مقطع من شؤون رمضانية
Arab
4 days ago
share
يكتُب وزير الاقتصاد والصناعة السوري، نضال الشعار، أن الحرية الاقتصادية، التي اختيرت مساراً لسورية المستقبل، على ما يوضح، "مسؤوليّة قبل أن تكون حقّاً، وأخلاقٌ قبل أن تكون أرقاماً". وذلك في تدوينةٍ خاطب فيها التّجار والصناعيين في بلده، دعاهم فيها، في شهر رمضان الفضيل، إلى أن يحكّموا وجدانهم في التسعير، وأن يراعوا أحوال الناس، وأن يتذكّروا أنّ بين أيديهم أسراً تكافح لتأمين قوت يومها. وفيما "يؤكّد" لهم أن الوزارة "رغم شحّ الموارد، وضيق الإمكانات، ستبذُل أقصى ما تستطيع لضبط الأسواق، ومكافحة الاحتكار، وحماية المستهلك، وضمان المنافسة العادلة"، يكتُب "لكن شريكنا الحقيقي في هذه المهمّة ليس فقط القوانين والقرارات، بل ضمير التاجر ووجدان الصناعي، وإحساسهم بالمسؤوليّة الوطنية"... هذا كلامٌ صحيحٌ، ويستحقّ تعميماً له في غير سورية، ذلك أن واحداً من جملة أسباب الارتفاع الدوري للأسعار في كل رمضان سنوياً رغبة لدى تجّار غير قليلين في أن يزيدوا من أرباحهم، باستغلال الطلب الزائد على سلعٍ ومنتجاتٍ غذائيةٍ كثيرة. وقد صار ارتفاع (أو رفع؟) الأسعار شأناً موسمياً في مطالع الشهر الكريم لمشاغل الصحافة، عندما تطلّ عليه، وتتقصّى في مظاهره، وفي جهود السلطات المختصة من أجل ضبط الأسعار ومراقبتها ومحاربة الاحتكار، مع توفير السلع المطلوبة في الأسواق. ومع الاسترسال في الإتيان على مختلف أسباب الظاهرة الرمضانية هذه، قليلاً ما يُكتَرث بالمسألة التي جاء عليها الوزير السوري، والمتعلقة بضمير التاجر البائع، وبإحساسه بالمسؤولية الوطنية، وبأن يحكّم وجدانه. ولا يعني التأشير إلى هذا الأمر تعميماً يطعن في ذمم التجار وأخلاقهم وضمائرهم، فالذين يخافون الله منهم ظاهرون، غير أن هذا لا يمنع من الإلحاح على ما أوجز القولَ فيه وزيرٌ عربيٌّ لم يدَّعِ قدرة مطلقة للوزارة التي يتولاها في تأدية مسؤوليتها في هذا الشأن. وهو إلحاحٌ من بالغ الضرورة ربما أن يتوازى مع إجاباتٍ أكثر تعييناً على السؤال الدائم في أسباب الارتفاع الدوري لأسعار سلع غير قليلة (وكأنها كانت رخيصة؟!). والظاهر أن هناك حاجةً إلى تعميم ثقافةٍ مجتمعيةٍ في ترشيد الاستهلاك، وعدم الإفراط في تخزين المواد الغذائية، والتقليل من استعراضيات الموائد والولائم، فأن يزيد الإنفاقٌ على الطعام والشراب في شهر الصيام أمرٌ لا بأس من أن يكون موضوع تناول وتداول اجتماعي عام. فلا يُكتفى بأن تؤخذ المسألة في عمومها إلى "جشع تجار" وإلى أن تنهض الجهات المعنية بحماية المستهلك بمسؤولياتها بيقظة كاملة. ذهب الوزير نضال الشعار في تدوينته إلى تذكير التّجار والصناعيين في بلده بدماء شهداء الثورة السورية، وبالأوضاع الخاصة في عموم البلاد، لكن ما طرحه عليهم يصلح القياس عليه أرضية مسلكية عامة، سيما أن تعزيزها قضية أخلاقية يمكن أن يتسلح بشريعة الإسلام وتعاليم المسيحية، فليس من الدين في شيء استغلال الناس وإرهاقهم مادياً وعدم النظر في ظروفهم وأحوالهم. كما أن من واجبات الحكومات أن تتشدّد في تطبيق القوانين التي تعاقب مرتكبي مثل هذه الممارسات. ومن واجباتها، من قبل ومن بعد، أن تيسّر سبل العدالة الاجتماعية وكرامة العيش وتعظيم قيم الإخاء الإنساني وإسعاف المحتاجين والفقراء. ولمّا كان شهر رمضان مناسبة دينية خاصة لها طبيعة روحانية، يفترض أن تنأى بالمسلم عن مظاهر التبذير والإسراف، وتتعزّز فيها قيم التعاضد الاجتماعي والتواصل الإنساني، فإنه ليس من الوعظية المتعالية في شيء أن يجري التنبيه إلى هذه البديهيّات، مع لزوم التحلي بأخلاقيات البيع والشراء النظيفة، والاسترشاد بكل خلقٍ كريمٍ في العلاقات بين المستهلك والتاجر، وفي الاقتصاد الشخصي الذي يُنجي الإنسان من التورّط في مطبات مالية ضاغطة. ثمّة بلدانٌ عربيةٌ غير قليلة تستورد الكثير من المنتجات الغذائية (مصر تستورد 70% منها)، وهذا يعني أن كلفة عالية تتحمّلها الدولة والمجتمع جرّاء خياراتٍ اقتصاديةٍ ومسلكياتٍ استهلاكيةٍ غير رشيدة، ويعني، في شهر رمضان خصوصاً، أن مظاهر غير قليلة في أثنائها، نمارسها أفراداً ومجتمعاتٍ، يحتاج إلى التخفّف منها، بالتوازي، بالضرورة، مع تحكيم التّجار وجدانهم، واستشعارهم مسؤولية وطنية في بلدهم، على ما أفصح وأوجز وأحسن القول وزير في بلد عربي مُتعب.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows