Arab
في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، وتحديداً في سياق العقود الدفاعية والتنموية الأخيرة التي أبرمتها دولة الصومال مع عدد من القوى الإقليمية والدولية، برزت أنباء شبه مؤكدة تشير إلى أن مدينة لاسقري الصومالية هي مرشح رئيسي لإقامة قاعدة بحرية عسكرية تركية تهدف لتأمين خليج عدن والبحر الأحمر. وتندرج هذه التحركات ضمن استراتيجية تركية شاملة تسعى لتعزيز نفوذ أنقرة في هذه المنطقة الحيوية، والمنافسة مع قوى دولية أخرى تسعى لموطئ قدم في هذا الممر المائي الهام. وهنا يجب تسليط الضوء على المميزات الاستراتيجية لمدينة لاسقري وما تتمتع به من رافعات اقتصادية تؤهلها للفوز بهذه الفرصة الاستثمارية والدفاعية الكبرى.
تعد مدينة لاسقري (Laasqoray) جوهرة تاريخية عريقة تقع على الساحل الشمالي لمحافظة سناج (Sanaag) في الصومال، وهي ليست مجرد مدينة ساحلية هادئة، بل تمثل نقطة ارتكاز جيوسياسية تطل مباشرة على واحد من أهم الممرات المائية في العالم. وتشتهر المدينة بكونها العاصمة التاريخية القديمة لسلطنة قبيلة ورسنجلي الصومالية.
جغرافياً، تقع لاسقري في شمال شرق الصومال على ساحل خليج عدن، وتحيط بها تضاريس متنوعة تجمع بين الساحل الممتد والجبال الشاهقة، إذ تُعرف المنطقة بوجود سلاسل جبلية قريبة منها، وتحديداً قسم علمدو من جبال غولس، مما يمنحها طبيعة جغرافية فريدة تجمع بين الانفتاح البحري والتحصين الجبلي.
كما تتمتع مدينة لاسقري بموقع فريد يجعلها تشرف بصورة مباشرة وحيويّة على خليج عدن، ما يمنحها أهمية تتجاوز حدودها المحلية لتصبح رقماً صعباً في معادلة الأمن والاستراتيجية الخاصة بمنطقة البحر الأحمر. وتتجلى هذه الأهمية في موقعها الوسطي الذي يربط بين الموانئ الرئيسية في جنوب وشمال الصومال، مثل مقديشو وبربرا، وبين الممرات الملاحية الدولية. يمنح هذا الموقع المدينة ميزة كونها نقطة مراقبة طبيعية تشرف على السفن العابرة من وإلى مضيق باب المندب، الذي يعد الشريان الحيوي لربط التجارة بين الشرق والغرب، كما أن تضاريسها التي تجمع بين الساحل والجبال القريبة تجعلها منفذاً طبيعياً يربط العمق الأفريقي بالأسواق العالمية، ما يسهل حركة البضائع والمنتجات القادمة من الداخل الصومالي.
وتتعزز هذه الأهمية بكون لاسقري تتبع إدارياً لولاية شمال شرق الصومال المتميزة بثروة حيوانية هائلة تُقدر بعشرات الملايين من الرؤوس من إبل وأغنام وماعز وأبقار، والتي تمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد المحلي. ومن المتوقع أن تستعيد لاسقري دورها الذي لعبته في ثمانينيات القرن الماضي منفذاً رئيسياً لتصدير المواشي إلى دول الخليج العربي، وخاصة السعودية. المكانة العسكرية والأمن البحري: لا يمكن فصل أهمية لاسقري عن الصراع الدولي المحتدم على النفوذ في منطقة البحر الأحمر. فمن الناحية الأمنية، تمثل المدينة فرصة مثالية لإنشاء قاعدة متقدمة لعمليات مكافحة القرصنة وتأمين خطوط الملاحة الدولية، نظراً لقربها الشديد من مسارات السفن التجارية وناقلات النفط، كما أنها توفر عمقاً دفاعياً استراتيجياً في ظل التوترات المتزايدة في مضيق باب المندب، إذ تبرز بديلاً استراتيجياً أو نقطة دعم لوجستي متقدمة في خليج عدن. وموقع مدينة لاسقري يعد امتداداً استراتيجياً وحزاماً أمنياً حيوياً للوطن العربي، نظراً لإشرافها المباشر على خليج عدن والمحيط الهندي، ما يربط أمنها على نحوٍ وثيق باستقرار منطقة الشرق الأوسط.
اقتصادياً: تزخر مدينة لاسقري ومحيطها بمقومات اقتصادية هائلة تتجاوز موقعها الجغرافي لتشمل موارد طبيعية متنوعة، مما يعزز من قيمتها الاستثمارية: وتشتهر محافظة سناج بكونها منطقة واعدة وغنية بالمعادن، وتحديداً الذهب الذي يتركز في مناطق قريبة من لاسقري مثل ملحو (Milxo) وشندن (Shidan). إضافة إلى ذلك، توجد كميات هائلة من المعادن النادرة في جبال علمدو المطلة على المدينة. وتشير الأبحاث والتقارير الجيولوجية إلى وجود كميات اقتصادية كبيرة من الذهب في عروق الجبال والصخور، بالإضافة إلى مؤشرات قوية على وجود النحاس ومعادن نادرة أخرى في الإقليم. ورغم أن معظم أعمال التنقيب الحالية تقتصر على الذهب السطحي، إلّا أن التوقعات تشير إلى إنتاجية عالية جداً في حال جرى استخدام تقنيات حفر وتعدين متطورة.
بفضل سواحلها الغنية، تمتلك المدينة إمكانات اقتصادية هائلة في قطاع الصيد البحري، مما يؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً لصناعات صيد وتعليب وتصدير الأسماك، وهو ما سيعزز الاستقرار الاقتصادي للمنطقة المطلة على البحر الأحمر، علماً بأنه قد جرى إنشاء مصنعين لتعليب الأسماك في المدينة سابقاً مما يدل على جدوى هذا القطاع. وإلى جانب الثروة السمكية، يوجد بالقرب من مدينة لاسقري حقل نفطي غير مطوّر يُعرف بحقل جيلويتو (Geelweyto)، والذي تشير التقديرات وتصريحات لمسؤولين نفطيين سابقين إلى احتوائه على احتياطيات عالية تقدر بمليارات البراميل، مما يمنح المنطقة قيمة اقتصادية استراتيجية عالية جداً في سوق الطاقة.
تاريخياً: تحمل لاسقري إرثاً تاريخياً واجتماعياً عميقاً يعزز من مكانتها الحالية. فقد كانت قديماً عاصمة لسلطنة ورسنجلي ومركزاً تجارياً محورياً يربط بين شبه الجزيرة العربية والهند وأفريقيا. ولعبت المدينة دور الجسر للتواصل العربي الصومالي، إذ امتزج الدم العربي بالتراب الصومالي عبر تاريخ طويل من التجارة ونشر العقيدة الإسلامية، مما رسخ انتماء أهالي محافظة سناج والمناطق المجاورة لها للعروبة والإسلام. هذا الإرث الحضاري يعزز من القبول الاجتماعي والسياسي لأي تعاون استراتيجي مع المحيط العربي والإسلامي، ويجعل من الممكن أن تشكل لاسقري مرة أخرى واجهة حضارية واقتصادية لمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ختاماً، يتضح أن مدينة لاسقري ليست مجرد مرفأ قديم على الخريطة، بل هي مفتاح استراتيجي غير مستغل على نحوٍ كامل حتى الآن. إن تطوير البنية التحتية لمينائها وتفعيل مقدراتها الاقتصادية قد يحولها إلى قطب اقتصادي وأمني رئيسي يساهم بفعالية في استقرار الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر، كما أن تعزيز موقعها واستقرارها سيلعب دوراً محورياً في الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في المنطقة، مما يجعل الاستثمار فيها فرصة ذات عوائد جيوسياسية واقتصادية بعيدة المدى.

Related News
5 خطوات لحماية بصرك مع التقدم في العمر
aawsat
11 minutes ago
الأسهم الأوروبية عند مستوى قياسي بدعم من القطاع المالي
aawsat
11 minutes ago
هل القيء يبطل الصيام؟ الفرق بين المتعمد وغير المتعمد
al-ain
13 minutes ago
دراسة: السهر في رمضان قد يُفقدك فوائد الرياضة دون أن تشعر
al-ain
19 minutes ago