Arab
يشهد النّظام الدّوليّ منذ العام 2008؛ أي بعد الأزمة الاقتصادية المالية العالمية حينها، وكذلك التدخل العسكري الإمبريالي الروسي في جورجيا تغيّراً عميقًا في بنيته، وحالةً متزايدةً من السيولة والفوضى وعدم الاستقرار، لم تعد تُفسَّر بسهولةٍ عبر المفاهيم الكلاسيكية في العلاقات الدّوليّة، الّتي تنتمي إلى المفاهيم النظرية للمدارس الواقعية والليبرالية والسلوكية. ولعل من أبرز ملامح هذه التحولات في النّظام الدّوليّ المعقّد الجديد هو أنّ التوازنات لم تعد ثابتةً، والتحالفات لم تعد دائمةً، والفواعل السياسية قد تنوعت لتشمل فواعل ما دون مستوى الدولة، مثل قوى الأمر الواقع وسلطاته، وفواعل ما فوق مستوى الدولة، مثل المنظّمات الدّوليّة، والشركات واللوبيات الكبرى، الّتي تتحكّم في كثيرٍ من البلدان بمصالح السياسة الخارجية، إلى جانب الدولة الّتي لم تعد الفاعل الوحيد في العلاقات الدّوليّة. كما أنّ النتائج السياسية والعسكرية باتت غير متناسبةٍ مع حجم الأدوات المستخدمة لتحقيقها، فعلى الرغم من استخدام أعتى الأسلحة وأكثرها فتكاً في الحرب البربرية الإسرائيلية على قطاع غزّة، فإن هذا لم يؤدِّ إلى تحقيق الحسم الإسرائيلي.
تفترض النماذج التقليدية في العلاقات الدّوليّة ضمنيًا أن النّظام الدّوليّ قابلٌ للفهم عبر منطق التوازن، أو المصلحة العقلانية، أو المؤسسات المنظّمة، لكنها تعتمد غالبًا على تصورٍ ضمنيٍّ بأن النّظام، رغم صراعاته، يسعى إلى نمطٍ من أنماط الاستقرار النهائي. تبرز هنا بالضبط أهمية نظرية التعقيد والفوضى الشواشية، ليس على اعتبارها نظريةً تقنيةً مستعارةً من الفيزياء فقط، بل إطارًا إبستمولوجيًّا قادرًا على التقاط منطق التحولات في عالمٍ لم يعد خطيًا ولا مستقرًا ومتعدّد الفواعل السياسية، ولتقدّم افتراضاً هامًا ومختلفًا جذريًا عما سبقه من أطرٍ نظريةٍ، مفاده أنّ حالة عدم الاستقرار هذه ليست خللاً في النّظام الدّوليّ، بل خاصيةٌ بنيويةٌ دائمةٌ فيه، والظواهر السياسية لا يمكن اختزالها في أسباب خطّية، أو فاعلين عقلانيين منفصلين، بل ينظر إلى السياسة الدّوليّة على أنّها منظومةٌ مفتوحةٌ متعددة المستويات تتسم بالحساسية العالية للتغيرات الصغيرة، وبالقدرة على إنتاج أنماط استقرار غير تقليدية داخل الفوضى نفسها. الفوضى أو ما يسمى بالحركة الشواشية ضمن سياق نظرية التعقيد، لا تعني غياب النّظام، بل وجود نظامٍ لا يمكن إخضاعه بالكامل للتنبؤ أو التحكم، إذ تتحول الأزمات من حالاتٍ مؤقتةٍ إلى بنىً مستدامةٍ تُدار بدل أن تُحل.
تبدو الحرب على القطاع حالةً نموذجيةً لفهم منطق التعقيد في الصراعات المعاصرة، فهي مساحةٌ جغرافيةٌ محدودةٌ، لكنها نقطة التقاء تفاعلاتٍ محليةٍ وإقليميةٍ وعالميةٍ، تتداخل فيها مشاريع الطاقة، والممرّات التجارية، والتحولات في السياسة الأميركية، وبروز عالم لا قطبي. ومن أبرز ملامح نظام التعقيد، الّذي يظهر في قطاع غزّة تعدُّدُ مستويات الفاعلين؛ فالصراع يجري بين دولٍ كبرى، وقوىً إقليمية، وتنظيمات مقاومة، ومؤسساتٍ دولية، وشركات طاقة، وشبكاتٍ اقتصاديةٍ عابرةٍ للحدود، إضافةً إلى فاعلين اجتماعيين وإنسانيين. هذه التعددية لا تنتج تراكبًا في المصالح فقط، بل تولّد تفاعلاتٍ متشابكةً، إذ يمكن لحدثٍ محليٍّ محدودٍ أن يعيد تشكيل توازناتٍ إقليميةٍ أوسع.
تتأثر منطقة الشرق الأوسط عموماً بشدّةٍ بظاهرة اللا قطبيّة الدّوليّة، حيث لم تعد قوةٌ دوليةٌ واحدةٌ كبرى قادرةً على فرض نظامٍ مستقرٍ، بل تتداخل مصالح قوىً متعددةٍ من دون قدرة أي منها على إنتاج تسوية نهائية
ثانيًا؛ يتسم الصراع الراهن في قطاع غزّة بدرجةٍ عاليةٍ من اللاخطية السياسية، أي إنّ العلاقة بين الفعل والنتيجة ليست متناسبةً. بمعنى أنّ حدثًا صغيرًا أو عمليةً عسكريةً محدودةً، أو تغيرًا في جهات التمويل، أو تصريحًا سياسيًا ما، قد يؤدّي إلى تحولاتٍ استراتيجيةٍ واسعةٍ. فقد كان السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 مثلاً النقطة الحاسمة الجديدة، الّتي أدت إلى تغيّراتٍ عميقةٍ في الشرق الأوسط برمته.
ثالثًا؛ يعيش الشرق الأوسط ضمن ما يمكن وصفه في إطار نظرية التعقيد بـ"الاستقرار الاضطرابيَّ" أو الاستقرار الشواشي، فالنّظام لا ينهار بالكامل، لكنّه لا يستقرّ نهائيًا أيضًا. الحروب تتوقف من دون أن تنتهي، الاتّفاقيّات تُبرم من دون أن تُحلّ جذور النزاع، والتحالفات تتغير من دون أن تتبدّل البنية العامة للصراع. النتيجة ليست فوضى مطلقة، بل نمطٌ مستدامٌ من عدم الاستقرار المنظَّم، وعدم القابلية للحسم والهزيمة. بهذا المعنى فالمقاومة الفلسطينية لم ولن تُهزم، لعدم حلّ الشروط البنيوية الّتي أنتجتها، أي ما زالت فاعلةً، بل قد تتّخذ أنماطًا جديدةً ضمن كلّ مرحلةٍ من مراحل هذا الاستقرار الاضطرابي.
رابعًا؛ يمثّل قطاع غزّة تحديدًا نموذجًا مكثّفًا لما يُسمّى في نظرية التعقيد بـ"تقاطع الجاذبات البنيوية". بمعنى أنّ القطاع، وفلسطين عموماً، ليس مجرد ساحة صراعٍ عسكريٍّ بسيطة الطابع، بل ساحة صراعٍ تاريخيةٌ معقّدةٌ تتفاعل فيها قوىً عميقةٌ تعمل في الوقت نفسه، وتشدّ الصراع في اتّجاهاتٍ مختلفة.
الجاذب في نظرية التعقيد ليس حدثًا عابرًا، بل بنيةٌ مستمرةٌ تُعيد إنتاج نفسها، وتفرض إيقاعًا معينًا على حركة النّظام، وعندما تتراكم جاذباتٌ عدّةٌ فوق بعضها فإنها لا تبقى مستقلةً، بل تتداخل وتتشابك بحيث يصبح أي تغيّرٍ في واحدةٍ منها قادرًا على إعادة تشكيل النّظام برمته. في حالة قطاع غزّة، فالبنية الديموغرافية وحدها تمارس ضغطًا دائمًا، بفعل الكثافة السكانية العالية والتهجير التاريخي. لا يبقى هذا الضغط اجتماعيًا فقط، بل يتحول تلقائيًا إلى ضغطٍ اقتصاديٍّ لأنّ الموارد محدودةٌ، وإلى ضغطٍ سياسيٍّ لأن إدارة مجتمعٍ شديد الاكتظاظ ضمن شروط حصارٍ دائمٍ تعني أنّ أيّ اضطرابٍ معيشيٍّ يتحوّل بسرعةٍ إلى توتّرٍ سياسيٍّ عامّ. أما الجاذب الأمني، فهو لا يتمثّل في الحروب فقط، بل في وجود حالة استعدادٍ دائم للصراع، أي إن النّظام يعيش في حالة توتّرٍ بنيويٍّ مستمرٍّ حتّى في فترات الهدوء الظاهري. هذا يعني أن البيئة كلّها مهيأةٌ للاستجابة السريعة لأي احتكاكٍ صغيرٍ، لأنّ الاستقرار ليس حالةً طبيعيةً راسخةً، بل مجرد توقّفٍ مؤقّتٍ داخل توتّرٍ دائمٍ. وفوق ذلك كله يأتي الموقع الجيوسياسي الّذي يربط القطاع بشبكات مصالح إقليميةٍ ودوليةٍ تتجاوزها بكثير، من توازنات القوى إلى مشاريع الطاقة والممرّات التجارية. هنا تصبح أي تغيّرات في البيئة الدّوليّة نفسها قادرةً على التأثير في الداخل، حتّى لو لم تنبع من السياق المحلي مباشرةً. المسألة الحاسمة أنّ هذه الجاذبات لا تعمل منفصلةً، بل تتفاعل تفاعلًا دائريًّا متبادلًا. ويغذّي الضغط الاقتصادي التوتّر الاجتماعي، ويرفع التوتّر الاجتماعيّ الحساسية الأمنية، ويعيد تشكيل الحسابات الجيوسياسية، وهذه بدورها تؤثّر في الموارد الاقتصادية، وهكذا يدخل النّظام في حلقات تغذيةٍ راجعةٍ مستمرة. بهذا المعنى، لم يعد القطاع مجرّد منطقةٍ تعاني من أزماتٍ متعددةٍ، بل أصبح منظومةً معقدةً تتقاطع داخلها قوىً بنيويةٌ مختلفةٌ، وكلّ واحدةٍ منها قادرةٌ على تضخيم أثر الأخرى، وهذا ما يجعل سلوكها السياسي والتاريخي المقاوم يبدو غير متوقَّعٍ، سريع التحول، وقابلًا لإنتاج نتائج كبيرة من أسباب تبدو صغيرةً في ظاهرها. هذا ما يحيلنا إلى نتيجةٍ هامّةٍ جداً؛ أنّ وهم الحسم الإسرائيلي غير ممكنٍ في العالم شديد التعقيد الّذي نعيش فيه حالياً، فالجاذبات الشواشية البنيوية الّتي ذكرناها قبل قليلٍ ستؤدي بالضرورة إلى اندلاع ثوراتٍ شعبيةٍ فلسطينية جديدةٍ تحت ضغط الفقر والتهجير والتجويع والتهديد الوجودي الأمني، أو استجابةً لتغيراتٍ تبدو عميقةً وممكنة الحدوث في طبيعة التحالفات الدّوليّة، والعلاقات الاستراتيجية الّتي تربطها، والّتي تتفاعل بشكلٍ أو بآخر في ساحة قطاع غزّة تحديداً.
خامسًا؛ تتأثر منطقة الشرق الأوسط عموماً بشدّةٍ بظاهرة اللا قطبيّة الدّوليّة، حيث لم تعد قوةٌ دوليةٌ واحدةٌ كبرى قادرةً على فرض نظامٍ مستقرٍ، بل تتداخل مصالح قوىً متعددةٍ من دون قدرة أي منها على إنتاج تسوية نهائية. هذا التوزع في مراكز القوّة يعمّق منطق التعقيد بدل أن يقلله. في السياق ذاته، لا يمكن مثلاً فصل ما يجري في قطاع غزّة عن مشاريع الطاقة في شرق المتوسط، ولا عن الحديث المتزايد عن الممرّ الهندي–الأوروبي، الّذي يهدف إلى إعادة رسم خرائط التجارة العالمية، وتقليص الاعتماد على الصين. هذا الممرّ، الّذي يربط الهند بالخليج ثمّ بالكيان الصهيوني فأوروبا، يعكس تحولاتٍ عميقةً في الاستراتيجية الغربية، لكنّه في الوقت ذاته يمرّ في بيئةٍ شديدة الهشاشة. لا يمثّل القطاع هنا مركز المشروع، لكنّه عنصر تعطيل شواشي، إذ إنّ استمرار عدم الاستقرار يرفع كلفة هذه المشاريع ويزيد مخاطرها، في حين أنّ فرض "استقرارٍ قسريٍّ" قد يُنظر إليه بأنه شرطٌ بنيويٌّ لإعادة إنتاج المقاومة الشعبية الفلسطينية نفسها.
