Arab
كشفت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة وهجمة التّطهير العرقي في الضّفّة الغربيّة والقدس أنّ معظم الدّول العربيّة لم تعد ترَى إسرائيل خطرًا استراتيجيًا عليها، كما أنّ الالتزام بالقضيّة الفلسطينيّة لم يعد عاملاً محرّكًا وموحِّداً لما تبقّى من النظام العربي المهلهل. لكنّ التنصّل من الالتزام بالقضيّة الفلسطينية عربيًا سبق كلّاً من الحرب المدمِّرة التي شنّتها إسرائيل وعملية "طوفان الأقصى" الّتي أطلقتها حركة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فعشية الحرب وصل ترتيب حقوق الشعب الفلسطيني في الأجندات العربية الرسمية إلى أسفل السلم ولم تعد أولويّةً، بل صرنا نشهد اندفاعًا غير مسبوقٍ إلى التطبيع مع إسرائيل، واعتبار الحديث عن فلسطين شيئًا من الماضي.
كان هناك سببان رئيسيان لابتعاد النظام العربي (أي الحكومات) عن القضيّة الفلسطينيّة؛ الأوّل اتّفاقيات السلام مع إسرائيل، من معاهدة كامب ديفيد المصرية عام 1978، مرورًا بأوسلو عام 1993، وصولاً إلى المعاهدات الإبراهيمية مع دول الإمارات العربية المتّحدة والبحرين والمغرب والسودان عام 2020، و مثّلت هذه الأولى خرقًا غير مسبوق أذهل حتّى واشنطن.
إذ لم يكن في خيال حتّى المراكز الصهيونية في أميركا أن تقبل دولةٌ عربيّةٌ غنيّةٌ بما يتجاوز التطبيع الرسمي والتعاون الاقتصادي، إلى تبنّي الادّعاءات الصهيونيّة بحقّ إسرائيل بـ"أرض فلسطين"، ولوم الفلسطيني على رفضه "التعايش الحضاري" مع اليهود، وكأنّ الصراع لم يكن إلّا حربًا دينيةً سبّبها المسلمون وليس المشروع الصهيوني الكولونيالي العنصري في فلسطين. أي تبنّي المفهوم الاستعماري الاستشراقي الذي يرى إسرائيل "صرحًا حضاريًا في وجه المتوحشين الذين يحيطون بها".
كانت القصّة الرئيسيّة هي أنّ المملكة العربية السّعوديّة باتت قاب قوسين من توقيع اتّفاقٍ رسميٍّ تطبيعيٍّ مع إسرائيل، ولم تنكر السّعوديّة ما ورد على لسان مسؤولين أميركيين في حينه. و كان سيشكِّل الاتّفاق السعودي الإسرائيلي المأمول ، كما رأته إسرائيل وأميركا، الجائزة الكبرى التي تمهِّد لتطويع كل المسلمين، ليس خضوعًا لقوّة أميركا وإسرائيل فحسب، بل وقبولًا بإسرائيل كيانًا طبيعيًا أصيلاً في المنطقة، والتخلي عن تاريخ الشعب الفلسطيني وحقوقه، وحتّى الرابط العربي والإسلامي بفلسطين.
أما العامل الآخر فكان، وما يزال، غياب الحرّيات والمشاركة السياسية في الدول العربية، مصحوبًا بالقمع السياسي والأمني، وغياب العدالة الاجتماعية وحقوق المواطنة، فأشاعت جميع سياسات كتم الأصوات وسياسات التفقير "النيوليبرالية" أجواءً من اليأس والإحباط، أضعفت العمل العامّ، خصوصًا بعد أن أُجهضت الانتفاضات العربية وفشلت في إحداث تغيير، بل زادت قسوة الأنظمة على شعوبها. وقد أضعف ذلك النشاط التضامنيّ مع فلسطين وحركات المقاطعة ضدّ إسرائيل، رغم استمرارها بصعوبةٍ تحت ضغوط التضييقات الأمنية والقانونية، بما فيها تغليظ عقوبات "الجرائم الإلكترونية"، التي وُضعت أو كُيِّفت لفرض الصمت وكبح أيّ حِراكٍ مُعارضٍ، ولو بالتعبير عن الرأي.
فقد يصبح المجلس، الّذي لم يدخل قطاع غزّة بعد، بديلًا للتحرّكات العربية المشتركة ولقرارات مجلس الأمن؛ إذ لا تريد أميركا قراراتٍ جديدةً في الأمم المتّحدة تضع قيودًا على الاحتلال الإسرائيلي أو تدينه
لا شكّ أنّ عمليّة "طوفان الأقصى" أحيت الأمل في النّفوس، فيما أشعلت صور القصف والدمار والتجويع والموت في قطاع غزّة وفيديوهاتها الغضب الشعبي على إسرائيل وعلى تخاذل الأنظمة في معظم الدول العربية، لكنّ الأنظمة تحرّكت بعقليّةٍ أمنيّةٍ عُرفيّةٍ؛ إذ خافت أن تؤدّي هذه الغضبة إلى انتفاضات شعبيّة ضدّ حكمها والإضرار بعلاقتها مع واشنطن. فبدلًا من إطلاق الحريات وتشجيع المسيرات والأنشطة رداً على استهتار الحكومة الإسرائيلية (حكومة بنيامين نتنياهو) بها وازدرائها لها وللاتّفاقيات الموقَّعة معها، واستخدامها ورقة ضغطٍ بمواجهة التّعنُّت الإسرائيلي، رفضت هذه الحكومات تجميد الاتّفاقيات وحافظت عليها، بل وعمّقتها خصوصًا بين أبو ظبي وتل أبيب، في دليلٍ على إسقاط مفهوم الأمن القومي العربي، لأنّ همّ معظم الأنظمة كان الحفاظ على نفسها من خلال الدعم الأميركي، والخلاص من حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وتأثيرها المقاوم.
ليس هذا فقط، بل مثّلت حرب الإبادة الإسرائيلية فرصةً للأنظمة العربية للقضاء على التّيّار الإسلامي والإخوان المسلمين في المنطقة، لأنّها خافت أن يستقوي (أي التيار الإسلامي والإخوان المسلمين) بحركة حماس إذا انتصرت على إسرائيل، فشاهدنا اتّخاذ المعركة مع الحركة الإسلامية ذريعةً لمنع التظاهرات وقمعها، إلى أن وصل الأمر بالأردنّ إلى منع رفع العلم الفلسطيني، حتّى لا تغضب الولايات المتحدة وإسرائيل، وكبح أي حركات أردنية لمناهضة إسرائيل. لا يعني ذلك أنّ الدول العربية أو بعضًا منها لم تتحرك عالميًا وقضائيًا وإعلاميًا، فالأردنّ التي منعت النشاطات المحلية صعّدت نشاطها في الأمم المتّحدة، ومحكمة العدل الدولية والمحافل الأممية.
لكنّ غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على المواقف العربية الأكثر تفاعلًا إعلاميًا ودبلوماسيًا، مصحوبًا بوعوده بوقف حرب الإبادة، وأخيرًا ما سُمّي بخطّة ترامب، أبطأ من وتيرة التحركات العربية، خصوصًا بعد اتّفاق وقف إطلاق النار الذي خفّفت إسرائيل بموجبه وتيرة القتل، لكنّها لم توقفه. فبدا أنّ المنطقة العربية دخلت مرحلة انكفاءٍ سياسيٍّ ودبلوماسيٍّ نتيجة إصرار الدول العربية على مسايرة ترامب، لا سيّما بعد أن قام مجلس الأمن الدولي بإعطاء شرعيةٍ لما يُسمّى بـ"مجلس السلام"، الذي يرسّخ السيطرة الاستعمارية الأميركية - الإسرائيلية على قطاع غزّة، فبدت جميع الدول بما فيها السلطة الوطنية الفلسطينية وحتّى حركة حماس مكبلةً ومرتهنةً لسلطة المجلس الجديد.
كان انضمام دولٍ عربيةٍ إلى عضوية "مجلس ترامب"/ "مجلس السلام"، حتّى لو كانت تعتقد أنّها مجبرة، مؤشّرًا جديدًا على تدهورٍ جدّيّ للحسّ الأمنيّ العربيّ بالخطر الإسرائيلي، وتغييب العمل العربي المشترك، الذي يواجه حالةً من التفتّت والانقسام أصلًا.
فقد يصبح المجلس، الّذي لم يدخل قطاع غزّة بعد، بديلًا للتحرّكات العربية المشتركة ولقرارات مجلس الأمن؛ إذ لا تريد أميركا قراراتٍ جديدةً في الأمم المتّحدة تضع قيودًا على الاحتلال الإسرائيلي أو تدينه. وقريبًا قد نرى هذا المجلس يحلّ محلّ اجتماعٍ عربيٍّ أو يصبح المرجعية للقرارات العربية، أو على الأقلّ هذا ما ستحاول إسرائيل فعله.
لا تعني الصورة القاتمة أعلاه أنّ أميركا و"مجلس ترامب"/ "مجلس السلام" سينجحان في القضاء على التحرك العربي أو الفلسطيني، لكنّه عائقٌ حقيقيٌّ، فوجوده؛ إذا نجح في ترسيخ دوره؛ سيتحدّى مفهوم العمل العربي المشترك، خصوصًا أنّ مهمّته المساهمة في القضاء على مفهوم الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة وتحويل دور أي هيئةٍ فلسطينيةٍ في قطاع غزّة، أو أي رقعةٍ في فلسطين إلى هيئات إدارةٍ منعزلةٍ عن بعضها وعن الخارج الفلسطيني.
مستقبل العمل العربي المشترك وواقعه غير مُبشِّرٍ، لكنّه يعتمد كثيراً على ردّة الفعل تجاه تسريع إسرائيل في ضمّ الضّفّة الغربية المحتلة، فقد اعتقدت أنظمةٌ عربيةٌ عدّةٌ أنّها والمنطقة قد نجت من تدفّق اللاجئين الفلسطينيين عليها بفعل حرب الإبادة في قطاع غزّة. لكنّ الهجمة الاستيطانية الإرهابية واحتمال تهجير الفلسطينيين إلى الأردنّ أعاد مخاوف الأنظمة العربية، الّتي يجب أن تعيد النظر باستكانتها لوهم أنّ الحرب قد انتهت، أو أنّها في آخر أيامها، وبأنّ ترامب قادرٌ على وقف ضمّ الضّفّة الغربية، خصوصًا أنّ الموقف العربي في تأييد خطة ترامب اعتمد على تطميناتٍ منه بأنّه لن يسمح بتوسيع المستوطنات وطرد الفلسطينيين من الضّفّة الغربية، وهي وعودٌ لم تضع حدًّا للضّمّ التدريجي للضّفّة الغربية على الأرض.
مثّلت حرب الإبادة الإسرائيلية فرصةً للأنظمة العربية للقضاء على التّيّار الإسلامي والإخوان المسلمين في المنطقة
يجب أن تكون القرارات الحكومية الإسرائيلية المتتالية بتسريع ضمّ الضّفّة الغربية تحذيرًا جدّيًا لجميع الدول العربية، بأنّ أمن كلّ دولة عربيةٍ على حدة، والمنطقة العربية برمّتها في خطرٍ أكثر من أي وقتٍ مضى. فلن تؤثّر وعود ترامب أو تطميناته في تغيير سياسة إسرائيل، بل إنها (أي إسرائيل) تفرض وقائع جديدةً على الأرض، لن يسعى ترامب أو الغرب بأكمله إلى الضغط على اسرائيل لوقفها أو إلغائها.
يعتمد كثيرون هنا على موقف المملكة العربية السّعوديّة ودورها في مواجهة وكبح تداعيات دوران دولة الإمارات المتحدة في فلك إسرائيل. فلأول مرة هناك دولةٌ عربيةٌ تجاهر بمساندة إسرائيل وتمكينها من اختراق مناطق ودول إقليمية، كما حدث في أرض الصومال وسوقطرة في اليمن. وهناك حاجة ملحّة إلى موقف عربي موحد، فلا يمكن مواجهة خطر التهجير من دون تحرّكٍ عربي موحد، يلبّي الحدّ الأدنى من المصالح العربية المشتركة في رفض تغلغل إسرائيل وتفكيكها للأمن القومي العربي.
لكنّ ما يخيم على الأجواء هو التخاذل، الصمت على توغل إسرائيل في لبنان وسورية، الصمت على توغلها في الصومال وتوسيع نفوذها في اليمن بتمكينٍ من الإمارات العربية المتحدة. وإذا ما استمر هذا الضعف؛ فإنّ القتل في قطاع غزّة سيستمر، والخطر الّذي كان يُعتقد أنه تم تجاوزه؛ متمثلّا في تهجير الفلسطينيين من الضّفّة الغربية، وتقويض أمن الأردنّ والبلاد المحاذية للدولة الصهيونية، أصبح قابلاً للتحقق.
لكنّ الخوف الأكبر هو أن تعتبر الدول العربية أنّ تدفق الفلسطينيين بفعل التهجير والطّرد يجعل منهم "خطراً أمنيًا" بدلًا من إسرائيل، فلن تكون المصيبة حينها تدمير ما تبقّى من عملٍ عربيٍّ مشترك، إنّما ستكون الكارثة اشتعال حروبٍ أهليةٍ، تعمِّق وترسِّخ من سطوة إسرائيل وتفكيك الدول العربية.

Related News
تحطم «إف 16» تركية ومقتل الطيار
aawsat
6 minutes ago
واشنطن وطهران على «الخط الأحمر»
aawsat
26 minutes ago
تحذير روسي من مساعٍ أوروبية «لتسليح كييف نووياً»
aawsat
31 minutes ago