مجلس غزة للسلام حصان طروادة الذي اقتحم أسوار النظام الدولي
Arab
1 day ago
share
لم يكن قرار مجلس الأمن رقم 2803 مجرّد قرارٍ دوليٍّ استجابةً لإبادة جماعيّةٍ ضدّ الفلسطينيين في قطاع غزّة، بل كان بجوهره حصان طروادة الّذي تسلّل إلى قلب النّظام الدّوليّ القائم. إذ حملت خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في طيّاتها بذور نظامٍ بديلٍ، يتجاوز المؤسّسات ونمط العلاقات الدّوليّة القائمة، جوهره (الدكتاتور العالمي). يحاول ترامب اللعب خارج الصّندوق، والاستفادة من قوّة منصبه رئيسًا للولايات المتّحدة الأميركية، لتحقيق هدفه الأعلى المتمثّل بتَزَعُّم نظامٍ دوليٍّ، وفي الحدّ الأدنى نسج نفسه ومنظومته ضمن النّظام الدّوليّ القائم. لم تكن خطّة ترامب الّتي مررها في مجلس الأمن الدّوليّ سوى مقدمةٍ لميثاق المجلس المعلن عنه في دافوس 2026. الّذي أعطى الرئيس صلاحيّاتٍ مطلقةً من تعيينٍ وعزلٍ وتعطيلٍ ونقضٍ. سيبيّن الكاتب في هذا المقال كيف كانت الإبادة الجماعيّة في قطاع غزّة المطيّة لتمرير انقلابٍ على النّظام الدّوليّ القائم منذ عام 1945. وكيف أنّ هذا الميثاق هو دستورٌ مقنونٌ لتفرّد الفرد بالقرار الدّوليّ. ربّما استطاع ترامب تمرير خطّته في مجلس الأمن الدّوليّ وتجنّب فيتو روسيٍّ أو صينيٍّ أو فرنسيٍّ أو حتى إنكليزيٍّ عن طريق وضع الدول العربية والإسلامية في الواجهة من خلال مباركة الخطّة، وتفاقم الوضع الإنساني في قطاع غزّة، وعدم رغبة أيّ دولة في أن تبدو المعطِّل لوقف الإبادة الجماعيّة المستمرة في القطاع. كما مررت الخطّة في فترة تهديد ترامب دول العالم والضغط عليها، والدخول في مفاوضاتٍ معهم من جهة أخرى، ما دفع الدول دائمة العضوية إلى قبول التنازل عن قطاع غزّة، والموافقة على أن يكون ترامب الحاكم المطلق له. لكنّ مفاجأة ترامب كانت بالنقلة الثانية، الّتي تكشّفت بالإعلان عن ميثاق المجلس في دافوس، إذ وسّعت المادة الأولى من الميثاق صلاحيات المجلس لتشمل جميع مناطق النزاعات، أو المهددة بالنزاعات في العالم! فعليّا وسّع الميثاق صلاحيات المجلس من قطاع غزّة كي تشمل العالم كله، مهشمًا المؤسّسات الدولية، ونمط العلاقات الدّوليّة القائمة، إذ يقوّض المجلس الوكالات الدّوليّة على هشاشتها، ويسحب من يدها ملفات (الأمن والإغاثة وإعادة الإعمار و …) ويضعها في يد المجلس التنفيذي لمجلس السّلام، الّذي لا يخضع لرقابة أي هيئةٍ دوليةٍ (جمعية عمومية للأمم المتّحدة أو مجلس الأمن أو أي هيئة دولية أخرى)، كما لا يخضع لرقابة أي دولةٍ من دول العالم، بما في ذلك الولايات المتّحدة نفسها. فهو خاضعٌ لرئيس مجلس السّلام فقط. أعطى قرار مجلس الأمن 2803 مجلس ترامب صلاحياتٍ مطلقةً في قطاع غزّة، لا تملكها أي هيئةٍ أو منظّمةٍ دوليّةٍ أخرى يؤسّس ميثاق المجلس لدكتاتورية الفرد العابرة للحدود، ومن الغريب تهافت العديد من الدول للانضمام إلى عضوية المجلس، والقبول بدفع إتاوات (مليار دولار)، مع علمها المسبق بأنّها ليست سوى دمى أو ديكور في المجلس، لا قرار ولا حول ولا قوّة لها، وهذا ليس خفياً على أحدٍ، بل واضحٌ لكل من يقرأ الميثاق، إذ أعطت مواده رئيس المجلس سلطاتٍ وصلاحياتٍ مطلقة. فهو الّذي يدعو الدول إلى الانضمام، وله القدرة على عزلها أو تمديد عضويتها. كما يتمتع الرئيس بسلطةٍ حصريةٍ لإنشاء الكيانات التابعة للمجلس أو تعديلها أو حلّها، ويعيّن وليّاً للعهد، ويُنشئ اللجان الفرعية، ويعيّن المجلس التنفيذي، وله القدرة على تعطيل قراراته في أي وقت، ولو بعد البدء بالتنفيذ. وهو المرجع النهائي في ما يتعلق بتفسير هذا الميثاق وتطبيقه. المشكلة الأساسية في قرار مجلس الأمن 2803 أنه لم يحدد فترةً زمنيةً واضحةً لانتهاء عمل مجلس ترامب، ولم يحدِّد آلياتٍ يمكن من خلالها حلّ المجلس من دون الصدام مع أيّ فيتو من أعضائه. ومن المعروف أن الجمعية العامّة للأمم المتّحدة؛ ولو تحت بند الاتّحاد من أجل السّلام؛ غير قادرةٍ على التأثير، لأنّ قراراتها تفتقر لقوّة الإنفاذ، المحصورة في مجلس الأمن الدّوليّ تحت البندين السادس والسابع. وما يحمي مجلس ترامب من الضغوط أنّه مستقلٌّ مالياً، فسيعتمد لانطلاقته أوّلًا على الإتاوات من الدّول الأعضاء، وثانيًا على وضع اليد على الثروات في قطاع غزّة، والسيطرة على مشاريع إعادة الإعمار (الدجاجة الّتي تبيض ذهباً). يحاول ترامب أن يضمّ إلى مجلسه رؤساء دولٍ كبيرةٍ، عن طريق الاعتراف لهذه الدول ببعض النفوذ، ويبدو أنّه يطمح لضم فلاديمير بوتين، وهذا يضمن تحصينًا إضافيًّا له في حال تخلّي الولايات المتّحدة عنه مستقبلاً. إن خطّة ترامب وميثاقه تجعلان من القطاع العاصمة الافتراضية لإمبراطوريّته الّتي لا حدود لها، تشبه الى حدٍّ ما نمط الاحتلال الحالي (إسرائيل)، الّذي يعتبر وجوده مخالفاً لكلّ مبادئ القانون الدّوليّ وأسسه. إلّا أنّ مجلس ترامب يتجاوز الأنماط الاحتلاليّة المعروفة مؤسّسًا لنمط احتلالٍ عابر ٍللقارات، يحوّل السيادة إلى حقوقٍ إداريةٍ منقوصةٍ، ويلغي حقّ الشعوب في تقرير مصيرها. لم يكن هدف ترامب إضافة كيانٍ جديدٍ إلى المنظومة الدّوليّة، بل إخراج الأمم المتّحدة من الخدمة، عبر خلق نظامٍ موازٍ يتفوّق عليها بالموارد والمرونة. ويستند بفرض نظامه الموازي إلى مجموعة تكتيكات أبرزها: 1-    وقّع ترامب بحكم منصبه رئيسًا للولايات المتّحدة في يناير/كانون الثاني الأمر التنفيذي رقم 14199، القاضي بانسحاب الولايات المتّحدة من 66 كيانًا ومنظمةً دوليةً، 31 منها تابعةٌ للأمم المتّحدة؛ من أبرزها (منظمة الأمم المتّحدة للتربية والتعليم والثقافة يونسكو، منظمة الصحة العالمية، مجلس حقوق الإنسان، صندوق الأمم المتّحدة للسكان). سيؤثر الانسحاب الأميركي حكماً على قدرة هذه المنظّمات على تنفيذ برامجها، لكون واشنطن المساهم المالي الأبرز بميزانياتها. 2- فرض مليار دولار على الدول الأعضاء في مجلسه يحقق من جهةٍ تمويلًا للمجلس، ومن جهةٍ أخرى يسحب فائض الميزانيات الدبلوماسية لهذه الدول بعيداً عن صناديق الأمم المتّحدة. يؤسّس ميثاق المجلس لدكتاتورية الفرد العابرة للحدود، ومن الغريب تهافت العديد من الدول للانضمام إلى عضوية المجلس، والقبول بدفع إتاوات (مليار دولار)، مع علمها المسبق بأنّها ليست سوى دمى 3- أعطى قرار مجلس الأمن 2803 مجلس ترامب صلاحياتٍ مطلقةً في قطاع غزّة، لا تملكها أي هيئةٍ أو منظّمةٍ دوليّةٍ أخرى، وبإعلان ميثاق المجلس أنه يمتد لكل مناطق النزاع في العالم ومناطق النزاعات المحتملة، يحاول سحب التفويض وتعميمه على كلّ منطقةٍ يرغب المجلس بالسيطرة عليها. يبني ترامب أممًا متحدةً خاصّةً به تعمل بعقلية الشركات، وهو المدير وصاحب القرار. لا يحاول هدم النّظام الدّوليّ القائم، بل يحاول تجاوزه بخلق نظامٍ بديلٍ يمتلك مقومات القوّة والمال والمرونة، في مقابل العجز المالي والبيروقراطية، والعجز عن اتخاذ القرارات بسبب القدرة التعطيلية للدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. يصطدم طموح ترامب بمجلسه الخاص، وبأن يكون دكتاتور العالم مع الدول العظمى حول العالم، الّتي تنازلت له عن قطاع غزّة، لكنها لن تقبل تمدّد ترامب إلى مناطق أخرى قد تكون تهديدًا مباشرًا لها. فأوكرانيا وتايوان مناطق نزاع، وغرينلاند منطقة نزاع محتملة، إضافةً إلى العديد من مناطق النزاع حول العالم، ما يصطدم بمصالح القوى العظمى ويجعلها مستهدفةً. وبالتالي قد تعطي سياسات ترامب نتائج عكسيةً تنهي التحالفات القديمة الراسخة، وتستبدلها بتحالفات جديدة قد لا تزيح ترامب عن المشهد الدّوليّ فقط، إنّما قد تزيح الولايات المتّحدة عن زعامة العالم. كما قد يفتح زمن الصراعات العالمية الكبرى المجال أمام الدّول الصّغيرة والمهمّشة للعب أدوارٍ مختلفةٍ، والأهمّ من ذلك قد تكون فرصةً لولادة نظامٍ عالميٍّ جديدٍ على تناقضٍ مع الرأسمالية والإمبريالية بمختلف أشكالها وتطوراتها. وقد تفتح التعقيدات والتناقضات في النّظام الدّوليّ أمام الفلسطينيين بوابةً للتغيير والتحرّر، رغم ما يعانونه من إبادةٍ جماعيّةٍ، وتطهيرٍ عرقيٍّ، وفصلٍ عنصريٍّ بمختلف أماكن وجودهم، ويضيف مجلس ترامب معاناةً جديدةً إلى معاناتهم، بما يقدمه من وعودٍ برخاءٍ اقتصاديٍّ مشروطٍ بتنازلاتٍ مسبقةٍ عن حقّ الشعب الفلسطيني بالوجود بوصفه شعبًٍا، وعن حقّه في التحرّر ومقاومة الاحتلال. في الختام يظهر أن مجلس ترامب ليس مجلساً لنشر السّلام في العالم، أو حلًّا للقضية الفلسطينية، بل بدايةٌ لعصر الدبلوماسية العنيفة، الّتي تستبدل الصفقات بالمواثيق الدّوليّة. إنّ نجاح ترامب بتمرير خطته بوصفها حصان طروادة في مجلس الأمن، ومن ثمّ إعلان ميثاقه في دافوس يضعان العالم أمام مفترق طرقٍ تاريخيٍّ؛ إما الاستسلام لنظام ترامب الجديد؛ أو استعادة روح العمل الدّوليّ المشترك وإصلاحه. إنّ مواجهة النّظام الترامبي يبدأ من الدول الكبرى وواجبها ومصلحتها في حماية هياكل الأمم المتّحدة المتهالكة وتطويرها، وجعلها أكثر مرونةً وقدرةً على الاستجابة الدّوليّة، ولا يمكن ذلك إلّا من خلال إلغاء حقّ النقض "الفيتو" في مجلس الأمن. وفهم الشعوب أنّ السّلام لا يمكن أن يكون في غرف الصفقات المغلقة، أو بفرض شروط الإذعان عليها، إنّما بتحرر هذه الشعوب. قد يستطيع مجلس ترامب بناء بعض ما تم محوّه في القطاع وتوزيع مساعداتٍ ومعوناتٍ، إلّا أنه سيبقى عاجزًا عن بناء شرعيةٍ سلبت من أصحاب الأرض. وبما يخص القضية الفلسطينية فإنّ هذا المجلس ماهو إلّا محاولةٌ ممنهجةٌ للاستفادة من جريمة الإبادة الجماعيّة في قطاع غزّة، وتحويل معاناة شعبٍ إلى مضارباتٍ عقاريةٍ واستثماريةٍ تسعى إلى حماية مرتكبي الإبادة وداعميهم من أي محاسبة أو تبعاتٍ قانونيةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ. لا بدّ من إفشال مجلس ترامب في مهده (في قطاع غزّة) لضمان فشله في الوصول إلى مبتغاه، وإنقاذ الشعب الفلسطيني من نمط احتلالٍ جديدٍ، وإنقاذ شعوبٍ أخرى من مصير الشعب الفلسطيني.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows