Arab
"لا رأي لمَن لا يقاتل"... قالها محمّد حمدان دقلو (حميدتي) في عام 2014. كانت إعلاناً يحمل ما هو أكبر ممّا قصد صاحبه. كان قائد المليشيا يفخر وقتها بأن الدولة تأتمر بأمره. فقال كلمته التي تصف واقع السودان اليوم، إذ يصبح الرأيُ امتيازاً حصرياً للبندقية، وأن الدولة لم تعد المحتكر الوحيد للعنف.
ليست الحرب السودانية الحالية مجرّد صراع بين قوَّتَين مسلّحتَين متنافستَين، حتى لو بدأت كذلك. الحليفان القديمان (الجيش وقوات الدعم السريع) لم تصمد شراكتهما طويلاً بعد الانقلاب على القوى المدنية في أكتوبر/ تشرين الأول 2021. لكن ذلك كان مجرّد تتويج لجريمة تكوين قوّة مسلّحة خارج البنية العسكرية النظامية. بدأ نظام عمر البشير في تكوين المليشيات مبكّراً لتدريب أعضاء الحركة الإسلامية، ولتطبيق أفكار حسن الترابي العرّاب السابق للنظام الذي لم يكن يثق بالمؤسّسات العسكرية النظامية ويؤمن بإغراقها وسط مجتمع مسلّح يجعلها "إحدى القوى المسلّحة" لا الوحيدة. كانت تجارب مثل "الدفاع الشعبي" وكتائب "الدبابين" مع تجارب سابقة من الفترة الديموقراطية بتسليح القبائل العربية في دارفور هي بداية الطريق لإقرار قانون لقوات الدعم السريع عام 2017 من طريق برلمان نظام البشير، يمنحها الغطاء السياسي والشرعية القانونية، مع احتفاظ المليشيا بقيادتها ومواردها المستقلّة، ما جعلها سريعاً مطمع العسكريين والأمنيين العاملين والمتقاعدين برواتب وامتيازات ضخمة. كانت تلك لحظة إضفاء الشرعية على جرائم "الدعم السريع" كلّها.
قبل حرب 2023 بسنوات كانت انتهاكات "الدعم السريع" موثّقة؛ في سبتمبر/ أيلول 2015 قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إنّ هذه الانتهاكات في دارفور ترقى إلى جرائم حرب، وإن الاغتصاب الجماعي والقتل والنهب جزء من هجمات واسعة النطاق ومنهجية على المدنيين قد تصنف جرائمَ ضدّ الإنسانية. وهي تقريباً الاتهامات نفسها التي وجّهتها الدول الأعضاء في مجلس الأمن في إحاطتها يوم الخميس الماضي. وثّقت التقارير الأممية حرق قرى وتهجيراً قسرياً خلال أعوام 2014 – 2016. لم تكن الدولة تجهل ما يجري عندما أقرّت قانون "الدعم السريع"، وافتخر الرئيس السابق المشير عمر البشير بأن تأسيس "الدعم السريع" هو أعظم إنجازاته. أقرّت الدولة بالطرق الممكنة كلّها أن الإفلات من العقاب سياسة عُليا، بل إن الانتهاكات الموثّقة تؤهّل صاحبها للترقّي. ومنذ وضع محمّد حمدان دقلو (حميدتي) قدمه في طريق الترقّي لم يقف طموحه عند حدّ، حتى أتاه رئيس المجلس العسكري الجديد، الفريق عبد الفتّاح البرهان، يطلب منه (في 11 إبريل/ نيسان 2019) أن يشاركه تحمّل مسؤولية حكم البلاد بعد إطاحة الرئيس.
القوّة المسلّحة التي لم تُحاسَب تمدّدت ووجدت الاعتراف. لذلك، شاركت في قتل المعتصمين السلميين في القيادة العامة، حتى وصل الأمر إلى مذابح مدينة الفاشر. ما حدث في الفاشر حرّك دولاً كثيرة لتجرّم أفعال "الدعم السريع" مجدّداً، بعد أن قرّبت الدماء التي أراقتها البلاد من الانقسام. حصار المدن، الهجمات على الأحياء السكنية ومخيّمات النازحين، وخطر المجاعة الذي يهدّد مئات الآلاف (وصفها مندوب الصومال في مجلس الأمن بقوله: المجاعة في السودان واقع قريب) كلّها تضع ضغطاً متزايداً على المجتمع الدولي للسعي لفرض هدنة عاجلة. هدنة أكّد كبير مستشاري الرئيس الأميركي أنها يجب أن تكون بلا أيّ شروط. لكن قائد الجيش عبد الفتّاح البرهان ردّ في ذات اليوم رافضاً أيَّ هدنة قبل استسلام خصمه.
ذلك كلّه لا يبدو أنه قدّم الدرس الأهم داخلياً، ألا وهو خطيئة تكوين المليشيات. فبدلاً من أن تثبت حرب 2023 خطورة كسر احتكار الدولة للعنف، تبدو الحرب لاحقة في تقارير المؤسّسات الحقوقية في 2014 و2015 التي لم تُعامل بجدّية. أنبتت كل بقعة بندقية، وكوّنت القبائل مليشيات. زادت المليشيات بعد الحرب، وتعاظمت قوّتها ونفوذها، وتشعّبت مواردها المالية وعلاقتها الداخلية والخارجية.
مع استمرار حرب السودان لنحو ثلاث سنوات يبدو أن عبارة محمّد حمدان دقلو في 2014 ما زالت المنتصرة: "لا رأي لمَن لا يقاتل". فحتى لو خسر حميدتي معاركه، فإن منطقه للأسف ما زال منتصراً... هكذا، ربّما تخسر "الدعم السريع" حربه، لكنّنا نخسر في الطريق إلى ذلك فكرة الدولة ذاتها.

Related News
ترمب في خطاب «حالة الاتحاد»: أميركا تشهد «تحولا تاريخيا»
aawsat
24 minutes ago
"رويترز": ترامب يبدأ إلقاء خطاب حالة الاتحاد
alaraby ALjadeed
25 minutes ago
أسرة ترامب.. حضور كامل العدد في خطاب حالة الاتحاد
al-ain
29 minutes ago