صحافيون فلسطينيون خارج السجون الإسرائيلية: عدنا من الجحيم
Arab
5 days ago
share
نشرت لجنة حماية الصحافيين، ومقرها نيويورك، تحقيقاً مطولاً عنوانه "عدنا من الجحيم: صحافيون فلسطينيون يروون قصص التعذيب في السجون الإسرائيلية"، استند إلى مقابلات مع 59 صحافياً فلسطينياً أُفرج عنهم من المعتقلات الإسرائيلية بين أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ويناير/ كانون الثاني 2026. وأظهر التحقيق نمطاً متكرراً من الانتهاكات بحق الصحافيين الفلسطينيين خلال الاعتقال والتحقيق والسجن، ورسم صورة مرعبة لما وصفته اللجنة بأنه منظومة احتجاز تقوم على العنف والإذلال والحرمان، وذلك في سياق حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة. وشددت اللجنة في مقدمة استنتاجاتها، ضمن التحقيق المنشور اليوم الخميس، على أن اتساق الشهادات وتكرارها لا يشيران إلى حوادث فردية معزولة، بل إلى نمط واضح في معاملة الصحافيين الفلسطينيين. فمن بين 59 صحافياً أُجريت معهم مقابلات، قال 58 إنهم تعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة أو أشكال أخرى من العنف في أثناء اعتقالهم. ودعمت هذه الشهادات صور وتقارير طبية ووثائق قانونية قدمها المعتقلون، فيما وثّقت اللجنة اعتقال ما لا يقل عن 94 صحافياً وعاملاً في المجال الإعلامي خلال الفترة نفسها، بينهم 32 من غزة و60 من الضفة الغربية وصحافيان من الداخل الفلسطيني، ولا يزال 30 منهم رهن الاحتجاز حتى فبراير/ شباط الحالي. وقالت الرئيسة التنفيذية للجنة حماية الصحافيين جودي جينسبيرغ: "يُظهر التحقيق نمطاً واضحاً في طريقة معاملة الصحافيين الفلسطينيين في أثناء احتجازهم لدى إسرائيل. إن حجم هذه الشهادات واتساقها يشيران إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد سلوكيات فردية معزولة. فعندما يصف عشرات الصحافيين بشكل مستقل تعرضهم لإساءة جسدية ونفسية، يتعين على المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات. يحدد القانون الإنساني معايير لا لُبس فيها لمعاملة المحتجزين، ويجب أن تكون هناك مساءلة حقيقية عن الإخفاق في الالتزام بهذه المعايير". تقدمت الشهادات المتعلقة بالعنف الجسدي والجنسي والتجويع إلى واجهة التحقيق. روى الصحافي أحمد عبد العال أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي اعتقلته خمسة أيام معصوب العينين في غرفة كانت تُبث فيها موسيقى عبرية وإنكليزية بشكل متواصل، بينما تعرّض للضرب والتجريد من ملابسه، وكلما شارف على فقدان الوعي أُعيد إيقاظه بصعقة كهربائية أو ضربة جديدة. ووصف صحافي آخر، طلب عدم الكشف عن اسمه، ما يسميه المعتقلون "غرفة الديسكو"، حيث قال إن الجنود الإسرائيليين ربطوا أعضاءه التناسلية بأربطة بلاستيكية وضربوه حتى أصبح التبول مستحيلاً من دون نزف، قبل أن يخبره أحدهم: "لن تعود رجلاً بعد اليوم". وتكررت روايات الضرب المنهجي في معظم الشهادات. فالمصور الصحافي شادي أبو سيدو، ذكر أن اعتقاله بدأ بعبارة "انتهت اللعبة" (Game over) قالها جندي إسرائيلي داخل مجمع الشفاء الطبي في غزة، قبل أن يخضع لما يسميه المعتقلون "التشريفة"، وهي ضرب جماعي عند الوصول إلى السجن، ثم أُجبر في معسكر سدي تيمان على المرور عبر ممر من الجنود الإسرائيليين الذين انهالوا عليه بالضرب حتى كُسر أحد أضلاعه. أما الصحافي مصطفى خواجا، فقال إن ضرباً تعرض له في سجن شطة أدى إلى كسور في الأضلاع وتمزق في الغضروف المفصلي وإصابات في العمود الفقري، بينما روى محمد بدر أنه تعرّض لضرب شديد أدى إلى جرح لسانه ومنعه من الأكل والكلام أسبوعين. وفي سجن عوفر، وصف الصحافي محمد الأطرش ما أسماه المعتقلون "حفلة الشين بيت" التي تضمنت إطلاق كلاب مدربة على المعتقلين واستخدام أدوات معدنية لإحداث نزف طويل الأمد، في عقوبة جماعية قال إنها جاءت عقب زيارة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير. إلى جانب العنف الجسدي، وثق التحقيق نمطاً واسعاً من العنف الجنسي؛ فقد أبلغ صحافيان فلسطينيان اللجنة