طويل النفس، يحول التجربة الشخصية إلى معرفة عامة". وركز نقاد "واشنطن بوست" على البعد الاجتماعي لكتب شيهان، وقالوا إنها تمثل "الواقعية الصافية التي تكشف المؤسسات عبر مصائر الأفراد"، معتبرين أن أعمالها تقدم قراءة داخلية للفقر والمرض والسجن، من خلال سرد متماسك يخاطب الوعي الجمعي. أما في الدراسات الأكاديمية المنشورة في مجلات متخصصة في الصحافة والأدب، فقد وُصفت أعمالها بأنها "أنثروبولوجيا يومية للمدينة الأميركية" و"سوسيولوجيا مكتوبة بأسلوب سردي". بينما رأى باحثون آخرون أن "نصوصها تؤسس لما يسمى بالواقعية الأخلاقية، حيث تتقاطع المعرفة العلمية مع الحس الإنساني دون خطاب مباشر". هكذا، إذن، تشكلت صورة سوزان شيهان في النقد الأميركي: كاتبة تحول الوقائع بتفاصيلها إلى لغة  تقوم على الصرامة والهدوء والتراكم، انطلاقاً من التزام مهني، ومن قدرة كبيرة على على الإقامة داخل الحياة اليومية حتى تصير التفاصيل لغة قائمة بذاتها.  

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows