Arab
بعد أكثر من عامين على حرب الإبادة والتجويع وما تبعها من حرب اقتصادية في ظل إغلاق المعابر، خرج سكان قطاع غزة منهكين بلا مصادر دخل وباقتصاد شبه مشلول، يعتمد فيه أكثر من 95% من السكان على المساعدات الإنسانية مصدراً وحيداً للبقاء. وفي هذا الواقع القاسي، لم تعد المساعدات مجرد دعم طارئ، بل تحولت إلى نمط حياة مفروض على مجتمع جُرّد من أبسط مقوماته الاقتصادية.
ورغم التدفق النسبي للمساعدات مقارنة بذروة الحرب، إلا أن منهجية توزيعها لا تزال محل انتقاد واسع من الغزيين، الذين يرون أنها لا تعكس احتياجاتهم الحقيقية، ولا تراعي غياب الدخل النقدي، ولا تعالج الخلل العميق في الأسواق والأسعار، وخصوصاً مع قدوم شهر رمضان.
فالمساعدات العينية، التي تتركز في الطحين والبقوليات، لا تكفي لتأمين نظام غذائي متكامل، ولا تمنح الأسر مرونة الاختيار. هذا الخلل فتح باب التساؤل عن جدوى "السلة الغذائية الموحدة"، ومدى ملاءمتها لمرحلة ما بعد الحرب، حيث يعيش آلاف المواطنين في خيام، وسط ارتفاع غير مسبوق في أسعار الخضراوات والفواكه واللحوم والمواد الأساسية الأخرى، التي باتت حكراً على من يمتلك السيولة، وهي فئة قليلة في غزة.
مساعدات مكررة ومحدودة
وقال الفلسطيني حمادة رمضان، وهو أب لأسرة مكونة من سبعة أفراد، إن طبيعة المساعدات التي تصل إليهم "مكررة ومحدودة"، ولا تعكس الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية اليومية. وأوضح رمضان لـ"العربي الجديد" أن أغلب الطرود الإغاثية تحتوي على الطحين والبقوليات فقط، مع غياب شبه كامل لبقية الأصناف الأساسية.
وأضاف: "المواد الغذائية الأخرى، مثل الخضراوات والفواكه واللحوم، لا تُوزَّع ضمن المساعدات، بل تُطرح في الأسواق بأسعار مرتفعة لا تتناسب إطلاقاً مع واقع المواطنين، كيف يُطلب منا شراء احتياجاتنا ونحن بلا عمل ولا دخل؟".
ويرى أن التبرعات النقدية أو ما يشابهها من أدوات مرنة، تُعَدّ أفضل بكثير من المساعدات العينية، لأنها تمنح الأسرة حرية اختيار ما تحتاجه فعلاً، سواء كان غذاءً متنوعاً أو حليب أطفال أو مواد تنظيف، بدل الاكتفاء بمواد قد تتكدس دون فائدة حقيقية.
من جهته، أكد مدير دائرة الترويج في هيئة الاستثمار والمدن الصناعية، المهندس باجس الدلو، أن هناك حاجة ملحة لإعادة التفكير جذرياً في آليات الإغاثة داخل قطاع غزة، بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي الجديد بعد الحرب.
وذكر الدلو لـ"العربي الجديد" أن العمل جارٍ حالياً على إعداد دراسات وطرح أفكار جديدة، تقوم على اعتماد نقاط بيع محددة، مثل المولات والسوبر ماركت ومحلات الملابس، تكون موزعة جغرافياً بما يراعي الكثافة السكانية لمختلف مناطق القطاع. "ووفق هذه الفكرة، توجه الجهة المانحة المستفيد إلى أقرب نقطة بيع له، بناءً على قاعدة بيانات دقيقة"، وقال: "وفق التصور، يشتري المستفيد احتياجاته الشهرية وفقاً لمبلغ مالي يُرصَد له، يُقيّم حسب عدد أفراد الأسرة والحالة الاجتماعية واحتياجات خاصة أخرى، معتبراً أن هذه الآلية تمثل قفزة نوعية في العمل الإغاثي، لأنها تنقل المساعدات من نموذج السلة الغذائية الموحدة إلى نموذج التمكين والاختيار".
وأشار الدلو إلى أن هذا التوجه يعزز الكرامة الإنسانية للمستفيدين، إذ يتسوق المواطن كأي زبون عادي دون طوابير أو مظاهر إذلال، وفي الوقت نفسه ينعش السوق المحلي المتهالك عبر ضخ السيولة في المحلات التجارية، ما يساعد التجار على الاستمرار ويوفر فرص عمل جديدة.
أما على مستوى الكفاءة، فيؤكد أن التوزيع الجغرافي المدروس يقلل من تكاليف النقل والمخاطر الأمنية، بينما تتيح الأنظمة الرقمية، مثل البطاقات الإلكترونية أو الأكواد، ضبط الشفافية ومنع الازدواجية في الاستفادة. كذلك تمنح هذه الآلية مرونة غذائية حقيقية، تتيح للأسر شراء احتياجات خاصة لا توفرها الطرود التقليدية.
عجز عن شراء البضائع
أما المختص في الشأن الاقتصادي، عماد لبد، فيرى أن استمرار العمل بالمنهجيات التقليدية لتوزيع المساعدات لم يعد مقبولاً في ظل اعتماد نحو 95% من سكان غزة عليها، ما يعني أن الغالبية العظمى عاجزة تماماً عن شراء البضائع التجارية المعروضة في الأسواق.
وقال لبد لـ"العربي الجديد" إن إسرائيل جردت الغزيين من مصادر رزقهم، ورفعت معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة فاقت الـ80%، ودفعـت المجتمع قسراً إلى الاعتماد على المساعدات، التي لا تصل أصلاً بالكميات أو التنوع المطلوب، ونتيجة لذلك، باتت المساعدات نهج حياة بدل أن تكون تدخلاً مؤقتاً".
وشدد على ضرورة تصميم برنامج إغاثي أفضل، يراعي عدالة التوزيع وتنوع السلع الأساسية، من خلال إلزام نقاط البيع بتوفير قائمة إجبارية تشمل البروتينات والكربوهيدرات ومواد التنظيف، لضمان عدم هدر الرصيد في سلع كمالية، مع الحذر الشديد من الاحتكار والتلاعب بالأسعار. وحذر لبد من إغفال سلاسل التوريد، مؤكداً ضرورة التأكد من قدرة التجار المعتمدين على توفير البضائع باستمرار، حتى لا تبدأ عملية الصرف في ظل رفوف فارغة، ما قد يحوّل الأداة الإغاثية الجديدة إلى عبء إضافي بدل أن تكون حلاً.
ووفق معطيات المكتب الإعلامي الحكومي، بلغ إجمالي عدد شاحنات المساعدات والتجارة والوقود التي دخلت قطاع غزة 29,600 ألف شاحنة فقط، من أصل 69 ألف شاحنة كان يُفترض دخولها، بنسبة التزام لم تتجاوز 43%. "وتوزعت هذه الشاحنات بين مساعدات وبضائع تجارية ووقود، بمتوسط يومي بلغ 257 شاحنة فقط".
وتشير الأرقام الحكومية إلى أن ما يدخل من وقود لا يتجاوز 14% من الاحتياج الفعلي، في وقت يُفترض فيه دخول 600 شاحنة يومياً، بينها 50 شاحنة وقود، وهو ما يفسر استمرار الأزمات المعيشية والاقتصادية، فيما أكد المكتب الحكومي أن المشكلة لا تكمن فقط في نوعية المساعدات، بل في كميتها ومنهجية إدارتها.

Related News
هجوم بسكين في أمريكا ينتهي بمقتل 4 أشخاص ومصرع المنفذ
al-ain
11 minutes ago
كارثة مرورية في اليمن تحصد أرواح 11 شخصًا وتخلّف مصابين
al-ain
12 minutes ago
برشلونة تزف خبراً ساراً لحمزة عبد الكريم
al-ain
26 minutes ago