عن تضارب أرقام الفقر في مصر وجدوى حزم الحماية
Arab
1 day ago
share
تحليل الخطاب الاقتصادي للحكومة المصرية عقب إعادة تشكيلها قبل أيام، يضعها أمام حالة من المكاشفة، حول عجز السياسات الاقتصادية الحكومية المتبعة - خلال الفترة من 2013 وحتى الآن- عن تحسين مستوى معيشة الأفراد. أدت هذه السياسات إلى مزيد من الفقر والأعباء المعيشية وتآكل القدرة الشرائية وتهاوي العملة المحلية، على الرغم من الحديث عن تحسن معدلات النمو الاقتصادي. وكون معدلات النمو الاقتصادي في تزايد وفق الأرقام الرسمية، وتصاحبها زيادة في معدلات الفقر، فمعنى هذا أمران، إما أنّ العائد من تزايد النمو الاقتصادي يتم توزيعه بصوره سيئة، حيث يتركز في الشريحة العليا من المجتمع، بينما تُحرم منه الطبقتان المتوسطة والفقيرة، أو أنّ معدلات النمو المعلن عنها تفتقر للمصداقية. ومن الملاحظ أنّ جهود الحكومات المصرية المتتابعة منذ عام 2013 وحتى الآن، تجاه قضية الفقر، تقتصر على مجرد تقديم دعم محدود للفقراء، ولم تعلن تلك الحكومات عن استراتيجية لمكافحة الفقر، يمكن من خلالها الوقوف على مدى زمني للقضاء على الظاهرة، أو على الأقل الحد منها. وفي خطوة للاعتراف بالمشكلة، وأبعادها، تضمنت إحدى دراسات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بعنوان "خصائص الأسر الفقيرة... دراسة تحليلية من واقع بيانات بحث الدخل والانفاق 2017/ 2018، في صفحاتها الأولى مقدمة موجزة، تعبر عن مدى تحدي الفقر للحكومة المصرية، إذ ذكرت: "تعد مشكلة الفقر أحد أهم التحديات الأساسية التي تواجه مصر، فهي من أهم القضايا، وذلك لما لها من أبعاد اقتصادية واجتماعية مهمة، حيث يمثل الفقر نتيجة مباشرة لسوء التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية". لكن، مع هذا الاعتراف من قبل جهاز فني، معني بالرصد والإحصاء وتقديم الدراسات، يلاحظ أن ثمة تأخيراً متعمداً في الإعلان عن بيانات بحث الدخل والإنفاق في مصر منذ عام 2020، على الرغم أنّ من المعتاد أن يصدر هذا المسح كل عامين، وقد ذهبت العديد من التقديرات، إلى أن وراء هذا التأخير، شعور الحكومة بأن نتائج المسح التي تتضمن ارتفاع معدلات الفقر، ليست في صالحها. فتقديم المساعدات للفقراء شيء إيجابي، لكنّ الأكثر إيجابية هو انتشال هؤلاء الفقراء من براثن الفقر، وشعورهم بأنهم يعيشون في مستوى مادي يحفظ لهم كرامتهم. تصاعد معدلات الفقر بنظرة إلى تصريحات رئيس الوزراء مصطفي مدبولي، خلال الأيام الماضية، نجد أنها تضمنت ضخ الحكومة حزمة من البنود المختلفة تحت مظلة الحماية الاجتماعية للأسر الفقيرة، إذ أعلنت عن ضخ 40 مليار جنيه مصري (قرابة 850 مليون دولار). وبحسب تصريحات مدبولي، فإن تلك الأموال "مخصصات إضافية من الحكومة لقطاعات مهمة تخدم المواطن في إطار الظروف المعيشية للفئات الأكثر فقراً والأقل دخلاً" وإنّ عدد الأسر المستفيدة من الحزمة يصل إلى 15 مليون أسرة. وباستحضار تصريحات سابقة لوزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي، في ديسمبر/كانون الأول 2024، نجد أنها حددت عدد الأسر التي تعيش تحت خط الفقر في مصر بنحو 12 مليون أسرة، منهم 7.4 ملايين أسرة تستفيد من برامج الدعم النقدي (تكافل، وكرامة، الضمان الاجتماعي، معاش الطفل). وبمقارنة تصريحات الوزيرة في نهاية 2024 وتصريحات رئيس الوزراء بعد ما يزيد قليلاً على عام، نجد أنّ عدد الأسر الفقيرة قفز بنحو 3 ملايين أسرة في المجتمع المصري، فهل يستقيم ذلك مع ادعاء الحكومة أن معدلات النمو الاقتصادي في مصر كانت عام 2023/2024 نحو 2.4% وبلغت في 2024/2025 نحو4.4%؟ وإذا ما رجعنا إلى فترة سابقة لعام 2021، نجد تصريحات وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة نيفين القباج، التي صرحت بأنه تم بناء أول قاعدة معلومات للأسر الفقيرة في مصر، وأن عدد الأسر الفقيرة بلغ 8.5 ملايين أسرة، وتشمل هذه الأسر 31 مليون مواطن، وأن الأسر الفقيرة المستفيدة من الدعم النقدي في هذا العام بلغ عددها 3.81 ملايين أسرة. وهْم أرقام الأمان الاجتماعي أدت السياسات الاقتصادية الحكومية المتبعة من بعد 2013، وبخاصة بعد عام 2016 واتباع سياسات تحرير سعر الصرف، إلى خفض قيمة الجنيه بشكل كبير، وقد يكون من المناسب الكشف عن حقيقة الدعم المقدم للفقراء في مصر من خلال مقابلة المبالغ المخصصة للأمان الاجتماعي بالدولار، حتى تكون قيمة الزيادة دقيقة، وبخاصة أن أعداد الفقراء في تزايد. في عام 2013/2014 كانت مخصصات الأمان الاجتماعي بالموازنة العامة للدولة بحدود 5 مليارات جنيه، وكان عدد الفقراء لا يتجاوز 26 مليون مواطن، بينما في عام 2025/2026 قدرت تلك المخصصات بنحو 55.6 مليار جنيه، لمواجهة دعم 15 مليون أسرة فقيرة، وبما يقدر بنحو 60 مليون مواطن، باعتبار أن كل أسرة تضم أربعة أفراد فقط. وبمعادلة هذه المخصصات بالدولار وفق أسعار الصرف السائدة، في عامي المقارنة، نجد أن مخصصات عام 2013/ 2014 بالدولار كانت بحدود 714 مليون دولار (بواقع سعر صرف 7 جنيهات للدولار الواحد)، بينما في عام 2025/ 2026، كان المبلغ يعادل قرابة 1.17 مليار دولار. وفي حين تضاعف عدد الفقراء بين عامي المقارنة، كانت الزيادة أقل من ذلك، مع الأخذ في الاعتبار ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل كبير، ومن هنا وجدنا الرغبة الكبيرة لدى المصريين في الهجرة للخارج، بحثاً عن مستوى معيشة أفضل. والملاحظ أنه لم تعد ظاهرة الرغبة في الهجرة والسعي إليها، قاصرة على الشباب، بل أصبحت تضم شرائح عمرية أكبر، فتركيا منذ نحو ثلاث سنوات، تشهد حالة من تدفق مصريين تزيد أعمارهم عن 45 عاماً، يأتون للبحث عن عمل، في ظل بيئة عمل مصرية لا تتوفر فيها ضمانات كافية، كالأجر العادل أو وجود عقود تحفظ حقوقهم، وغياب تام لأي نوع من التأمين الصحي أو الاجتماعي، بل هناك ندرة لفرص العمل المتاحة أصلاً. هل من حل؟ خاطب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الشعب غير مرة، بشأن المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها مصر، وأنّهم لا بد من أن يبحثوا معه عن حلول لتلك المشكلات، وكأن الدولة قد تخلت عن واحدة من أهم وظائفها، وهي رصد المشكلات ووضع السياسات المناسبة لحلها. يأتي ذلك في حين أن التوصيف الصحيح لما آلت إليه الأوضاع بمصر، أنها نتيجة القيام بالعديد من الأنشطة الاقتصادية، في غياب دراسات الجدوى، وكذلك غياب ترتيب الأولويات، وبخاصة في قضية تدبير التمويل، والتورط في أزمة الديون. وفي وجود مجلس نواب جديد، وإعادة تشكيل الحكومة، هل ستحظى مشكلة الفقر باهتمام الحكومة ومجلس النواب بحيث يكون أمام المجتمع المصري، خريطة طريقة لمكافحة تلك الظاهرة الخطيرة؟ نحسب أنّ الأمر يتعلق فقط بالإرادة السياسية من جانب، حيث تتاح التوصيات الخاصة بمكافحة الفقر في العديد من الدراسات التي أنجزها الجهاز المركزي للإحصاء، وكذلك لابد من مشاركة المجتمع الأهلي ومجتمع الأعمال في التخطيط والتنفيذ في استراتيجية لمكافحة الفقر، فاستبعاد المجتمع الأهلي ومجتمع الأعمال خلال الفترة الماضية، أدى للعديد من المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها مصر الآن، وعلى رأسها قضية الفقر وتزايد معدلاته بشكل مخيف. لكن، كما يقولون، فإنّ المقدمات تدل على النتائج، والحكومة الجديدة، لا ينتظر منها الاهتمام بقضية الفقر، فالتغيرات التي شهدتها الحكومة، لا تمكنها من تقديم استراتيجية محكمة ببرنامج زمني لمكافحة الفقر، كما أن مجلس النواب الحالي، والطريقة التي انتُخب فيها أعضاؤه، لا يمكن أن تجعل لدى المجتمع ثمة توقعاً بأن يهتم هذا المجلس بقضية الفقراء.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows