"سند المواطن" وأزمة الحكومة المصرية المزدوجة
Arab
2 days ago
share
تعاني الحكومة المصرية من أزمة مزدوجة، فهي بحاجة شديدة إلى السيولة النقدية، مع زيادة المصروفات العامة التي تتجاوز 4.5 تريليونات جنيه خلال العام المالي الحالي مقابل إيرادات تبلغ 3.1 تريليونات جنيه، وضغوط شديدة على الموازنة العامة، وزيادة الأعباء الناتجة عن ضخامة أعباء الدين العام، والتهام خدمة الدين الإيرادات العامة كاملة، وهو ما يفرض على الحكومة البحث عن سيولة إضافية، وربما المحافظة على سعر الفائدة الحالي لجذب مزيد من الموارد المالية التي تمكنها من تغطية عجز الموازنة المتنامي، وتمويل الاستثمارات العامة، وهذا يخالف خططها الرامية إلى خفض تكلفة الأموال وأسعار الفائدة مع تراجع معدل التضخم، والرغبة في خفض أعباء الدين العام الذي تجاوز 15 تريليون جنيه، أي ما يعادل 319 مليار دولار. تزيد معضلة الحاجة الملحة إلى السيولة مع تراجع الأموال الساخنة المتدفقة على مصر، وتلكؤ صندوق النقد الدولي في الإفراج عن شرائح من قرض الثمانية مليارات دولار، وضخامة الدين الخارجي البالغة تكلفة أعبائه ما يزيد عن 50 مليار دولار هذا العام وفق أرقام البنك الدولي. في المقابل، تخشى الحكومة من مخاطر مالية أخرى لا تتعلق بهشاشة التمويل الخارجي وجفافه من بعض المصادر، وزيادة فاتورة الواردات، بما فيها الغاز ومشتقات الطاقة، بل تكمن في تزايد السيولة النقدية المتاحة لدى الأفراد وداخل الأسواق، والتي خرجت من القطاع المصرفي في الفترة الماضية، ووجود مخاوف شديدة من تسرب تلك السيولة المالية الضخمة إلى السوق السوداء للعملة وشراء الدولار والذهب مجدداً، أو إلى شركات توظيف الأموال مع خفض أسعار الفائدة بالبنوك، خاصة مع ضخامة تلك الأموال، حيث تتجاوز عدة تريليونات من الجنيهات. ولذا تحرص الحكومة على اجتذاب السيولة الضخمة التي خرجت من القطاع المصرفي بدعم من انتهاء استحقاقات شهادات الادخار البنكية، ذات العائد المرتفع الذي تراوح بين 23.5% إلى 27% في أكبر بنكين، وهما الأهلي المصري ومصر، وعدم وجود بدائل مرتفعة العائد حالياً في ظل توجه البنك المركزي نحو خفض سعر الفائدة، وتقليص مزايا الشهادات مرتفعة العائد، وبحث المستثمرين والمدخرين السريع عن بدائل استثمارية آمنة في العام الجديد، وعدم القبول بعوائد مصرفية منخفضة في ظل تسارع كلفة المعيشة. تحرص الحكومة على اجتذاب السيولة الضخمة التي خرجت من القطاع المصرفي بدعم من انتهاء استحقاقات شهادات الادخار البنكية، ذات العائد المرتفع الذي تراوح بين 23.5% إلى 27% في أكبر بنكين، وهما الأهلي المصري ومصر في ظل تلك الأزمة المزدوجة، جاء قرار طرح أول سندات حكومية موجهة مباشرة للأفراد بهدف امتصاص السيولة التي خرجت من البنوك في الفترة الأخيرة، ووفق بيان لمجلس الوزراء فإنه تم طرح أداة ادخارية واستثمارية للأفراد بعائد شهري ثابت يبلغ 17.75% ولمدة 18 شهراً، الأداة أطلق عليها اسم "سند المواطن" وتتم إتاحتها بدءا من اليوم الأحد عبر مكاتب البريد المصري الذي يتجاوز عددها 4719 مكتباً، والهدف هو توسيع قاعدة المستثمرين من المواطنين، وإتاحة فرص تلبي احتياجات مختلف شرائح المجتمع. عقب الإعلان عن الطرح سارعت وزارة المالية ومكاتب البريد ووسائل الإعلام لتكثيف الدعاية للوعاء الاستثماري الجديد، والترويج للأداة على نطاق واسع، وتقديمها للرأي العام على أنها فرصة جيدة للاستثمار المباشر الآمن في الأوراق المالية الحكومية، وأنها تأتي في إطار تنويع الأدوات الاستثمارية الحكومية، وتوسيع قاعدة المستثمرين من خلال إتاحة منتجات ادخارية واستثمارية جديدة وآمنة، تلبي احتياجات مختلف شرائح المجتمع. بل وخرج علينا أحمد كجوك وزير المالية ليعلن أن السند يتميز بدرجة عالية من الأمان. اختيار الحكومة البريد لاستقبال الحصيلة هو قرار صائب، حيث يتعامل معه 20 مليون عميل، ولديه خبرة طويلة في حشد المدخرات تزيد عن المائة عام، ويستطيع أن يصل إلى صغار المدخرين في القرى والنجوع والمناطق النائية. لكن هل يصل لأصحاب المدخرات وشهادات الادخار والودائع المنتهية الذين يبحثون عن عائد ثابت، في ظل تراجع أسعار الفائدة في البنوك وبقاء أسعار السلع على حالها وتآكل القدرة الشرائية للمواطن؟ وبعيدا عن السؤال السابق فإن الحكومة هي المستفيد الأول من حصيلة سندات المواطن في ظل الحرص على معالجة العجز غير المسبوق في موازنة الدولة، وزيادة الأعباء المالية، ومخاوف من تسرب سيولة البنوك الضخمة، وهنا لن تجد الحكومة أفضل من البريد، وهو كنز مالي يفوق قدرات البنوك في بعض الأحيان لانتشاره الواسع وسط المجتمع، وقدرته على حشد الأموال من القرى والنجوع والمدن الصغيرة التي تخلو من وحدات للقطاع المصرفي.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows