Arab
قلب قرار المحكمة العليا الأميركية الصادر اليوم الجمعة معادلة الرسوم الجمركية، التي ربطها الرئيس دونالد ترامب بحالات الطوارئ الاقتصادية. وقضت المحكمة بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة بأن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لا يمنح الرئيس سلطة فرض رسوم جمركية شاملة بهذه الصيغة، وأن هذا الاختصاص يعود للكونغرس.
ووضع الحكم ترامب في ورطة، لأنه أسقط أداة مركزية في أجندته التجارية وفتح بابا معقدا لاسترداد رسوم دُفعت بالفعل، وللبحث عن مسارات قانونية بديلة إن أراد البيت الأبيض الإبقاء على الضغط التجاري.
خسائر ترامب
هذا الحكم لا يقف عند حدود النص القانوني، بل يفتح بابا واسعا لحساب كلفة القرار على مستويات عدة. فإلغاء الرسوم لا يعني فقط إسقاط أداة تنفيذية، بل يكشف عن تداعيات مالية وسياسية واقتصادية بدأت تتشكل فور صدوره.
الخسارة الأولى
وحسب وكالة رويترز، فإن الخسارة الأولى التي تلوح لواشنطن هي خسارة مالية مباشرة واحتمال رد مبالغ كبيرة للمستوردين. وأشار تقدير نموذج "بن وارتون" للميزانية إلى أن أكثر من 175 مليار دولار من إيرادات الرسوم باتت معرّضة لخطر الاسترداد، إذا طُلبت ردود قانونية للرسوم التي جُمعت بموجب قانون الطوارئ.
التقدير نفسه قال إن تحصيل الرسوم المرتبطة بهذا المسار كان يقارب 500 مليون دولار يوميا، ما يوضح حجم الأثر على الخزانة إذا توقفت التحصيلات أو فُتحت موجة استردادات. وقالت وكالة أسوشييتد برس إن الحكم يطاول رسوما جُمعت وتتجاوز 133 مليار دولار، ما يضيف وزنا لفكرة أن ملف الاسترداد قد يكون كبيرا وشائكا.
الخسارة الثانية
وحسب وكالة رويترز، فإن الخسارة الثانية لترامب ستكون سياسية واقتصادية في آن واحد، لأنها تمس قوة التهديد السريع. فترامب كان يرفع سقف التهديدات التجارية عبر إعلان طوارئ ثم فرض رسوم واسعة كوسيلة ضغط فورية. هذا المسار صار ضعيفا، لأن المحكمة قالت إن قانون الطوارئ لا يتضمن تفويضا واضحا لفرض الرسوم، مما يحد من قدرة أي رئيس على تحويل التهديد إلى رسوم شاملة بسرعة مماثلة، ويجبر الإدارة على مسارات أخرى قد تكون أبطأ وأكثر عرضة للطعن.
الخسارة الثالثة
الخسارة الثالثة تتعلق بالاقتصاد الحقيقي وسلوك الشركات. فحين تسقط رسوم واسعة دفعة واحدة تتغير حسابات التسعير والعقود وسلاسل الإمداد. وحسب رويترز، هذا يخلق موجة إعادة توازن بين مستوردين دفعوا رسوما ويريدون استردادها، وبين قطاعات محلية استفادت من الحماية. ويعيد أيضا حالة عدم اليقين لأن الشركات ستسأل هل ستعود الرسوم عبر قانون آخر أم ستستقر البيئة التجارية.
ونقلت رويترز أن الإدارة أشارت إلى أنها ستبحث عن مسارات قانونية بديلة للحفاظ على بعض الرسوم، وهو ما يعني أن الغموض قد يستمر حتى بعد الحكم.
الرسوم الملغاة والباقية
وحسب البيت الأبيض، فإن الرسوم التي يشملها الإلغاء هي الرسوم الواسعة التي فُرضت بالاستناد إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، من بينها الرسوم التي رُبطت بملف الفنتانيل والهجرة، والتي شملت زيادات على واردات من كندا والمكسيك والصين.
ونشر البيت الأبيض ورقة حقائق في الأول من فبراير/ شباط، تفيد بفرض 25% على واردات من كندا والمكسيك، و10% على واردات من الصين.
Trump's Backup Plan: Section 232!
Even if SCOTUS strikes down IEEPA tariffs, Trump has a powerful tool ready: Section 232 of the 1962 Trade Expansion Act.
It allows tariffs on imports deemed a "national security" threat, separate from IEEPA.
Current Protections- Steel (25%),… https://t.co/3ZI98iJhxA
— anshuman tiwari (@anshuman1tiwari) February 20, 2026
ويرتبط هذا المسار أيضا برسوم إضافية على سلع من الصين وهونغ كونغ وبنسبة 10%، بعدما كانت 20%، وبنسبة 25% على سلع من المكسيك وكندا غير المتوافقة مع اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. وبالتالي فإن الإلغاء يشمل أيضا ما سمي بالرسوم المتبادلة التي فُرضت على نطاق واسع وبمعدلات تراوحت بين 10% و50% ضمن أكبر مصادر إيرادات رسوم قانون الطوارئ.
أما الرسوم التي تبقى سارية فهي الرسوم التي لا تقوم على قانون الطوارئ نفسه، بل على قوانين أخرى. من أبرزها رسوم المعادن على الصلب والألمنيوم التي ضاعفها ترامب إلى 50% في 2025. بينما قالت أسوشييتد برس إن الحكم يقيد هذه الرسوم الطارئة تحديدا، لكنه يترك للإدارات مجالا لفرض رسوم عبر أطر قانونية مختلفة.
مستقبل الحروب التجارية
مستقبل الحروب التجارية يبدأ من الصين، لأن المواجهة معها كانت قلب استراتيجية الرسوم. حتى عندما تتحرك واشنطن قضائيا لإسقاط رسوم قانون الطوارئ، يبقى الصراع مع بكين قابلا للعودة عبر أدوات أخرى. وهذا يظهر كذلك في ملف إيران أيضا، لأن ترامب ربط بين التعامل مع إيران وفرض رسوم على من يتعامل معها، وهو طرح يمكن أن يلامس الصين بحكم علاقاتها التجارية مع طهران. ومع حكم اليوم سيصبح من الأصعب استخدام قانون الطوارئ وحده لفرض رسوم شاملة، لكن منطق الضغط التجاري على الصين يمكن أن يستمر عبر مسارات بديلة كما لمّحت رويترز عند حديثها عن خيارات قانونية أخرى.
وتمثل كندا نموذجا واضحا للرسوم كسلاح سياسي. إذ هدد ترامب بفرض 100% على كل السلع الكندية إذا مضت أوتاوا في اتفاق تجاري مع الصين. وبعد ذلك كرر أنه سيكون هناك رد قوي إذا مضت كندا في هذا المسار. وبالتالي حكم المحكمة، وإن كان لا يمحو الرغبة في التهديد، لكنه يقلص قدرة تحويل التهديد إلى رسوم شاملة عبر بوابة قانون الطوارئ نفسها.
https://t.co/f2kuebHtQv
— Anthony Scaramucci (@Scaramucci) February 20, 2026
وكانت دائرة التهديدات اتسعت إلى دول وملفات أخرى. ففي البرازيل استخدم ترامب الرسوم للضغط السياسي وهدد برسوم 50% على صادرات برازيلية. بينما ملف إيران شهد أمرا تنفيذيا يتيح فرض 25% على دول تقوم بأعمال مع إيران، وهو ما يعكس فكرة الرسوم الثانوية التي توسع العقوبة من الدولة المستهدفة إلى شركائها.
كما تعهد ترامب في وقت سابق، قبل أن يتراجع، بفرض رسوم متزايدة على ثماني دول أوروبية ما لم يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند مع بدء 10% في 1 فبراير/شباط، ثم الارتفاع إلى 25% بحلول 1 يونيو/حزيران إذا لم تُبرم صفقة.
وأكدت المفوضية الأوروبية اليوم الجمعة بعد صدور قرار المحكمة العليا، أنها ستواصل حملتها من أجل خفض الرسوم الجمركية الأميركية العدوانية. وقال متحدث باسمها إن "المفوضية على اتصال وثيق مع الحكومة الأميركية، لمعرفة الكيفية التي تنوي الرد بها على الحكم".
وقال العضو الألماني في البرلمان الأوروبي، ورئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي بيرند لانج، إن "الحكم سيؤثر على اتفاقية التجارة الموقعة في الصيف بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة". ولفت إلى أنه "نظرا لأن جزءا كبيرا مما يُعرف بالرسوم الجمركية المتبادلة يستند إلى الأساس القانوني المطعون فيه الآن، فلا يمكن للحكومة الأميركية أو الاتحاد الأوروبي ببساطة العودة إلى ممارسة الأعمال كالمعتاد". ودعا إلى عقد اجتماع خاص يوم الاثنين القادم لفريق التفاوض والشؤون القانونية في البرلمان الأوروبي.
حكم المحكمة لا يوقف الحروب التجارية كفكرة، لكنه يعيد رسم حدودها القانونية. أميركا قد تواجه كلفة مالية كبيرة عبر الاستردادات المحتملة، وقد تخسر جزءا من سرعة الضغط السياسي عبر الرسوم الطارئة. وفي المقابل تبقى رسوما أخرى قائمة مثل رسوم الصلب والألمنيوم لأنها تستند إلى مسارات قانونية مختلفة.
وحسب رويترز، فإن انتصار الشركات في المحكمة لا يعني أن الأموال ستعود بسرعة لأن مسار الاسترداد بدأ للتو. آلاف الشركات التي تكيفت لأشهر مع سياسة تجارية متقلبة ستقرر الآن إن كانت ستسعى لاسترجاع الرسوم حتى إن لم تكن ضمن الجهات التي رفعت الدعوى، لأن الحكم يفتح الباب أمام استرداد واسع النطاق لما دُفع بموجب الرسوم الطارئة.
المتضررون وخيار المحاكم
ونقلت رويترز أن موجة التقاضي اتسعت إلى مستوى غير مسبوق. أكثر من 1800 دعوى مرتبطة بالرسوم قُدمت إلى محكمة التجارة الدولية الأميركية منذ إبريل/ نيسان، بينما كان عدد القضايا المشابهة طوال عام 2024 أقل من 24. ومن بين المدعين شركات مثل كوستكو و"جوديير تاير آند ربر" و"ألكوا"، إضافة إلى شركات مرتبطة بمجموعة تويوتا و"كاواساكي موتورز" وشركة "إيسيلور لوكسوتيكا". ويتوقع انضمام المزيد من الشركات حول العالم بعد صدور الحكم، لأنها كانت تتجنب لفت الانتباه قبل اتضاح مسار المحكمة.
Imagine what you could have done with the money Donald Trump took away with his illegal tariffs.
— Governor Gavin Newsom (@CAgovernor) February 20, 2026
وقال بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك الأسبوع الماضي إن 90% من رسوم ترامب تتحملها الشركات والمستهلكون الأميركيون، وهو طرح يناقض خطاب الإدارة القائل إن الأجانب يدفعون الكلفة. وحسب مختبر الميزانية في جامعة ييل الأميركية، فإن معدل الرسوم الفعلي في الولايات المتحدة بلغ 11.7% حتى نوفمبر/تشرين الثاني، بينما كان متوسطه 2.7% بين 2022 و2024. هذا الفارق يفسر لماذا كان الضغط كبيرا على الأسعار وهوامش الشركات، ولماذا يرى بعض الاقتصاديين أن قرار المحكمة يمكن أن يغير اتجاهات عدة في التجارة والاستثمار إذا استقر قانونيا.
وحسب رويترز، فإن الضبابية لا تزال قائمة، لأن ترامب في المؤتمر الذي عقده للتعليق على قرار المحكمة أكد أنه سيتخذ موقفا "أكثر صرامة"، مشيرا إلى سلطات اتحادية أخرى مختلفة. وقال إنه سيفرض رسوما جمركية عالمية بنسبة 10%، بالإضافة إلى رسوم أخرى، وأشار إلى أنه سيوقع على أمر بفرض رسوم جمركية عالمية تبلغ 10% بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974.
Even if the Court rules against Trump...Cruz notes... the President could rely on alternative statutory authorities:
Section 301 of the Trade Act of 1974
Section 232 of the Trade Expansion Act of 1962
Section 201 of the Trade Act of 1974
— bratNvet (@bratNvet) February 20, 2026
وحذرت جمعية "في دي إم إيه" الألمانية من أن القرار لن يقلص عدم اليقين، لأن لدى ترامب خيارات قانونية أخرى لفرض الرسوم، (ذكر المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 في المؤتمر الصحافي كوسيلة للرد)، كما نقلت عبارة من أحد المختصين في شركة المحاماة العالمية "سيدلي أوستن" تقول إن الرسوم لن تختفي، بل ستأتي تحت مظلة قانونية أخرى.

Related News
قرقاش: الإمارات مستقلة في قرارها ومحصنة بقيادتها
al-ain
13 minutes ago
الجزائر... سبع سنوات بعد
alaraby ALjadeed
22 minutes ago