مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني "تساؤلات مشروعة"
Arab
2 days ago
share
اتفقت النقاشات الّتي تناولت المشهد الفلسطيني في الآونة الأخيرة لكُتّاب الرأي والسياسة والأكاديميين، في المقالات والدراسات واللقاءات، على أن المشروع الوطني الفلسطيني يمرّ بلحظة تاريخية فارقة؛ وأجمعت كلها واجتمعت على أن التحولات الداخلية والخارجية ومتغيراتها تقتضي ضرورة التغيير الجذري في بنية المشروع الوطني الفلسطيني وأطروحاته، وأهدافه، وأدواته. ولكن قبل استدعاء المشروع الوطني الفلسطيني هناك جملة تساؤلات مشروعة، إجاباتها أكثر أهمّية وأولوية من إعادة التعريف أو التوصيف. أول الأسئلة المشروعة ما هو المقصود بالمشروع الوطني الفلسطيني، وأين أصبح الآن؟ ما الذي تحقق طول زمن النضال الفلسطيني؟ وأين أصبنا وأين أخطأنا؟ أين اتفقنا وتوافقنا وأين اختلفنا؟ هل ما يزال المشروع الوطني بصيغته الحالية قادراً على الاستمرار؟ هل نحتاج أمام ما حدث وعصف بنا من متغيرات وأحداث إلى إعادة تعريف المشروع الوطني وإعادة تأسيسه بما يوائم ويتلاءم مع المرحلة الحالية؟ وهل هذا موضع اتّفاق فلسطيني؟ وهل هناك تعريف إجرائي موضوعي مُتفق عليه فلسطينياً للمشروع الوطني، مكوناته وأدواته وأهدافه وروافده وحواضنه؟ هل المشروع الوطني هو برنامج ما تبقى من منظّمة التحرير الفلسطينية؟ وهل تعمل الفصائل منفردة أو حتّى مجتمعة على تحقيق وتنفيذ المشروع الوطني الفلسطيني؟ أم أن كل فصيل يسعى إلى تنفيذ برنامجه الخاص، ويعتبر برنامجه هو المشروع الوطني؟ إذا استطعنا تقديم إجابة موضوعية حقيقية وطنية عن هذه التساؤلات نكون قد أعدنا تشخيص الأزمة التّي تعصف بالمشروع الوطني الفلسطيني، وبالتالي يمكننا التنبؤ بمستقبله ومآلاته. إنّ تشخيص أزمة المشروع الوطني الفلسطيني وتوصيفه وقراءة مستقبله لم تتوقف يوماً، ولم يكن الأمر وليد هذه اللحظة الفاصلة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، وقد قُدمت أوراق ودراسات ومقالات عديدة؛ وأذكر مثالًا على ذلك أن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عقد في عام 2013 مؤتمراً بعنوان " قضية فلسطين.. مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"، وعقد مؤتمراً آخر في عام 2015 بعنوان " ندوة أكاديمية للبحث في مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني". وفي الآونة الأخيرة استحضر منتدى الجزيرة السابع عشر، المنعقد في فبراير/ شباط 2026 الموضوع ذاته تحت عنوان "القضية الفلسطينية والتوازنات الإقليمية في سياق تشكل عالم متعدد الأقطاب"، إذ ناقش مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني. طبعًا لا يسعى المقال إلى إعادة تقديم ما قيل بخصوص مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني. يعترف الاحتلال الإسرائيلي بأن مخطط التهجير مستمرٌ ومتواصلٌ، ويعترف جيشه بأنّه قتل أكثر من سبعين ألف فلسطينيٍّ بعد الإنكار، وفي المقابل تكتفي الفصائل في خطاباتها وبياناتها بالحديث عن مواجهة التهجير والتدمير لا يُكتفى في مقاصد الحديث عن مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بدق جدار الخزان فقط، ولا يكفي التوصيف والتشخيص، بل إن التساؤلات القديمة لم تعد مُجدية، ذلك أننا بتنا أمام تساؤلات مصيرية جديدة غير مسبوقة تتعلق بواقع وصمود الإنسان الفلسطيني، إذ لا يوجد مشروع وطني من دون استحضار الإنسان الفلسطيني بكونه الأولوية الرئيسية. لقد بات اليوم أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزّة يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، وتمارس عليهم دولة الاحتلال هندسة التجويع وكي الوعي، وحُشروا جميعاً في خيام على طول سهل مدينة غزّة الساحلي، فالبحر من أمامهم ومليشيات العملاء المتعاونة والمتماهية مع الاحتلال من خلفهم، في مشهد وظاهرة غير مسبوقة في التاريخ الفلسطيني. بعد أكثر من سبعة عقود على عمر النكبة والنضال الفلسطيني المعاصر، بكل محطاته وأدواته وأبجدياته وإبداعاته، نقف اليوم أمام مشهدٍ مطلوبٌ فيه نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزّة، ويوضع إعمار القطاع، والانسحاب الإسرائيلي، وتحسين ظروف الحياة وإدخال المساعدات في مواجه ذلك بمعادلة صفرية، إما أن تقبلوا ذلك وإما العودة إلى حرب الإبادة. هكذا اختُصرت المعادلة، من مواجهة الاحتلال والحقّ في تقرير المصير استنادًا إلى الشرعية الدولية وقراراتها، إلى لحظة استفراد إسرائيلي غير مسبوقة بالقضية الفلسطينية، التّي اختُصرت حتّى أصبحت قضيةً إنسانيةً من معبر وغذاء وإيواء، ومن التحرير واستقلالية القرار الفلسطيني إلى الوصاية الدولية والانتداب الأميركي. في طريق إعادة قراءة المشروع الوطني، ومن واقع الحياة ومشاهدها في قطاع غزّة؛ يعصف بكاتب المقالة سؤال مفاده؛ ما الذي يمنعنا من اجتراح وحدة وطنية فلسطينية، لا سيّما بعد تقديم ما يزيد عن واحد وسبعين ألف شهيد، واثني عشر ألف معتقل، وعشرة آلاف مفقودٍ، وبنية تحتية مدمرة، وتضحيات وصمود وإجهاض التهجير رغم الإبادة وجرائم الحرب والتجويع على مدار عامين وأكثر؟ وما زالت المقتلة مستمرةً حتّى اللحظة في القطاع، وما حال الضفّة الغربية بأفضل من حال قطاع غزّة. يعترف الاحتلال الإسرائيلي بأن مخطط التهجير مستمرٌ ومتواصلٌ، ويعترف جيشه بأنّه قتل أكثر من سبعين ألف فلسطينيٍّ بعد الإنكار، وفي المقابل تكتفي الفصائل في خطاباتها وبياناتها بالحديث عن مواجهة التهجير والتدمير، وثبيت الفلسطيني وتقوية صموده على أرضه، من دون خطة واضحة، والسؤال ماذا قدمت لمئات الآلاف من النازحين في الخيام، وهم حاضنتها الشعبية ورافدها البشري وظهيرها الوحيد؟ أليس النزول إليهم والقيام عليهم وتلبية حاجتهم واحتياجاتهم هو عماد المشروع الوطني الفلسطيني؟ لا يمكن الحديث عن مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني في ظلّ استمرار الانقسام، فالأولوية إذن إنهاء الانقسام، ثمّ الذهاب إلى إعادة بناء المشروع الوطني. كما لا يمكن الاكتفاء باختصار المشروع الوطني الفلسطيني في دولة على حدود يونيو/حزيران 1967، أو في حلّ الدولة الواحدة، أو في فلسطين التاريخية، في حين تعيد إسرائيل احتلال 54% من قطاع غزّة، وهجرت وطردت سكانه وحشرتهم في شريط ساحلي، وتعلن رسمياً ضمّ الضفّة الغربية وتُقنونه. إذا لم نُعد تعريف مشروعنا الوطني الفلسطيني سيقوم دونالد ترامب بتعريفه حتّى يصبح مُختصراً في لجنة تكنوقراط في قطاع غزّة وسلطة بلا سلطة في الضفّة الغربية. لقد بات اليوم أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزّة يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، وتمارس عليهم دولة الاحتلال هندسة التجويع وكي الوعي، وحُشروا جميعاً في خيام على طول سهل مدينة غزّة الساحلي لا نعاني من غياب الأفكار، ولا قلّة التضحيات، لكننا نواجه تكلسًا في النخب والقيادات، نخشى الذهاب إلى نقاش وطني صريح لسؤال ماذا نريد اليوم، وكيف نحقق ما نريد، وكيف نحافظ على نضالنا في ظلّ المتغيرات الحاصلة. بالمناسبة، لا يمكن لفصيل واحد؛ مهما توفر له من مقومات؛ النهوض بالمشروع الوطني الفلسطيني، أو مواجهة المشروع الصهيوني منفرداً. التحديات كبيرة وخطيرة وغير مسبوقة، وتستهدف الأرض والإنسان وهما عماد المشروع الوطني الفلسطيني، وأمام ذلك فإننا أمام سيناريوهين لا ثالث لهما؛ الأول هو الذهاب إلى إعادة تأسيس شاملة، تشمل تجديد منظّمة التحرير لا إعادة إصلاحها، وبقاء هياكلها القديمة، وإنهاء الانقسام وصياغة استراتيجية وطنية واضحة مُتفق عليها، تُجيب على سؤال ما الذي نُريده وكيف يُمكننا تحقيقه. الثاني هو الاستمرار في التآكل البطيء، سلطة بلا سلطة ولا أفق، ومقاومة بلا برنامج؛ وشعب بلا تمثيل جامع؛ وقضية تتحول تدريجياً من قضية تحرير إلى قضية إنسانية، وبالتالي يتحول المشروع الوطني من مشروع تحرر إلى إدارة أمر واقع، كما يحدث الآن. ختامًا؛ إذا لم تخرج الكلمات والآراء والنقاشات التي تناولت مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني من الأوراق إلى الواقع لتُنفذ على أرض الواقع وتتجسد، وإذا لم نتداعَ جميعًا إلى ورشة مراجعة وطنية فلسطينية حقيقة جذرية، فسيتحول الحديث عن مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني إلى مجرد مناسبة أو ربّما ذكرى. ملاحظة؛ تُعتبر كافة الآراء والأوراق الّتي تناولت مستقبل المشروع الوطني في الآونة الأخيرة قراءات مستقلة غير فصائلية، ويبدو أن الفصائل غير معنية بالبحث في مستقبل المشروع الوطني. وقد طالع الكاتب مسودة دستور دولة فلسطين ولم يجد فيه أي ذكر للمشروع الوطني الفلسطيني.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows