Arab
في المنطق الكلاسيكي، تُعرض القضايا على ميزان حاسم: صدق أو كذب. عبارة واحدة تكفي لتلخيص المشهد: كل قضية تُقدَّم بوصفها قابلةً لحكم واحد، أو لحكم يناقضه. هذا المبدأ، الذي يبدو شديد البراءة حين يُدرس ثم يخرج من فضائه النظري ليغدو أداةً رمزيةً فاعلةً داخل السياسة والثقافة معاً، أداةٌ تدفع المعنى نحو القطع، فيما يواصل الواقع إنتاج طبقاته المراوغة. والسياسة، في بحثها الدائم عن لغة إقناع، تستعير أدواتها من حقول تمنح الخطاب مظهر الصرامة. المنطق واحد من هذه الحقول. رموزه ومبادئه تُستدعى لصياغة وقائع قابلة للاختزال، ولعرض العالم في قوالب توحي بالترتيب والوضوح. ضمن هذا السياق، يتحوّل التفكير إلى جزء من آلية العرض، إلى صيغة تقنع قبل أن تفسّر، وتختصر قبل أن تفهم.
خلال أسابيع قليلة، صار اسم "غرينلاند" مرآة مكبّرة لزمن يعشق القطعيات لفظاً ويعيش الالتباس فعلاً. خطاب أميركي يلوّح بـ"ترتيبات" كُبرى، وحديث عن "إطار" يمنح نفوذاً طويل الأمد، وقراءات تتأرجح بين الأمن والمعادن والقواعد العسكرية ومسالك الشمال البحري. في المقابل، موقف دنماركي يتمسّك بسيادة غير قابلة للتأويل.
غير أن مشهد غرينلاند يكشف مفارقةً أعمق. الخطاب يطلب حسماً ثنائياً، فيما التفاصيل اليومية تُنتج حالةً ثالثةً مرفوعة، تعمل في الظلّ. امتيازات عسكرية، مساحات مخصّصة، استثمارات في المعادن ضمن ترتيبات أمنية دقيقة؛ صيغ تمنح نفوذاً واسعاً مع الإبقاء على العناوين الرسمية كما هي. هنا تتحوّل الضبابية إلى أداة تفاوض، يربح عبرها كلُّ طرف سرده العلني، بينما تفاصيله تُصاغ في مستويات خارج الضوء، في لعبة الظلّ حيث يُعاد تشكيل الواقع.
بهذا المعنى، يعمل الثالث المرفوع قناعاً ثقافياً أكثر منه قاعدةً عقلية. يُستدعى ليبدو العالم قابلاً للقسمة الحادّة: سيادة أو تبعية، استقلال أو احتلال. الجغرافيا السياسية المعاصرة تتحرّك في فضاء آخر؛ نفوذ عبر القواعد، حضور عبر الاستثمار، ضمانات عبر التحالفات، ضغط عبر تعريفات موسّعة للأمن القومي. مع كلّ جولة تفاوض، يتقدّم سؤال الملكية، ويليه سؤال أشدّ حساسيةً: من يملك حقّ تعريف ما يجري؟
صار اسم "غرينلاند" مرآة مكبّرة لزمن يعشق القطعيات لفظاً ويعيش الالتباس فعلاً
غرينلاند تحديداً، تضع هذا السؤال في قلبه، لأن الجزيرة تحوّلت إلى عقدة تجمع ثلاثة مسارات كبرى: مسار الأمن في القطب الشمالي، مسار الموارد النادرة، وطرق الشحن التي يعيدها ذوبان الجليد إلى التداول. الخرائط تشتغل حججاً سياسية، المناخ يتحوّل إلى لاعب جيوستراتيجي، والمعادن تتحوّل من مادّة خام إلى لغة سيادة. من الداخل الغرينلاندي يظهر درس آخر: السياسة المحلّية نفسها تبحث عن صيغة توازن، عبر ائتلاف واسع تشكّل في سياق ضغط خارجي متصاعد مفاجئ. المعنى هنا يتجاوز توزيع المقاعد؛ إنه محاولة لصناعة جبهة تعيد ترتيب الصوت الداخلي أمام أمواج الخارج. حتى مسألة الاستقلال تُطرح غالباً ضمن شرط اقتصادي عملي، لا ضمن حماسة شعارية.
حين تُقرأ هذه اللوحة عبر مبدأ الثالث المرفوع، تتبدّى نتائج ثقافية أبعد من الحدث. فالثقافة السياسية الراهنة تميل إلى تبسيط العالم عبر ثنائيات سهلة التسويق: صديق/خصم، شرق/غرب، وطن/مستعمِر. الإعلام يزيد هذا الميل عبر عناوين تُفضّل القطع على التفصيل. منصّات التواصل تُكمل الدائرة؛ لحظة غضب تصاغ في تجييش شعبي، ثم تُرفع إلى مرتبة الحقيقة. ضمن هذا المناخ، يتحوّل المنطق إلى أداة سلطة، منطق عرض وانتشار، لا منطق تفكير وتحليل. ومع ذلك، تذكّرنا غرينلاند بأن الضبابية ليست نقصاً دائماً في الرؤية؛ أحياناً تتحوّل إلى تقنية إدارة. تقنية تُبقي الباب موارباً، تكفي لإرسال رسالة ردع، أو لطمأنة حليف، أو لإرباك خصم، وتكفي لإرجاء سؤال: أين تنتهي السيادة وأين يبدأ النفوذ؟
الخرائط تشتغل حججاً سياسية، المناخ يتحوّل إلى لاعب جيوستراتيجي، والمعادن تتحوّل من مادّة خام إلى لغة سيادة
هنا يظهر الوجه غير الملموس لمبدأ الثالث المرفوع: مبدأ يفترض أنه يطرد "الحالة الثالثة"، غير أن السياسة المعاصرة تبني قوتها داخل هذه الحالة بالذات. ترفع راية الحسم كي تخفي فنّ الالتفاف. تكثر من خطاب الوضوح كي تحمي اقتصاد الغموض. تتكلّم عن خرائط نهائية بينما الواقع يتشكّل عبر مذكّرات تفاهم، وصيغ وعقود استثمار، وتوازن تحالفات.
ربّما لهذا تبدو غرينلاند اختباراً أخلاقياً للقراءة. أيُّ قارئ يصدّق العنوان وحده يقع في فخّ الثنائية. وأيُّ متلقٍ يتتبّع التفاصيل يكتشف أن العالم يشتغل وفق منطق مختلف، منطق يُبقي الأبواب مفتوحة، ويؤجّل الحسم، ويحوّل "الحالة الثالثة" إلى قرار معلّق.
غرينلاند، داخل هذا السياق، تفرض قراءة مختلفة للعالم المعاصر: عالم تُدار فيه الوقائع عبر ما يتوارى أكثر ممّا يُعلن، وتُصاغ فيه السيادة باعتبارها شبكة علاقات متذبذبة لا خطّاً مستقيماً. هنا يفقد الحسم الثنائي سحره القديم، ويغدو مبدأ الثالث المرفوع أداةً رمزيةً تُستدعى في الخطاب بينما تُعلَّق فاعليته في الممارسة. السياسة تكتب جملاً حاسمة، ثم تترك للهوامش مهمة إدارة الواقع. وما يبدو وضوحاً لغوياً يتحوّل (عند التفكيك) إلى لغم غامض، تُوزّع فيه القوة عبر التفاصيل الخفية، والاتفاقات المؤقّتة، والمساحات الرمادية التي تتقدّم فيها مصائر العالم حقلَ توتّر دائم، بين ما يُقال وما يُدار، بين منطقٍ يطلب اليقين، وواقعٍ يصنع قراراته في منطقة مرفوعة عن الرؤية.

Related News
الجزائر... سبع سنوات بعد
alaraby ALjadeed
18 minutes ago
نيفيز: شاهدت كرة سلة... طبقوا معايير التحكيم على الجميع
aawsat
22 minutes ago