Arab
في وقت راج فيه حديث إيجابي عن المفاوضات الإيرانية الأميركية في جنيف، تعاظم ظلّ الحرب على نحو غير مسبوق، بالتوازي مع إقدام واشنطن على نشر أضخم ترسانة عسكرية لها في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003. هذا التزامن بين المسارين التفاوضي والعسكري عزّز الاعتقاد لدى أوساط في إيران وخارجها بأن الهدف من هذا الانتشار هو ممارسة أقصى درجات الحرب النفسية على طهران لانتزاع تنازلات على طاولة التفاوض.
غير أنّ هذا التفسير، وفق قراءة أعمق، لا ينسجم مع طبيعة المشهد المركّب. فمجموعة من المؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن ما يجري أقرب إلى المراحل الأخيرة التي تسبق اندلاع حرب، بل إن علامات المواجهة المحتملة تبدو اليوم أوضح وأكثر جدية مما كانت عليه قبيل حرب يونيو/حزيران الماضي. في تلك المرحلة، باستثناء الأيام القليلة التي سبقت المواجهة بعد إجلاء دبلوماسيين أميركيين، لم تكن هناك شواهد ميدانية معتبرة، وكانت التقديرات تشير إلى صدام محدود. أما اليوم، فإن تراكم المعطيات الميدانية وغيرها يدل على أن المنطقة ستكون أمام حرب أوسع نطاقاً، وبأهداف مختلفة مما حصل في يونيو.
إن حجم الأسلحة التي دفعت بها واشنطن إلى المنطقة ونوعيتها يجعلان من الصعب اعتبار هذا الانتشار مجرد أداة ضغط تفاوضي. فالولايات المتحدة نفسها تدرك أن فرص التوصل إلى اتفاق أحادي الجانب مع إيران تكاد تكون معدومة. وإن كانت تعوّل فعلاً على تسوية، لما أقدمت على إرسال ما يقارب ثلثي حاملات طائراتها، متحمّلةً كلفة عسكرية ومالية بهذا الحجم، وكان يمكنها الاكتفاء بمستوى أدنى من التصعيد.
وعليه، يبدو أن هذا الحشد العسكري لا يندرج في إطار الاستعراض أو الحرب النفسية، بل يعكس قراراً قد اتخذ بالحرب. صحيح أن بعداً إدراكياً وإعلامياً حاضراً بقوة، لكنه ليس الهدف، بل جزء من ملحق إعلامي معقّد يرافق مساراً تصاعدياً نحو الحرب. في هذا السياق، يمكن فهم الترويج الأميركي إعلامياً لفكرة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "لم يحسم قراره بعد"، رغم هذا الانتشار غير المسبوق. إذ يصعب منطقياً تصور أن تُرسل هذه الترسانة أولاً، ثم يبدأ لاحقاً النقاش حول قرار الحرب.
وعلى هذا الأساس، تخدم الرواية الأميركية ثلاثة أهداف رئيسية: إدارة الرأي العام الداخلي وتهيئته، استكمال الاستعدادات العسكرية واللوجستية، والتأثير في حسابات الطرف الإيراني عبر خلق حالة من الارتباك والالتباس، مع الحفاظ على عنصر المفاجأة في تكتيكات الحرب وأساليبها. ضمن هذا الإطار أيضاً يمكن قراءة مسار المفاوضات، التي يبدو أنها تُستخدم أداةً سياسية مكمّلة للحرب، لا مساراً جدياً لتسوية. ومع بقاء احتمالات التراجع عن خيار الحرب قائمة نظرياً، إلا أن كلفته تبدو مرتفعة جداً لإيران التي ربما ترى الحرب أهون من دفع ثمن إلغائها. ويبقى السؤال: من سيشعل شرارة الحرب أولاً؟ أميركا؟ أم إسرائيل؟ أم الاثنتان معاً؟

Related News
الدوري السعودي: الهلال يتعثر في وكر الذئاب
aawsat
3 minutes ago
الدوري السعودي: الحزم يحبط فرحة الاتحاد
aawsat
10 minutes ago
نسخة طبق الأصل.. رودريغو يظهر في الدوري المصري (صورة)
al-ain
14 minutes ago