إنتاج التنميط رقمياً في عصر الذكاء الاصطناعي
Arab
4 days ago
share
في الفضاء الرقمي المعاصر، فقدت الصورة صفتها باعتبارها دليلاً قاطعاً على وقوع الحدث، وتراجع الصوت عن كونه شاهداً مؤكداً على صدوره. فمع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح بالإمكان تصنيع مشاهد كاملة تبدو واقعية إلى درجة يصعب معها التفريق بين التوثيق والتلفيق. ضمن هذا التحول، تناول تقرير نشرته صحيفة ذا غارديان تصاعد إنتاج محتوى رقمي يستند إلى تنميط ذوي البشرة الداكنة في الولايات المتحدة، في سياق سياسي وإعلامي متوتر يجد في هذا النوع من المواد وسيلة لتعزيز روايات قائمة وإعادة تدوير صور نمطية تاريخية. يضع التقرير هذه الظاهرة في إطار مصطلح "البلاك فايس الرقمي" (Digital Blackface)، وهو تعبير صيغ أكاديمياً في منتصف العقد الأول من الألفية (نحو 2006) لوصف تمثيل "سواد" مُصطنع أو مُستعار في الفضاء الرقمي: أي توظيف ملامح أو لغة أو أساليب تعبير أو صور مرتبطة بذوي البشرة الداكنة من قبل أفراد أو جهات لا تنتمي لهذه الخبرة الثقافية، بهدف الترفيه أو التهكم أو اكتساب حضور وتأثير. ويستند المصطلح في خلفيته إلى "البلاك فايس" (Blackface) التاريخي، وهي ممارسة تعود إلى القرن التاسع عشر في عروض Minstrel shows بالولايات المتحدة، حيث كان ممثلون يضعون طلاءً داكناً على وجوههم لتقديم شخصيات كاريكاتورية عن ذوي البشرة الداكنة في إطار ترفيهي قائم على التنميط والسخرية. ومع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، اتسع "البلاك فايس الرقمي" من مجرد تقليد لغة أو استخدام صور وتعبيرات، إلى تصنيع شخصيات ومشاهد كاملة بالصوت والوجه واللهجة، ما يجعل التنميط أسرع انتشاراً وأكثر إقناعاً وأصعب كشفاً. برزت هذه الموجة مع تداول مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي تُظهر نساء من ذوات البشرة الداكنة في مواقف مرتبطة بإساءة استخدام برامج المساعدات الغذائية الحكومية. سعى منتجو هذه المقاطع إلى تقديمها بوصفها لقطات عفوية، فانتشرت بسرعة قبل أن يتضح أن بعضاً منها مولَّد بالذكاء الاصطناعي. وسرعان ما تلقفت منصات إعلامية وشخصيات مؤثرة مقربة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه المواد وأعادت تداولها باعتبارها توثيقاً لواقع اجتماعي، ما منحها زخماً سياسياً وإعلامياً واسعاً. ومع إدخالها في هذا السياق، تحولت المقاطع من محتوى صُمّم ليُعرض في قالب فكاهي ظاهري يوحي بالعفوية، بينما ينطوي على إساءة وتنميط عنصري، إلى أداة تُستخدم في دعم سرديات سياسية حول الفقر والمساعدات الحكومية، لتغدو مثالاً على كيفية انتقال المحتوى المصطنع من فضاء التسلية المزعومة إلى قلب صناعة الرسائل السياسية وترسيخ الصور النمطية بوصفها انعكاساً مباشراً للواقع. هذا الاستخدام يعيد إحياء تاريخ طويل من التنميط الثقافي في الإعلام الأميركي، لكن بأدوات رقمية أكثر تطوراً وانتشاراً. فبدلاً من العروض المسرحية أو التلفزيونية التي كانت تقدم صوراً كاريكاتورية عن ذوي البشرة الداكنة، باتت الخوارزميات قادرة على إنتاج محتوى كامل يحاكي الواقع ويُقدَّم بوصفه توثيقاً لحياة يومية. ومع سهولة الوصول إلى هذه الأدوات، أصبح إنتاج هذا النوع من المواد أقل كلفة وأسهل من حيث الإمكانات، ما يوسّع نطاقه ويزيد من تأثيره. ورغم محاولات بعض شركات التكنولوجيا الحد من انتشار التزييف العميق أو فرض قيود على استخدام صور شخصيات عامة، فإن حجم المحتوى المنتَج يومياً وسرعة انتشاره يجعلان من الصعب السيطرة عليه بالكامل. كما أن إعادة نشر المواد المفبركة عبر منصات إعلامية أو حسابات سياسية مؤثرة يمنحها مصداقية لدى الجمهور، حتى بعد كشف زيفها. في العالم العربي، تتخذ هذه الظاهرة أشكالاً مختلفة لكنها تسير في الاتجاه نفسه. فقد شهدت السنوات الأخيرة انتشار مقاطع وصور مفبركة لسياسيين وشخصيات عامة، أُضيفت إليها تصريحات أو مواقف لم تصدر عنهم. كما تُستخدم تقنيات التوليد الرقمي في إنتاج محتوى يعزز تنميطات عن شعوب أو فئات اجتماعية معينة، سواء عبر السخرية أو التشويه أو الربط بسلوكيات سلبية. ومع الانتشار السريع لهذه المواد على منصات التواصل، تتحول إلى عناصر مؤثرة في تشكيل الرأي العام قبل التحقق من صحتها. في بعض السياقات، تُستخدم هذه الأدوات لتأجيج الانقسامات السياسية أو الاجتماعية، عبر إنتاج مقاطع توحي بوقائع مثيرة للجدل أو الغضب. وفي سياقات أخرى، يجري استهداف ناشطين أو صحافيين بمحتوى مفبرك يهدف إلى تشويه السمعة أو تقويض المصداقية. ومع اعتماد قطاعات واسعة من الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً للأخبار، تزداد قابلية انتشار هذه المواد وتأثيرها. تكشف هذه التطورات عن مرحلة جديدة في علاقة التكنولوجيا بالإعلام والسياسة، حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول تفسير الواقع، بل حول إنتاجه رقمياً. فالذكاء الاصطناعي يمنح القدرة على صياغة سرديات بصرية وصوتية مقنعة، يمكن أن تعزز الانحيازات القائمة أو تخلق انطباعات جديدة. وبينما تتوسع إمكاناته، يتزايد القلق من تحوله إلى أداة لإعادة إنتاج التنميط والتمييز، سواء تجاه ذوي البشرة الداكنة في الولايات المتحدة أو تجاه فئات وشعوب مختلفة في العالم العربي. بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بموجة عابرة من المحتوى المضلل، بل بتحول أعمق في بنية المجال العام الرقمي. فحين تُستَخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في إعادة تدوير تنميطات تاريخية ومنحها هيئة واقعية مقنعة، تتغير قواعد النقاش السياسي والإعلامي. تتداخل الهوية مع الخوارزمية، ويصبح تمثيل الفئات الاجتماعية قابلاً للتصنيع وإعادة التوظيف وفقاً لأجندات مختلفة. وبين الولايات المتحدة والعالم العربي، يتكرس نمط متشابه من استثمار التكنولوجيا في ترسيخ سرديات جاهزة أو تأجيج انقسامات قائمة، ما يضع المجتمعات أمام اختبار حقيقي يتعلق بكيفية حماية الفضاء العام من تحويل الابتكار الرقمي إلى أداة لإعادة إنتاج التمييز في صيغة أكثر حداثة وانتشاراً.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows