تكتيكات واستراتيجيات حرب التهجير بهدف الحسم الديمغرافي
Arab
1 day ago
share
برز مخطط الحسم الديمغرافي خلال السنوات القليلة الماضية في خضم الحرب السوداء الممتدة التّي تخاض ضدّ الفلسطيني وطناً وشعباً، والمتسارعة بمسارات متصاعدة، وبأدوات وسياقات متعددة للحسم النهائي وتفكيك القضية الفلسطينية، وطي صفحتها، وتتويج ذلك بإعلان انتصار وعلو المشروع الصهيوني، واعتُبر الحسم الديمغرافي أحد الأدوات الأساسية، وربما الأهمّ والأبرز، لتحقيق الحلم الصهيوني التوراتي، عبر التهجير القسري بالبطش والقتل والخنق الاقتصادي والضغط الاجتماعي والإرهاب النفسي، فقد مثل الصراع في جوهره التاريخي والوجودي صراعاً تمحور حول ثنائية الأرض والإنسان، إذ لم تكن الديمغرافيا في ما يخص المشروع الكولونيالي الاستيطاني مجرد إحصائيات تعكس التطور السكاني العددي، بل كانت وما زالت الأداة المركزية التّي تُبنى عليها شرعية الوجود الاستعماري الصهيوني، ونفي الحق الشرعي القومي للفلسطينيين أصاحب الأرض الأصليين، وتشير المعطيات الراهنة إلى أن الشعب الفلسطيني يعيش فصلاً متقدماً وشرساً من فصول "الإبادة الديمغرافية"، التّي تتجاوز حدود العمل العسكري المباشر، لتصل إلى هندسة دقيقة وشاملة، تهدف إلى تفريغ الحيز الجغرافي من أصحابه الأصليين، ضمن استراتيجية "المحو" التّي لا ترى في الفلسطيني إلّا عائقاً ديمغرافياً يجب إزاحته من أجل تحقيق نبوءات توراتية غيبية، هذا المسار الذي شهد تطورًا متسارعاً لافتا خلال السنوات الماضية،  انطلق مع النكبة (1948) ولم يتوقف لحظةً واحدةً، بل هو في حالة تأقلم وتطور مستمرين، متنقلاً من التهجير القسري؛ بأدوات القتل والنار والدماء، إلى ما يمكن تسميته بالتهجير البنيوي الصامت، إذ تُنتزع مقومات الحياة الكريمة من الفلسطينيين ببطء ومنهجية تجعل من بقائهم فوق أرضهم نوعاً من التحدي الوجودي اليومي، وهو ما يؤشر في النهاية إلى حرب ديمغرافية شاملة لا تستثني بقعةً واحدةً من أرض فلسطين التاريخية. تشير المعطيات السكانية الحديثة الموثقة مع نهاية عام 2023 إلى أن فلسطين التاريخية (الضفّة الغربية، قطاع غزّة، القدس الشرقية، والأراضي المحتلة عام 1948) شهدت تحولاً عددياً بين الفلسطينيين واليهود، فعدد الفلسطينيين الكلي وصل إلى 7.5 مليون نسمة، مقابل ما يقارب 7.2 مليون يهودي، هذا التقارب العددي، يمثّل في نظر صناع القرار في دولة الكيان تحدياً وجودياً، ولا سيّما مع استمرار النمو السكاني الفلسطيني بوتيرة أعلى، لذا يتطلّب استراتيجيات وتكتيكات سريعة وفعالة لوقف المد الديمغرافي الفلسطيني، تراوح بين القتل والتدمير والإبادة، إضافةً إلى الإجراءات اليومية الضاغطة، مروراً بالاستيطان ومصادرة الأراضي وتدمير المنازل، وسحب الهويات، ونشر الفوضى، وإسناد الجريمة المنظمة (أراضي 1948). يكمن مأزق المشروع الاستيطاني في عدم قدرته على تحقيق "الحسم الديموغرافي" النهائي، رغم كل الدعم الدولي المفتوح، فقد أثبت الفلسطيني قدرةً استثنائيةً على "إعادة إنتاج الوجود" فوق أرضه اجتماعياً وثقافياً وسياسياً ولعل قطاع غزّة، يجسد حالياً النموذج الأكثر فجاجة ودموية لهذه السياسة، فيُطرح التهجير رسمياً بوصفه هدفاً معلناً، لكنه يُمارس فعلياً على أرض الواقع، حيث انتقل العدو الصهيوني من استراتيجية الحصار والخنق خلال السنوات الماضية، ما قبل عملية "طوفان الأقصى"، إلى مرحلة الإبادة العرقية، والتدمير الشامل لكل أساسيات الحياة، ولكل ما