تنسجم السياسة الأميركية، خصوصًا في ظلّ مقاربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع هذا المنطق اللا قطبيّ الفوضوي، فلا يتعامل ترامب مع الصراع من زاوية الحل أو التسوية، بل من زاوية إدارة الفوضى، لا يسعى إلى إزالة أسباب الصراع، بل إلى إعادة خلط الأوراق عبر صدمات كبرى تفتح مساراتٍ جديدةً، من دون الالتزام بنتائج محددة. ضمن هذا الإطار، يمكن فهم الاتّفاق الّذي رعاه ترامب حول قطاع غزّة، ليس بوصفه تسويةً سياسيةً، بل حلقةً أخرى في استراتيجية إدارة الفوضى. فالاتّفاق لم يتأسس على معالجة جذور الصراع، ولا على إعادة تعريف العلاقة بين الاحتلال والأرض والسكان، بل ركّز على تثبيت تهدئة طويلة الأمد مقابل ترتيبات أمنيةٍ وإنسانيةٍ واقتصاديةٍ مضبوطةٍ. يعمل هذا النوع من الاتّفاقات آلية تثبيتٍ لما يُسمّى بالاستقرار الشواشي المضطرب، أي يخفف حدّة العنف من دون أن يزيل شروطه البنيوية، ويمنح الفاعلين الدّوليّين مساحةً لادّعاء النجاح، في حين يبقى النّظام نفسه عالقًا في جاذباته الأساسية.
في قلب هذا المشهد المعقّد، لا يمكن إغفال البعد البنيوي في الاستراتيجية الإسرائيلية، الّذي يتجاوز منطق الحرب والردع إلى محاولة استغلال تعقد العلاقات والفوضى ذاتها، عبر إعادة تشكيل المجال الفلسطيني نفسه، وإنتاج كياناتٍ وظيفيةٍ ما دون مستوى الدولة. فلم تعد دولة الكيان، منذ سنوات، تتعامل مع فكرة الدولة الفلسطينية بوصفها خطرًا مؤجلًا فقط، بل باتت تسعى إلى تفكيك الفضاء السياسي الفلسطيني إلى وحداتٍ إداريةٍ وأمنيةٍ واقتصاديةٍ محدودة الوظيفة، قادرةٍ على إدارة السكان من دون امتلاك سيادةٍ فعلية. يظهر هذا المنطق في الضفّة الغربية في تعزيز دور السلطة؛ جهاز ضبطٍ أمني–إداري منزوع الأفق السياسي، ويتجلى في قطاع غزّة في محاولاتٍ متكررةٍ لفصل "الإدارة الإنسانية" عن البعد السياسي، سواءً عبر الحديث عن إداراتٍ محليةٍ، أو عبر هندسة ترتيباتٍ أمنية–اقتصادية. هذه الكيانات الوظيفية لا تهدف إلى حلّ الصراع، بل إلى إدارته ضمن منطق التعقيد، ما يصبّ في صالح المصلحة الاستراتيجية الإسرائيلية لأن ذلك يؤدّي إلى تقليص تكلفة الاحتلال، وتفتيت الفاعل الفلسطيني، ومنع تشكّل مركزٍ سياسيٍّ فلسطينيٍّ سياديٍّ.
يمثّل قطاع غزّة تحديدًا نموذجًا مكثّفًا لما يُسمّى في نظرية التعقيد بـ"تقاطع الجاذبات البنيوية". بمعنى أنّ القطاع، وفلسطين عموماً، ليس مجرد ساحة صراعٍ عسكريٍّ بسيطة الطابع، بل ساحة صراعٍ تاريخيةٌ معقّدةٌ تتفاعل فيها قوىً عميقةٌ تعمل في الوقت نفسه، وتشدّ الصراع في اتّجاهاتٍ مختلفة
إنّ السؤال العميق الّذي يطرح نفسه هنا هو: كيف سيكون دور المقاومة الفلسطينية في ظلّ هذه الفوضى المستدامة ضمن نظام التعقيد الدّوليّ؟ وفيما إذا كانت الانتكاسات الأخيرة تعني نهاية المقاومة وولادة كياناتٍ وظيفيةٍ جديدةٍ مستسلمةٍ للهيمنة الإسرائيلية على مساحة الشرق الأوسط الجديد. إنّ الجواب بالتأكيد ليس بسيطاً، ولكن يجب التأكيد على أنّ منطق الفوضى والتعقيد، رغم قسوته، لا يعني بالضرورة نهاية الفعل المقاوم، لكنّه قد يغيّر شروطه وأشكاله. لم تعد تعمل المقاومة في فضاءٍ ثنائيٍّ واضحٍ بين احتلالٍ وشعبٍ واقعٍ تحت الاحتلال، بل داخل شبكةٍ معقّدةٍ من الضغوط الإنسانية، والحسابات الإقليمية، والتداخلات الدّوليّة، ومحاولات الاحتواء الوظيفي. يفرض هذا على المقاومة أن تعيد تعريف ذاتها باستمرار، وتتحرك ضمن هوامش ضيقةٍ، إذ يمكن لنجاحٍ تكتيكيٍّ أن ينتج كلفةً استراتيجيةً عاليةً على العدوّ، ويصبح الحفاظ على المعنى السياسي للصراع تحدّيًا لا يقل صعوبةً عن الفعل العسكري نفسه، خصوصًا عبر رفض أدوار الكيانات الوظيفية الّتي تعززها دولة الكيان، والّتي تقسم فلسطين إلى الضفّة وقطاع غزّة وكأنهما قضيتان مختلفتان عن بعضهما البعض. تعيش القضية الفلسطينية اليوم لحظةً مفصليةً داخل صراع الفوضى الّذي أدّى من جهةٍ إلى تآكل أطر الشعب الفلسطيني التمثيلية السياسية، وإنهاك الوجود الاجتماعي الفلسطيني عبر حروب التصفية والتهجير، ومن جهة أخرى، أظهرت هذه الفوضى نفسها حدود القوة الإسرائيلية العاجزة عن الحسم، وكذلك عجز النّظام الدّوليّ عن إنتاج شرعيةٍ مستقرّةٍ للاحتلال، وعودة القضية الفلسطينية إلى مركز النقاش العالمي رغم كل محاولات التهميش.
في منطق التعقيد، لا يُقاس الأمل بإمكانيّة الحلّ القريب، بل بقدرة النّظام على إنتاج تحولاتٍ غير متوقعةٍ. قد لا تتجه القضية الفلسطينية نحو حلٍّ خطيٍّ واضحٍ، لكنّها لم تُغلق تاريخيًا، بل دخلت طورًا جديدًا من الصراع، إذ أصبح الوعي، والسرديّة، والقدرة على إعادة التنظيم داخل الفوضى عناصر حاسمةً بقدر السلاح والسياسة. بهذا المعنى، لا يمكن القول إن الفوضى الراهنة تعني نهاية الأمل الفلسطيني، بل ولادة أشكالٍ جديدةٍ من المقاومة والصمود ضمن هذا النّظام المعقّد. فالفعل المقاوم نتيجةٌ موضوعيةٌ للنظام الفوضوي المعقد، ويتغير شكله حسب مراحل الصراع من دون أن يختفي جوهره.
فيبدو قطاع غزّة اليوم تحديداً مختبرًا قاسيًا لتحوّلٍ تاريخيٍّ دوليٍّ تتقاطع فيه المقاومة، والكيانات الوظيفية، وإدارة الفوضى، واللا قطبيّة العالمية، في مشهدٍ واحدٍ يعكس مستقبل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي في القرن الحادي والعشرين.

Related News
تحطم مقاتلة تركية من طراز إف 16 ومقتل طيارها
alaraby ALjadeed
11 minutes ago
«لا يمكن تقسيم أوكرانيا».. دعم أممي لكييف في ذكرى الحرب
al-ain
23 minutes ago
ترمب: طلبت من شركات التكنولوجيا الكبرى بناء محطات طاقة
aawsat
29 minutes ago