أبعد من سفاهة سفير
Arab
2 days ago
share
لم يكن الرئيس الأميركي، ليندون جونسون، يمزح، عندما عقّب على كلام الملك حسين له، في البيت الأبيض، شهوراً بعد حرب حزيران 1967، إن القانون الدولي لا يُجيز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، بأن إسرائيل لم يكن ممكناً أن تأخُذ الضفة الغربية بغير القوة. ولا يمزح السفير الأميركي في دولة الاحتلال، مايك هاكابي، عندما يقول، في 2026، إن إسرائيل إذا وصلت، في حربٍ جديدةٍ، إلى النيل، وضمّت الأردن وسورية والعراق وبعض السعودية، فليكن، ولا مانع من هذا. وتطرّفُ هذا الرجل في صهيونيّته شديدة الدعم لإسرائيل، كما تبدّت غير مرّة، يذكّر بوصف ياسر عبد ربه المبعوثَ الأميركي الأسبق إلى مفاوضات التسوية في الشرق الأوسط، دينيس روس، بأنه الشخص الأكثر تطرّفاً في الطرف الإسرائيلي المفاوض. ذلك أنك، في التي سُمّيت عملية السلام، منذ ما قبل كيسنجر وصولاً إلى ستيف ويتكوف، لا تستطيع أن تقع على "تمايزٍ" بين "الوسيط" الأميركي والجانب الإسرائيلي. وفي الوُسع أن يُحسََب القسّ السابق، هاكابي، صوتاً صريحاً لدولة الاحتلال التي لم تعقّب حكومتها بأي توضيحٍ بشأن السفاهات التي أشهرها المذكور في إجاباته على أسئلة زميله السابق في "فوكس نيوز"، الصحافي تاكر كارلسون. كما أننا، حتى ساعة كتابة هذه السطور، لم نُصادف نأياً من الخارجية الأميركية على كلام أحد موظفيها الرفيعين، وهو يتطاول، باستخفافٍ معلن، على دولٍ عربيةٍ حليفة للولايات المتحدة. أما وأنها صحيحةٌ تعليقاتٌ غير قليلة التفتت إلى يهوديّة هاكابي هذا، المعمّدة بإنجيليّة صهيونية، يعبّر عنها تيارٌ واسعٌ في الولايات المتحدة، يردّ وجوب دعم إسرائيل (في كل شيء) إلى ارتباطٍ روحاني، فإن لنا أن نتذكّر أن الرئيس بيل كلينتون كان الوحيد غير اليهودي في الفريق الأميركي في أثناء مفاوضات كامب ديفيد (2000) بين ياسر عرفات وإيهود باراك. ولأن المسألة ليست في يهوديّة هذا أو ذاك، ولأن شجعاناً من أصحاب هذه الديانة تستحقّ مواقفهم الأخلاقية كل تثمين، فإن هذه السطور إنما تكترثُ بتلك اليهوديّة المغالية في الصهينة، والتي "تستثمر" في نُتفٍ توراتية تؤولها كما تشاء، ومن أساطينها هاكابي الذي ينطق باسم كتلٍ صلبةٍ تقيم في الإدارة الأميركية الراهنة، في البيت الأبيض والخارجية والاستخبارات. أما الكونغرس الذي يقف أعضاؤه مصفّقين في أثناء كلمةٍ يلقيها فيهم نتنياهو، وقد كانت أرطالُ التدليس فيها باهظة، فيتحدّث عن نفسه. وهذا السيناتور ليندسي غراهام، مثلاً، لم يتلعثم عندما نصح بتزويد إسرائيل بسلاح نووي للإجهاز على غزّة ومن فيها. تلك الصهيونية الإنجيلية، وذلك الكلام عن الشعب اليهودي الذي اختار له الرب "هذه الأرض"، على ما استرسل هاكابي، يأخُذانا إلى أن أعلام الحركة الصهيونية ومؤسّسي دولة الاحتلال لم يكونوا متديّنين، بل يُحسب تيودور هرتزل مُلحداً. أمّا بن غوريون الذي أعلن عدم تديّنه، وقال إن بناة إسرائيل الأوائل لم يكونوا مؤمنين، فهو الذي عزّز عدم فصل الدين عن الدولة في الكيان الذي أعلن قيامه، ولكن إسرائيل التي مشى مشروعُها ووصل إلى ما نرى غيرها التي كانت في تلك الأيام. كما أننا في لحظةٍ، يتهاوى فيها المشرق العربي إلى ما يُشبه الكُساح أمام التوحش الإسرائيلي الذي لا تتعيّن له سقوف، ونرى في الغضون ترامب يختار هاكابي سفيراً، وهو الذي يعرف هواه، بل تعمّد أن يكون شخصٌ بهذه الرثاثة في هذا الموقع، الثقيل القيمة من بين مواقع ممثلي الدولة العظمى في العالم. لا يرى هذا السفير المتحرّر من أي أعراف دبلوماسية وجوداً لفلسطين وشعبها، ويتحمّس لضمّ الضفة الغربية، وليست منسيةً دعوتُه الرئيس ماكرون بأن يقيم الدولة الفلسطينية التي اعترف بها في الريفيرا الفرنسية. وهو لا يجد أي حرج في الحديث عن حياة أطفال غزّة باستهتارٍ مريع، ويقيم في حواشيه ازدراءٌ ظاهرٌ للعرب الذين في وسع حكوماتهم أن تطالب باعتذار أميركي رسمي عما يتفوّه به، وقد كان طيّباً من الخارجية السعودية أنها طلبت من نظيرتها الأميركية توضيحاً بشأن ما تجرّأ به بوقاحةٍ لم يشهر أي سياسي أميركي مثلها سابقاً... ولكن، هل يُنتظر أن يزاول العرب نشاطاً آخر غير بيانات التنديد التي قرأنا، أم أن ليندون جونسون أوجز، منذ ستة عقود، الحال والمآل؟

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows