Arab
عاد السوري راشد التباني، الطالب في الصف السادس الابتدائي، مع عائلته من لبنان إلى بلدته القصير في ريف حمص، بعد نحو عشرة أعوام من اللجوء، ولم يكن يعرف سوى المناهج اللبنانية التي تدرّس غالباً بالفرنسية والإنكليزية، بينما اللغة العربية كانت محصورة في كتاب واحد.
عند التحاقه بمدرسته الجديدة في سورية قبل نحو شهر، وجد راشد نفسه أمام تحدٍ غير متوقع، فلغة التدريس مختلفة تماماً، والمناهج مختلفة في الأسلوب والمحتوى، والأرقام والمصطلحات الحسابية التي اعتاد عليها غير المستخدمة في المدارس السورية. كل شيء بدا جديداً وغريباً، من أسماء المواد العلمية، إلى طريقة كتابة الأرقام بالعربية، ما جعله يشعر بالارتباك.
وتقول والدة راشد: "لم يكن يريد الذهاب إلى المدرسة في الأيام الأولى، وكان يشعر أنه مختلف عن زملائه، ما أثر على اهتمامه بالمواد الدراسية".
وتعرض عدد كبير من الطلاب السوريين العائدين من لبنان وتركيا ومن بلدان أوروبا وغيرها من بلدان اللجوء إلى نفس الأزمة، فحين التحقوا بالمدارس السورية، برزت فجوة كبيرة بين ما تعلموه في الخارج وما يُدرّس في المناهج المحلية، فضلاً عن صعوبة التعامل مع البيئة الجديدة، والزملاء، والمعلمين، واللغة العربية.
ويشير مختصون إلى أن التحديات التي تواجه الطلاب العائدين تتراوح بين لغوية ومناهجية ونفسية، وقد تتفاقم بحسب عمر الطالب وخلفيته التعليمية، وجهد الأسرة قبل العودة. بينما يشير أولياء أمور إلى أن أبناءهم يحتاجون إلى وقت لفهم واقعهم الجديد، وأي محاولة للضغط عليهم قد تترك آثاراً عكسية على أدائهم الدراسي، وثقتهم بأنفسهم.
عاد السوري فيصل الدياب مع عائلته إلى ريف دمشق، ويقول لـ"العربي الجديد": "حرصت على تسجيل أبنائي في دروس خصوصية لتقوية اللغة العربية قبل العودة، ما ساعدهم على التأقلم بسرعة بعد التحاقهم بالمدرسة. يلعب المعلم دوراً محورياً في تشجيع الطلاب على تعلم العربية، فأسلوب التدريس الجاف قد يثني الطلاب عن الاهتمام بالمادة، بينما الأسلوب المشوق يعزز حبهم للغة، ويحفزهم على تحسين مستواهم".
عادت غزل، الطالبة في الصف الرابع الابتدائي، مع أسرتها من لبنان، وكان أحد أكبر التحديات التي واجهتها هي ضعف اللغة العربية. تقول والدتها لـ"العربي الجديد": "معلمة غزل الجديدة طالبت بإعادتها إلى الصف الثالث، لأن مستواها في القراءة والكتابة ضعيف، ما يعكس الفجوة الكبيرة بين المناهج اللبنانية والسورية. كانت ابنتي متفوقة في اللغتين الفرنسية والإنكليزية في لبنان، لكنها لم تتعلم العربية بالشكل الكافي".
بدوره، عاد سامي، الطالب في الصف السابع، مع عائلته قبل أشهر، وكانت الصعوبات التي واجهها مختلفة عن راشد وغزل. وتروي والدته: "حاولت المدرسة في البداية دمجه مع زملائه، لكنه شعر بالغربة، فالطلاب الآخرون ينظرون إليه كأنه مختلف، حتى أن بعض المعلمين يضعونه في صف مستقل لتقديم الدعم الإضافي، لكنه بذلك يبتعد عن بقية الطلاب، ويشعر بالعزلة. قمنا بتشجيعه كثيراً في البيت، ومساعدته على تكوين صداقات جديدة خارج المدرسة، ما ساعده تدريجياً على التأقلم".
وتشير ملاحظات أولياء الأمور إلى أن السنوات الأولى من الثورة شهدت اعتماد مناهج سورية خاصة للطلاب في لبنان، لكنها أُلغيت لاحقاً لصالح المناهج اللبنانية الرسمية، ما ترك فجوة واضحة عند العودة. ويعاني الطلاب العائدون من لبنان غالباً من صعوبات في اللغة العربية أكثر من بقية المواد، والكثير منهم لم يواجه مشكلات في الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات، لأن المفاهيم الأساسية مألوفة، بينما الكلمات والمصطلحات الجديدة بالعربية كانت صعبة الفهم.
ولجأ غالبية الطلاب إلى الدروس الخصوصية لتقوية لغتهم العربية، لأنها مفتاح فهم جميع المواد الأخرى، خصوصاً أن اللغة العربية مادة أساسية في النظام التعليمي السوري، وكانت إحدى الصعوبات اللافتة اختلاف الأرقام والمصطلحات الحسابية، إذ اعتاد هؤلاء على كتابة الأرقام بالفرنسية أو الإنكليزية، بينما المدارس السورية تعتمد الأرقام العربية (الهندية)، وكذا تسميات العمليات الحسابية.
ويؤكد مدير التعليم في وزارة التربية والتعليم السورية، محمد سائد قدور، أن الوزارة تعمل على تأمين بيئة تعليمية ملائمة للطلاب العائدين من الخارج، من خلال مجموعة من الإجراءات الرسمية والتنفيذية، والتي تهدف إلى مواءمة المناهج التعليمية، وتوفير أماكن مناسبة لتعليم شامل ومتوازن، بخاصة للطلاب الذين يعانون فجوات معرفية، أو لم ينخرطوا في التعليم سابقاً.
ويوضح قدور لـ"العربي الجديد"، أن "الوزارة خصصت برامج لدعم الطلاب، من بينها أماكن مخصصة لتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها، وتنفيذ برنامج (الفئة ب) للتعليم المسرع للطلاب المتسربين، إضافة إلى تعيين مشرفين متخصصين في كل منطقة لضمان تقديم الدعم التربوي والنفسي بشكل منتظم. التحديات الكبرى تتمثل في التوزيع الجغرافي للطلاب، ونقص الصفوف والكادر التعليمي، والفجوة العلمية بينهم، والوزارة تتخذ إجراءات لتعويض هذه الفجوات من خلال حصص إضافية، وبرامج دعم تمكن الطلاب من استعادة مستواهم الدراسي ومواصلة تعليمهم بشكل طبيعي". ويضيف: "الوزارة ملتزمة بضمان حق كل طالب في التعلم، ونأمل أن تسهم هذه الجهود في توفير بيئة تعليمية آمنة وملائمة تدعم عودة الطلاب بشكل سلس، وتسهم في تطوير جودة التعليم والنهوض بالنظام التعليمي السوري".
ويبقى دعم الأسرة والمعلمين أساسياً لتجاوز هذه الأزمة من خلال الدروس الخصوصية، والتوجيه النفسي، والبيئة التعليمية المشجعة، إلى جانب الجهود الرسمية لوزارة التربية لمساعدة الطلاب على استعادة توازنهم الدراسي والاجتماعي، والاندماج في وطنهم الذي غابوا عنه لسنوات طويلة.

Related News
ترمب في خطاب «حالة الاتحاد»: أميركا تشهد «تحولا تاريخيا»
aawsat
24 minutes ago
"رويترز": ترامب يبدأ إلقاء خطاب حالة الاتحاد
alaraby ALjadeed
25 minutes ago
أسرة ترامب.. حضور كامل العدد في خطاب حالة الاتحاد
al-ain
29 minutes ago