Arab
في الفضاء الجيوسياسي العربي، لا تكمن الأزمة في الجغرافيا بقدر ما تكمن في السرديّة؛ أي في القصة التي تروي بها الدولة نفسها لمواطنيها، ويروي بها المجتمع ذاته للعالم. فالدول لا تقوم على الحدود وحدها، بل على المعنى الذي يمنح هذه الحدود شرعيتها واستمرارها. ومن هنا، تبدو مسألة "السردية العربية" مسألة وجودٍ سياسي، لا مجرد سؤال ثقافي.
تشكّلت أغلب دول المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى في سياق إعادة رسم الخرائط، لا في سياق عقد اجتماعي داخلي تبلور عبر صراع اجتماعي طويل. وإذا كانت دول أوروبية، مثل فرنسا أو ألمانيا، قد أعادت إنتاج نفسها عبر لحظات تأسيس كبرى تحولت إلى سرديات وطنية متماسكة، فإن الدولة العربية وُلدت في منطقة رمادية بين الأمة والدولة، بين التاريخ العميق والحدود المستحدثة.
وهنا، ظل سؤال "الشرعية الأصلية" معلّقاً: هل الدولة امتداد لكيان حضاري يمثل الأمة؟ أم نتاج التقسيم والاستعمار؟ أم مشروع قومي لم يكتمل؟
في القرن العشرين، لم تُمنح الدولة الوطنية العربية فسحة كافية لبناء قصتها الخاصة، لأن الفضاء الجيوسياسي الرمزي كان مشغولاً بسرديات أوسع من الدولة ذاتها؛ فتصدّرت سردية "الأمة العربية الواحدة"، ثم سرديات "الإسلام السياسي" بصيغها المختلفة، إلى جانب سردية "المعركة الوجودية" مع كيان الاحتلال. ضمن هذا السياق، بدت الدولة القُطرية ككيان مؤقت أو ناقص، مجرد محطة في طريق وحدة كبرى مؤجّلة. حتى تجربة الناصرية في مصر، بما حملته من زخم رمزي عابر للحدود، أسست لسردية قومية واسعة، لكنها لم تُنتج في المقابل سرديات وطنية راسخة داخل كل دولة.
السردية الوطنية لا تُفرض بمرسوم، بل تُبنى عبر إعادة تأويل التاريخ في ضوء الحاضر، وعبر إشراك المجتمع في تعريف ذاته ومصيره
ومع تراجع المدّ القومي، نشأ فراغ رمزي لم يُملأ بسهولة؛ فبعض الدول لجأت إلى سردية الضبط الأمني بوصفه أساس الشرعية، وأخرى اعتمدت سردية "الأمن والاستقرار" قيمة عليا تشرعن كل شيء، فيما تبنّت دول ثالثة سردية إجرائية قوامها الرفاه والخدمات والرواتب، أي شرعية الأداء لا شرعية المعنى.
وسعت دول أخرى إلى تركيب سرديات هجينة تستدعي الدين والتاريخ والهوية المحلية لمواجهة صعود الإسلام السياسي، غير أن هذه السرديات غالباً ما ظلت وظيفية تُدار من أعلى، دون أن تتحول إلى قصة جامعة يشعر المواطن بأنه أحد أبطالها.
تتجلى خطورة الفراغ السردي حين تدخل المجتمعات لحظات انتقال سياسي. فالتجربة في جنوب أفريقيا بعد نهاية الفصل العنصري تقدم مثالاً دالاً؛ إذ قاد نيلسون مانديلا بناء سردية "المصالحة" كإطار أخلاقي جامع، لا مجرد تسوية سياسية مؤقتة، فأعاد تعريف الماضي بوصفه مادة لبناء مستقبل مشترك.
وعلى النقيض، فإن دولاً عربية شهدت انتقالات سياسية بعد ثورات 2011 لم تنجح في بلورة سردية وطنية بديلة عن سردية أزمة الشرعية القديمة، فتحول الانتقال إلى صراع هويات، وأصبح الماضي ساحة تنازع بدل أن يكون مصدر شرعية جامعا.
تتفاقم أزمة السردية حين يشعر المواطن بأن قصة الدولة لا تعبّر عنه، وأنه مجرد متلق لخطاب رسمي لا يرى ذاته فيه. فالسردية الوطنية لا تُفرض بمرسوم، بل تُبنى عبر إعادة تأويل التاريخ في ضوء الحاضر، وعبر إشراك المجتمع في تعريف ذاته ومصيره.
ليست المشكلة أن الدول العربية بلا تاريخ؛ بل ربما أن كثافة التاريخ وتعدد طبقاته أربكا عملية حسمه سردياً. فعندما لا يُعاد ترتيب الذاكرة في قصة مشتركة يتحول الماضي إلى مادة دائمة للاستقطاب: هذا يستدعي تاريخ الانتصارات، وذاك تاريخ الرموز، وثالث مشروع الدولة والحضارة، ورابع سردية المظلومية أو الثورة.
في المحصلة، السردية في الفضاء الجيوسياسي العربي ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً لبقاء الدولة وتماسكها. فالدولة التي لا تملك قصة مقنعة عن أصلها وغايتها تظل معلّقة بين خرائط رسمها الآخرون وأحلام مؤجلة لمشاريع لم تكتمل.
والتحدي الفلسفي والسياسي اليوم هو كيف تتحول الدولة من كيان يبحث عن شرعية في الماضي أو في الخارج، إلى مشروع سردي مفتوح يصنعه مواطنوه ويجدون فيه أنفسهم شركاء لا رعايا.
Related News
«سوا سوا» الحلقة 9.. هيما أمام صفقة قاسية لإنقاذ أحلام
al-ain
9 minutes ago
أول طفل في بريطانيا بعد «زراعة الرحم» من متبرعة متوفاة
al-ain
10 minutes ago