يجعل الأرض قابلة للسكن البشري، فما  يحدث في القطاع منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول ليس مجرد عمل عسكري انتقامي، بل هو محاولة منظّمة لضرب حيّز الفلسطينيين الديمغرافي والمكاني، عبر تحويل مدنهم ومخيّماتهم إلى مساحات من الأنقاض غير القابلة للاستصلاح في المدى المنظور، ما يضع أكثر من مليوني فلسطيني غزّي أمام خيارات قسرية تستهدف دفعهم نحو البحث عن الحياة خارج الوطن، وما ترويج مصطلحات خادعة مثل "الهجرة الطوعية"، أو "الممرات الإنسانية" إلّا غطاء لمخططات قديمة متجددة تهدف إلى تصفية الوجود البشري الفلسطيني في قطاع غزّة، وتحويل القطاع إلى منطقة غير قابلة للحياة بأعداد محدودة أو حتّى خالية من البشر، وهو ما يمثّل ذروة الحرب الديمغرافية الّتي تسعى إلى  إخراج قطاع غزّة من معادلة الصراع الوطني، وتحويلها من قضيّة تحرّر وسيادة إلى كارثة إنسانية تبحث عن حلول إغاثيّة ومأوى خارج حدود الوطن. وبالانتقال إلى الضفّة الغربيّة، تتبدّى الحرب الديموغرافية في أجلى صورها في أدوات الفوضى والقوّة الخشنة، ممثّلةً بعربدة قطعان المستوطنين واعتداءاتهم اليومية بحماية الجيش الصهيوني وغطائه، والأدوات "التنظيمية والقانونية" عبر سياسة "المعازل"، التّي تفتت الجغرافيا الفلسطينية وتحولها إلى جزر معزولة في محيط استيطاني يبتلع الجغرافيا والموارد، إضافةً  إلى استخدم منظومة معقدة من القوانين العسكرية، وجدار الفصل العنصري، والسيطرة المطلقة على مصادر المياه والكهرباء، ومنع التوسع العمراني في المناطق المصنفة (ج)، لخلق بيئة طاردة تجبر الفلسطيني على البحث عن مستقبل بعيد عن وطنه، فعمليات الضمّ الزاحف التي تجري في الأغوار وجبال الضفّة، التّي كان آخرها في يناير/كانون الثاني 2026 بفرض ما يُسمى بالقانون الاسرائيلي على معظم الضفّة الغربية"، تهدف في الأساس إلى حصر الوجود الفلسطيني في "بانتوستانات" محاصرة لا تملك أيّ أفق للتطور، ما يجعل الصراع الديمغرافي هنا صراعاً على أبسط حقوق الحياة اليومية، إذ يُعتبر تشييد بيت أو مزرعة أو شارع فعلاً سياسياً يهدد الطموحات الاستيطانية، الّتي تسعى إلى تثبيت أغلبية يهودية دائمة في قلب الضفّة الغربية. تمثّل القدس المحتلة (القدس الشرقية) مختبر السياسات الديموغرافية الصهيونية الأكثر دقة وحساسية، وقد وصل عدد السكان الفلسطينيين فيها إلى حوالي 391 ألف نسمة في نهاية 2023، في مقابل حوالي 230 ألفًا من المستوطنين، حيث تُسخر سلطات الاحتلال ترسانة هائلة من الإجراءات الإدارية والقانونية من أجل عبرنة المدينة المقدسة وتهويدها، وتغيير طابعها الحضاري التاريخي. إنّ سياسات سحب الهويات من المقدسيين، وهدم المنازل المنهجي بحجج عدم الترخيص، وفرض الضرائب الباهظة، هي أدوات تطهير عرقي ناعم تهدف إلى الحفاظ على نسبة ديموغرافية محددة لا تسمح للفلسطينيين بتجاوز نسبة محددة،  فما يجري في أحياء الشيخ جراح، وسلوان، والبلدة القديمة هو مواجهة ديموغرافية مباشرة، حيث يستبدل الفلسطينيون بمستوطنين غرباء ضمن عملية إزاحة مبرمجة تستهدف اقتلاع جذور الفلسطينيين التاريخية من عاصمتهم الدينية والسياسية،  والهدف النهائي في القدس هو الوصول إلى حالة من "النقاء الديموغرافي" الاستيطاني، الذي يحول الوجود العربي إلى مجرد "أقلية مقيمة" بلا حقوق قومية أو تمثيل سياسي فاعل. أيضًا؛ لا يمكن قراءة الحرب الديموغرافية بمعزل عن واقع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 (بلغ عدد السكان الفلسطينيين فيها في نهاية عام 2023 حوالي 1.75 مليون، 21%)، الذين يمثلون في العقلية الاستعمارية الصهيونية "قنبلة موقوتة" تهدد هوية الدولة العرقية من الداخل. يواجه هذا الوجود اليوم، الذي صمد أمام محاولات المحو والتذويب، استراتيجية جديدة من التهميش والإقصاء والضغط الديمغرافي، من خلال سن قوانين عنصرية صريحة مثل "قانون القومية"، الذي يجعل حقّ تقرير المصير حكراً على اليهود، ومحاولات تفتيت المجتمع الفلسطيني في الداخل عبر إهمال البنية التحتية المتعمد. إلى جانب ذلك برز في السنوات الأخيرة عامل جديد يتمثّل في تصاعد الجريمة المنظّمة داخل المجتمع الفلسطيني، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن الفلسطينيين يشكلون أكثر من 60 % من ضحايا جرائم القتل، رغم أنهم لا يتجاوزون 21 % من السكان، وفي الوقت نفسه، تبقى نسب حلّ هذه الجرائم متدنية جداً، مقارنة بالمجتمع اليهودي، هذا التفاوت لا يمكن فصله عن تواطؤ الشرطة الإسرائيلية وتقاعسها (شرطة إيتمار بن غفير)، التّي تُظهر تواطؤاً بيناً وتجاهلاً مقصوداً، في تفكيك شبكات الجريمة في البلدات العربية، يؤدي هذا الانفلات الأمني، بإطاره الإجرامي المنظم، وظيفةً سياسيةً واضحةً، إذ يحوّل الحياة اليومية إلى حالة دائمة من الخوف والرعب وعدم الاستقرار، ويدفع قطاعات من المجتمع، خصوصاً الشباب والطبقة الوسطى، إلى التفكير في الهجرة أو الانسحاب من المجال العام، ومن هنا تتحول الجريمة المنظّمة إلى أداة تهجير غير معلنة، تُستخدم لتفكيك المجتمع من الداخل، من دون الحاجة إلى إجراءات قسرية مباشرة. بالانتقال إلى الضفّة الغربيّة، تتبدّى الحرب الديموغرافية في أجلى صورها في أدوات الفوضى والقوّة الخشنة، ممثّلةً بعربدة قطعان المستوطنين واعتداءاتهم اليومية بحماية الجيش الصهيوني وغطائه يكمن مأزق المشروع الاستيطاني في عدم قدرته على تحقيق "الحسم الديموغرافي" النهائي، رغم كل الدعم الدولي المفتوح، فقد أثبت الفلسطيني قدرةً استثنائيةً على "إعادة إنتاج الوجود" فوق أرضه اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، وهذا الفشل التاريخي هو ما يفسر الانفلات الحالي في سياسات التدمير والقتل الجماعي، إذ يسعى العدو الصهيوني إلى حسم الصراع عبر خلق واقع لا يمكن الرجوع عنه، ومن هنا، يصبح الدفاع عن الوجود الديموغرافي الفلسطيني ليس مجرد قضية حقوق إنسان، بل هو دفاع عن العدالة التاريخية وعن حقّ الشعوب الأصيلة في البقاء فوق ترابها الوطني، إن هذه المعركة تتطلّب وعياً فلسطينياً وعربياً ودولياً يتجاوز الخطاب العاطفي إلى العمل الاستراتيجي، الذي يعزز مقومات صمود الفلسطينيين المادي في بيوتهم ومخيّماتهم، ويفضح آليات التهجير الناعم والخشن أمام المحافل القانونية الدولية. في المحصلة؛ يمكن القول إن الوجود العضوي للفلسطيني هو الحارس الأخير للرواية التاريخية، والصراع على الديمغرافيا هو صراع على المستقبل، ومادام الإنسان الفلسطيني متمسكاً بحقّه في البقاء والصمود، ستظلّ كل مخططات التهجير محاولاتٍ يائسةً لتأجيل حتمية التاريخ. إن انتصار الحقّ الفلسطيني مرهون بقدرة هذا الشعب على تحويل محنة الاقتلاع إلى منحة للصمود الكلي، وبقدرة العقل الجمعي الفلسطيني على بناء رؤية وطنية توحد الجغرافيا الممزقة خلف هدف واحد، وهو الحفاظ على الإنسان ركيزةً أساسيةً في وجه آلة المحو الصهيونية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows