"سيرة مرحاض" لكوثر دوزي.. الحاجة الجسدية بين القانون والعرف والرقابة
Arab
2 days ago
share
تعيد الباحثة التونسية كوثر دوزي توجيه النقاش حول الفضاء العام إلى نقاطه الأكثر حساسية، مؤطّرة قراءة للمدينة من "قاعها" إلى سطحها تجمع بين البحث الميداني والتحليل النظري، حيث تتجلّى الديناميات الاجتماعية والثقافية غير المرئية في الحياة اليومية. من هنا، تطرح في كتابها "سيرة مرحاض: مدخل إلى قاع المدينة" (منشورات الجمل، 2026) سؤالاً صريحاً حول ما تكشفه المراحيض عن توزيع القوة؟ وعن حدود العمومي والخاص، وعن خرائط الامتياز والإقصاء في المدينة. تغدو هذه المساحة أكثر من مجرد مرفق خدمي؛ فهي مدخل لفهم التحولات الحضرية، وآليات التهميش والإقصاء، ففي تفاصيل العبور اليومي، تتقاطع الحاجة الجسدية مع القانون والعُرف والرقابة، ويتشكّل أحد أكثر فضاءات المدينة كثافة بالدلالات، من هذا الموضع الذي جرى إبعاده عن التداول العلني. يفكّك الكتاب الحظر الذي طاول الحديث عن السيرورات الجسدية، مثل التبوّل والتبرّز، وإقصائها من المجال العام بوصفها أفعالاً "مدنّسة"، ويتتبّع المسار التاريخي من الخلاء إلى المكان المحصور، باعتباره تحوّلاً ثقافياً وعمرانياً أعاد تنظيم حضور الجسد، ورسّخ موقع المرحاض داخل المشهد الحضري بوصفه ضرورة تنظيمية ورمزية في الوقت نفسه. يفكّك الكتاب الحظر الذي طاول الحديث عن السيرورات الجسدية تعتمد دوزي منهجاً إثنوغرافياً قوامه العمل الميداني والملاحظة والمقابلات المعمّقة، وشملت زياراتها مراحيض في أحياء تونسية متفاوتة المستوى الاقتصادي، من المرسى وسيدي بوسعيد إلى حي التضامن وباب الخضراء، إلى جانب مدارس ابتدائية ومعاهد ثانوية وفضاءات ثقافية وموانئ. وأنجزت مقابلات مع عاملات وعمال تنظيف حول شروط العمل والأجور وضغوط الزبائن، ومع مسؤولين في إدارات بلدية، من بينها حفظ الصحة والأشغال، كما عادت إلى الأرشيف لتتبّع تاريخ المراحيض العمومية في تونس. يتناول الكتاب كذلك فصولاً متخصصة في أنثروبولوجيا المرحاض داخل المدينة العربية الإسلامية، وصوره في الثقافة الشعبية والأدب القديم، إلى جانب تتبّع تحولات "الميضأة" وعلاقتها بالنسيج الحضري، سواء بالاتصال به أو انفصالها عنه. ويولي اهتماماً خاصاً لعَتبات الدخول وعلاماتها؛ من اللافتات وأشكال الفصل بين النساء والرجال، إلى اشتراط الاستهلاك، والمفاتيح، وأنصاف الأبواب، وحتى استخدام الكاميرات، مع إبراز ما يُعرف بـ"اقتصاد المراحيض"، باعتباره فضاءً لتوزيع الأدوار والأجور وممارسة السلطة غير المباشرة. تعكس هذه التفاصيل بوضوح كيف تتحوّل مفاهيم النظافة والقذارة، والتراتبية الاجتماعية والاقتصادية والجندرية، إلى عناصر محورية في تشكيل الفضاء العام، وإعادة إنتاج العلاقات داخل المدينة. كما يقدّم العمل قراءة دقيقة لممارسات الانتظار في الطوابير، ولآليات المراقبة، والتفاعلات اليومية بين العاملين والزوار، وصولاً إلى تحول الإشراف على "الميضأة" من المؤسسة الدينية إلى الإدارة البلدية، بما يبرز تغيّر موقعها الرمزي والوظيفي في المدينة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows