ضد السرد المطمئن: إدوار الخراط في مئويته
Arab
2 days ago
share
في مجموعته القصصية الأولى "حيطان عالية"، الصادرة في خمسينيات القرن الماضي، لم ينشغل الروائي المصري إدوار الخراط (1926–2015) بحبكات متماسكة أو نهايات مطمئنة، بل كتب في منطقة ملتبسة بين الذات والعالم، حيث السرد ما هو إلا أداة لإعادة تشكيل الواقع. وقد بدت هذه المجموعة، في سياق كانت القصة المصرية تميل فيه إلى الواقعية الاجتماعية الواضحة والبناء التقليدي المحكم، تجربة مختلفة شكلاً وموضوعاً، إذ قدّمت لغة مشحونة بالشعرية، واهتماماً أكثر بالوعي الداخلي. تبدو تلك التجربة المبكرة، ونحن ننظر إليها بعد نحو سبعة عقود، إرهاصة لمشروع ظل مفتوحاً على المستقبل، وهو ما يتجدد اليوم عبر الجائزة التي تحمل اسمه، مؤكدة أن إرثه طاقة حيّة ما تزال تحفّز أجيالاً جديدة على المغامرة. لغة سردية مغايرة لم يكن الخراط من الكتّاب الذين يصنعون حضورهم عبر الضجيج الإعلامي أو الاصطفافات النخبوية في دوائر المثقفين، ولم يسعَ إلى قيادة تيار أو الانضمام إلى جماعة أدبية واضحة المعالم. زمنياً، جاء قريباً من جيل الرواد مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى حقي، لكنه اختار طريقاً مختلفاً عنهم في النظر إلى الرواية ووظيفتها. فبينما انشغل محفوظ ببناء عالم روائي واقعي متماسك، واشتغل إدريس على التقاط التفاصيل الاجتماعية المباشرة، كان الخراط يميل إلى تفكيك السرد ذاته. كما التقى، لاحقاً، مع تجريب السبعينيات عند جمال الغيطاني وصنع الله إبراهيم، من دون أن يذوب في مشروعهما أو يتحول إلى جزء من مشهد جماعي.  الكتابة عنده ليست مجرد حكاية بل محاولة لفهم العالم عبر اللغة هذه المسافة التي حافظ عليها إدوار الخراط لم تكن انعزالاً سلبياً، بل اختيار واع، فالكتابة عنده لم تكن مجرد حكاية مشوقة أو رسالة مباشرة، بل محاولة لفهم العالم عبر اللغة نفسها، والتنقيب في الذاكرة والتاريخ والتجربة الداخلية. لهذا بدت أعماله أقل سهولة، لكنها أعمق انشغالاً بالسؤال الإنساني. هذا ما التقطه الناقد محمد مندور مبكراً، ففي مقدمته لمجموعة "حيطان عالية" وُصف الخراط بأنه يمتلك "موهبة شعرية لا شك فيها"، وأسلوباً "فريداً بين كتاب القصة المعاصرين". كان مندور يشير هنا إلى قدرة الخراط على توظيف ثقافته العربية والغربية في ابتكار لغة سردية مغايرة تماماً للسائد. ولعل هذا التقييم المبكر يكشف أن صعوبة الخراط لم تكن عجزاً عن التواصل، بل وعي بأن للكتابة وظيفة أعمق من التسلية أو التوجيه المباشر، وظيفة تجعل من اللغة عالماً قائماً بذاته. الحساسية الجديدة في ستينيات القرن الماضي، صاغ إدوار الخراط مفهوماً أصبح لاحقاً بطاقة تعريف له ولجيل كامل من الكتاب، وهو مفهوم "الحساسية الجديدة". ووفق هذا المفهوم تشكلت نصوصه؛ وهي نصوص تختلط فيها الأزمنة، وتتجاور اليوميات بالأسطورة، ويتراجع الحدث أمام تدفق اللغة. يتجسد هذا المنحى في روايته "الزمن الآخر"، حيث يتحول الزمن إلى مادة سردية قابلة للتفكيك وإعادة التشكيل، وفي "ترابها زعفران" التي تمزج بين الذاكرة الفردية والتاريخ السكندري في نسيج لغوي كثيف، فضلاً عن عمله "أضلاع الصحراء" الذي يكشف كيف تتداخل التجربة الذاتية بالكتابة نفسها، حتى يغدو السرد مساحة للتأمل بقدر ما هو مساحة للحكي. لكن من المهم هنا أن ندرك أن مفهوم الحساسية الجديدة لم يكن بياناً أدبياً بالمعنى الشائع، ولم يكن يدعو إلى تيار مغلق أو مدرسة تحمل اسمه. هو كان يحاول فقط، بصفته كاتباً وناقداً، أن يصف تحوّلاً داخلياً يعيشه وهو يكتب؛ تحوّلاً في علاقة الكاتب بالعالم، فلم يعد العالم موضوعاً خارجياً يمكن محاكاته أو نقله كما هو، بل أصبح كائناً لغوياً يُخلق من داخل النص. وهو يصف تحوّلاً في علاقة الكاتب بالذات، فلم تعد الذات مركزاً ثابتاً وموثوقاً به، بل أصبحت مراوغة ومتعددة ومتشظية. وتحوّلاً كذلك في علاقة الكاتب بالقارئ، فلم يعد القارئ متلقياً سلبياً، بل بات شريكاً في بناء المعنى، وربما خصماً يتحتم إرباكه ودفعه إلى إعادة النظر في مسلّماته. راهن على قارئ مستعد للمغامرة يقرأ ليخوض تجربة لغوية ووجودية  يتجلى هذا المشروع بوضوح في رواية "رامة والتنين"، هذه الرواية، التي صدرت عام 1980 وما زالت حتى اليوم عصية على التصنيف، وهي تدور حول علاقة حب مفككة تتداخل فيها الأسطورة بالتاريخ والذاكرة. لم تكن هذه الرواية واقعية بالمعنى الذي نعرفه، وليست نصاً أسطورياً خالصاً، وليست كتابة صوفية بالمعنى الضيق، رغم أن أجواءها تحيل إلى ابن عربي والحلاج. هي هذا كله معاً، أو كما تؤكد الناقدة العراقية فريال غزول، أنها عمل لا نظير له، يقاوم التصنيف، وينحرف عن المألوف. ويذهب الروائي بدر الديب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الرواية ترغمنا على إعادة النظر في كثير من تقييماتنا للكتابة العربية، لأنها، كما يقول، لا يوجد لها تقليد سابق. أما الناقد صبري حافظ فيرى أنها سعت إلى نفي كل التقاليد التي تأسست في الرواية العربية. هنا، تحديداً، يمكننا أن نفهم لماذا ظل إدوار الخراط، طوال مشواره الذي امتد أكثر من ستة عقود، كاتباً نخبوياً بامتياز. لم يسعَ إلى كسب القارئ بحكاية شائقة أو بشخصيات سهلة التلقي، ولم يحاول أن يكتب رواية يمكن اختصارها في ملخص سريع أو تحويلها إلى عمل درامي. راهن على قارئ مستعد للمغامرة والحيرة، قارئ يقرأ ليخوض تجربة لغوية ووجودية كاملة. وربما كان هذا الرهان خاسراً على مستوى الانتشار، إذ لم تتحول أعماله إلى ظاهرة جماهيرية أو أيقونات شعبية، ولم تنافس في قوائم الأكثر مبيعاً، لكنه كان، في المقابل، رهاناً منتصراً على مستوى التأثير العميق، ذلك التأثير الذي لا يُقاس بالأرقام، بل يظهر في تحوّلات الكتابة نفسها، وفي وعي أجيال لاحقة بإمكانات السرد وحدوده. المفارقة أن إدوار الخراط، رغم غيابه عن دوائر الانتشار الواسع، يمثل اليوم أحد المصادر الأدبية الملهمة في البحث الأكاديمي. فبعض أعماله، مثل "رامة والتنين" و"الزمن الآخر"، تُدرّس في أقسام اللغة العربية في الجامعات باعتبارها تجارب مهمة في تطوير شكل الرواية العربية، وتحتل نصوصه مكانة في الدراسات النقدية المتخصصة التي تناولت تحوّلات السرد في الأدب العربي الحديث. ومع ذلك، فإن أثر الخراط لم يكن محدوداً. فأعمال مثل "ترابها زعفران"، التي استعاد فيها الإسكندرية من خلال الذاكرة الشخصية والتاريخ، و"يقين العطش" بما تحمله من تأملات إنسانية عميقة، إلى جانب كتابه الأقرب إلى السيرة الذاتية "أضلاع الصحراء"، لم تكن مجرد روايات متفرقة، بل محاولات متواصلة لتجريب شكل مختلف في الكتابة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows