Arab
تغيّرت حلّة رمضان في لبنان وبهتت عاداته وطقوسه، وسط خروقات إسرائيلية تعمّق "غربة" الأهالي عن الأعياد والعمل والحياة، وغلاءٍ تصاعدي يقوّض قدرة العائلات على توفير أبسط مقوّمات الحياة.
لا تنتهي فصول معاناة اللبنانيين وسط أزمات متراكمة وضرائب متفاقمة، وكأنّهم في حالة صيامٍ دائمٍ عن العيش الآمن والكريم. وقبيل يومٍ من حلول شهر رمضان، وبالتزامن مع بدء زمن الصوم الكبير عند الطوائف المسيحية، "عايدت" الحكومة اللبنانية المواطنين بحزمة جديدة من الرسوم والضرائب، وهم المُنهكون أصلاً تحت وطأة ضائقة معيشية خانقة.
ففي جنوب البلاد وشرقها وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، لا تزال العائلات مثقلة بهموم الحرب الإسرائيلية الأخيرة وهول الدمار والخسائر، والخروقات المستمرة رغم مرور أكثر من عام على اتفاق وقف إطلاق النار. وفي الشمال اللبناني، يقاسي أهالي مدينة طرابلس الأمرّين على وقع الانهيارات المتتالية لعددٍ من المباني القديمة والمتصدعة، وسط خشيةٍ من كوارث جديدة تُضاعف الواقع المعيشي المتردّي.
وكان مجلس الوزراء اللبناني قد أقرّ يوم الاثنين الماضي في 16 فبراير/شباط الجاري، زيادة 300 ألف ليرة لبنانية (3.3 دولارات أميركية) على صفيحة البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12%، ما أثار هواجس الأوساط الشعبية من مستقبلٍ أكثر ظلمة وقسوة.
مشاعر حزن وكآبة
"لم يعد هناك أي مكان للفرح، ترافقنا مشاعر الحزن والكآبة فقط. تتسلّل إلى نفوسنا، وتجد أماكنها المعتادة، سواء في الجبانات أو عند قبور الشهداء أو في مجالس العزاء". بهذه العبارات يختصر المواطن سلمان وهبي، المقيم في مدينة النبطية، وجع الجنوبيين، ويقول لـ"العربي الجديد": "الفرح إن توفّر، فهو لم يعد يعني الكثير لأغلب العائلات". يستذكر وهبي، وهو الرجل الستيني، كيف كان شهر رمضان شهر العيد والإيمان والدعاء والأذان، وشهر التلاقي كل ليلة في المنازل حول السحور والإفطارات والولائم، وحول حكايات رمضان ولمّة الأطفال. ويضيف: "غير أن الأحوال تبدلت ولم تعد الحياة كما كانت عليه. تغيّرت حلّة رمضان في لبنان، بهت سحره وبهاؤه، واختلفت نكهته، ولا سيّما في محافظة الجنوب حيث نعيش غربة عن الأعياد والعمل والحياة، نتيجة تداعيات الحروب الإسرائيلية المتكررة والأزمات التي تعصف بالبلاد".
يتحسّر وهبي على حلول الشهر الفضيل وسط أزمة معيشية حادّة، ويلفت إلى أن التحضيرات والاستعدادات لرمضان خجولة في الجنوب، إذ تكتفي العائلات بشراء أرخص الأصناف الغذائية والخضر لسدّ جوع أطفالها، بينما تبادر بعض البلديات إلى افتتاح قرى رمضانية تتيح للأهالي تناول الفشار والترمس والحلويات وشرب الليموناضة والجلاب، لكن إقامة الخيم الرمضانية وحضور السهرات وشراء الطعام والشراب واللباس، كلها طقوس صارت خلفنا، وباتت محصورة بالميسورين فقط، وهم قلّة قليلة، بحسب وهبي.
ويأسف لما عاشته قرى وبلدات المحافظة عبر العقود من حروبٍ إسرائيلية متتالية ومن دوامة الدمار وإعادة الإعمار. ويقول وهبي: "سرقوا حتى فرحة لعب الأطفال على الأراجيح، معظمهم لن يسمح لهم ذووهم بذلك، إمّا نتيجة الوضع الأمني والاستهدافات الإسرائيلية، أو بسبب عدم القدرة المادية على اصطحابهم إلى أماكن اللعب، إذ فقدت معظم العائلات الجنوبية مداخيلها بسبب الحرب والتهجير، فضلاً عمّا يسود البلاد من غلاء وبطالة وانهيار اقتصادي.
صائمون ومنسيّون
أمّا الشاب علي من بلدة مركبا الحدودية، فيمازح بمرارة عند سؤاله عن استعداداته لرمضان، ويقول لـ"العربي الجديد": "يجب إعفاء قرى الشريط الحدودي مع فلسطين المحتلة من الصوم، فنحن صائمون ومنسيّون على الدوام، والغلاء أكثر وقعاً على أهالي الجنوب وسط غياب فرص العمل والتقاعس عن منحنا حياة كريمة أو حتى عن إعادة إعمار منازلنا وشبكة الخدمات والبنى التحتية. يتذكروننا عند فرض الضرائب فقط، فيما أعمل بشكل يومي، وبالكاد أجني مدخولاً يكفي لسد احتياجاتي رفقة زوجتي".
وتشكو الممرضة غنى عطوي المتحدرة من الجنوب والمقيمة في الضاحية الجنوبية لبيروت من تدهور الأوضاع المعيشية. وتقول لـ"العربي الجديد": "أعمل في أحد مستشفيات العاصمة لتوفير لقمة عيش كريمة لأولادنا، غير أنني أنا وزوجي بالكاد نؤمن المصاريف، فالإيجارات ارتفعت، والغلاء فاحش، والفقر يستشري". وتأسف لمعاناة كثيرين من انعدام فرص العمل، وتتابع: "لا يمكننا التموّن كما السابق لكل شهر رمضان، إنما نشتري حاجاتنا كل يوم بيومه، وربما هناك عائلات لن تقوى على تأمين مستلزمات الإفطار. والمحزن أن هذا القهر كلّه لم يردع الدولة عن إقرار ضرائب إضافية، حتى صارت حالتنا شبيهة بذلك الواقف عند حافّةٍ خطيرة، وبمجرد دفعة واحدة يسقط نحو الهاوية".
رمضان مختلف
فَقَد رمضان جزءاً من رونقه وزينته وطقوسه، كما يقول الناشط في الشأن الاجتماعي حسين شمص، ويضيف لـ"العربي الجديد": "رمضان هذا العام مختلف، فهناك الكثير من العائلات خسرت خلال الحرب أولادها وأحباءها الذين سيغيبون عن لمّة العائلة وموائد الإفطار والسحور، إنها حقيقة مرّة وثقيلة". ويتابع حسين المتحدر من مدينة الهرمل (شرق): "بدأ رمضان في لبنان مع غلاء الأسعار والبنزين، مع العلم أن غلاء البنزين سينعكس على كل المواد والسلع، وسيرفع كلفة مائدة الإفطار والتدفئة والنقل ومجمل تفاصيل الحياة".
تُعِدّ ربيعة أحمد طه مؤونة منزلية صحية لمرضى السكري، وهي الناشطة في المجتمع المدني والمقيمة في مدينة بعلبك (شرق). تقول لـ"العربي الجديد": "الغلاء فاحش وسط غياب الرقابة الرسمية على الأسعار، ما يحرم الفقير من تأمين الطعام والشراب، بينما يبقى الاعتماد على المساعدات الخيرية في دعم العائلات الأكثر حاجة. والمؤسف أن الشعب يكتفي بالشكوى والتذمر، ولا يطالب بحقوقه البديهية، فيما تنتفي سبل العيش وفرص العمل والموارد اللازمة لمواجهة هذا الارتفاع الهائل في الأسعار". وتضيف الأم لابنتين: "ما من أحد يرحم، لا التجّار ولا الباعة، حتى إنّني اكتفيتُ بشراء مستلزمات رمضان لأسبوع فقط، بعد أن كنتُ أتسوّق لمدة شهر، ولاحظتُ كثيرين يختارون الأصناف الأرخص. كما أنني أحاول مساعدة نساء المدينة من خلال تعليمهنّ طرق إعداد المأكولات الصحية في المنزل، كونها أوفر من المأكولات الجاهزة. وأشجّعهنّ على العودة إلى الزراعة والمؤونة المنزلية".
عالقون بين نارين
يُبدي محمد، وهو موظف مقيم في بيروت، امتعاضه من الواقع المعيشي الصعب، ويقول الأب لولدين لـ"العربي الجديد": "لا نستطيع اللحاق بمصاريف الحياة والمدارس والجامعات والأدوية، والمأساة أكبر لدى العائلات التي تدفع بدل إيجار منزل". ويتابع: "نعيش في دوامة كبيرة وسط غلاء تصاعدي، يدفعنا حتى إلى ترشيد استهلاك الدواء رغم خطورة هذه المسألة، عوض الاستدانة من الآخرين". ويسأل: "كيف لنا أن نتحمّل تكاليف الزينة والفوانيس ومستلزمات الشهر الفضيل".
يعمل ياسين المصري بمدينة طرابلس (شمال) في أحد محال البهارات، ويخبر "العربي الجديد" أنّ أبناء المدينة يعيشون بين نارين، نار الغلاء والضرائب الجديدة قبل رمضان، ونار المباني التي ينامون فيها قبل أن يصحوا على جحيم ودمار من جراء انهيار المبنى الذي يقيمون فيه أو المبنى المجاور. ويشير الأب لولدين إلى أن "الوضع مزرٍ جداً حتى قبل الضرائب الجديدة، وخصوصاً لدى الفئات العاملة التي تعتمد على المدخول اليومي". ويختم بالقول: "أعمل منذ ساعات الفجر حتى آخر ساعات الليل، من أجل الصمود وتلبية متطلبات عائلتي. نعيش حياة الكفاف، من خبز ومياه وبضعة أصناف على مائدة الإفطار".

Related News
مدينة ومعبر.. مفاتيح معادلة جديدة في الشرق الكونغولي
al-ain
12 minutes ago
إغلاق مطار بغداد مؤقتا بسبب «خلل فني طارئ»
aawsat
25 minutes ago