بتعرضهما للاغتصاب في أثناء الاعتقال، فيما وثّقت 17 شهادة عنف جنسي و19 شهادة تفتيش مهين شملت الاعتداء على الأعضاء التناسلية والتهديد بالاغتصاب والإجبار على التعري والتصوير. وروى الصحافي سامي الساعي أنه اقتيد إلى زنزانة في سجن مجيدو، حيث جُرّد من ملابسه واعتُدي عليه بأدوات مختلفة، قبل أن يلتزم الصمت شهرين بسبب الصدمة النفسية. وقال الصحافي أسامة السيد إن جنوداً إسرائيليين جردوه ومعتقلين آخرين من ملابسهم، وأطلقوا عليهم كلاباً مدربة، واصفاً ما حدث بأنه اغتصاب صُوّر بينما كان الجنود يضحكون. وبرز التجويع بوصفه أحد أكثر الأنماط انتشاراً في شهادات الصحافيين. فقد أفاد 55 من أصل 59 صحافياً بمعاناتهم من الجوع الشديد وسوء التغذية، وقدّرت اللجنة متوسط فقدان الوزن بنحو 23.5 كيلوغراماً. وقال الصحافي أحمد شقورة إنه فقد 54 كيلوغراماً خلال 14 شهراً من الاحتجاز، فيما أفادت الصحافية أشواق عياد بأنها فقدت أكثر من 15 كيلوغراماً وبدأت تتقيأ دماً بعد حرمانها الغذاء والعلاج المناسبين. واستعاد الصحافي عبد الحميد حمدونة تجربة اضطراره إلى استبدال حصته من الطعام بقميص خلال الشتاء بسبب نقص الملابس، في مشهد يلخص طبيعة الظروف المعيشية التي وصفتها اللجنة بأنها غير صحية ومهينة. الإهمال الطبي شكل محوراً أساسياً آخر في التحقيق، إذ وثّقت لجنة حماية الصحافيين 27 حالة إهمال طبي شملت خياطة الجروح من دون تخدير وترك كسور وإصابات عين من دون علاج وانتشار أمراض جلدية. وقال الصحافي ثائر فاخوري إنه فقد البصر مؤقتاً لمدة عشرين يوماً بعد إصابة في عينه في أثناء الضرب ومنع من العلاج، بينما روى يوسف شرف أن جراحاً معتقلاً اضطر إلى إجراء عمليات جراحية مرتجلة باستخدام أدوات تنظيف بسبب رفض إدارة السجن تقديم الرعاية الطبية. ونقل التحقيق شهادات عن تواطؤ بعض العاملين الصحيين في الإساءة أو التغاضي عنها. كشف التحقيق أيضاً عن تهديدات مباشرة للصحافيين بسبب عملهم. قال الصحافي أمين بركة إنه هُدد بالعنف ضد عائلته بسبب عمله مع قناة الجزيرة، ونقل عن جندي قوله إن مراسل القناة نفسها وائل الدحدوح "تحداهم فقتلوا عائلته". وقال الصحافي محمد الأطرش إن المحققين حذروه من كتابة أي شيء على وسائل التواصل الاجتماعي بعد الإفراج عنه، فيما قال محمد بدر إنه خُيّر بين العمل مخبراً أو البقاء في السجن. في السياق نفسه، نشر "العربي الجديد" في يوليو/تموز 2024، شهادة مراسل التلفزيون العربي محمد عرب الذي اعتقلته قوات الاحتلال من مجمع الشفاء الطبي في غزة في 18 مارس/آذار 2024 مع مئات المدنيين، بعدما تمكن المحامي الفلسطيني خالد محاجنة وزميلته م. أ. من مقابلته في معتقل سدي تيمان العسكري في 19 يونيو/حزيران 2024، قبل نقله لاحقاً إلى سجن عوفر في 2 يوليو 2024. وقال المحاميان حينها إن محمد عرب كان في حالة إنهاك شديد ولم يثق بهما في بداية اللقاء، معتقداً أنهما محققان، قبل أن يبدأ بسرد ما تعرّض له خلال الاحتجاز. وبحسب الشهادة، قال عرب إنه تعرّض لثماني ساعات من الضرب المتواصل عند وصوله إلى المعتقل حتى فقد الوعي، ثم جُرّد من ملابسه وقُيّد وعُصبَت عيناه وأُدخلت الكلاب لتخويفه، مضيفاً أنه بقي مقيّد اليدين لنحو 90 يوماً وفقد الإحساس بأصابعه. كما تحدّث عن تهديدات بقتل عائلته أثناء التحقيق لإجباره على الاعتراف، وعن احتجازه في ظروف قاسية شملت الحرمان من النوم والطعام الكافي ومنع الاستحمام إلا دقيقة أسبوعياً، وإجبار المعتقلين على الجلوس لساعات طويلة معصوبي الأعين. وقال إن المعتقلين كانوا يُعاملون معاملة الأرقام، ويعيشون في اكتظاظ شديد وانتشار للأمراض الجلدية ونقص حاد في الغذاء والمياه النظيفة، مؤكداً أنه شاهد حالات وفاة وإصابات خطيرة نتيجة التعذيب. كما تحدث عن تعرض بعض الأسرى للتحرّش جنسياً واغتصاب بعضهم، من خلال إدخال الأدوات الحادّة أو العصي في مؤخّراتهم، ذلك كله بينما الأسير مقيّد، لا يستطيع الدفاع عن نفسه. محمد عرب لا يزال معتقلاً. في السياق القانوني، كشف التحقيق أن الغالبية الساحقة من الصحافيين اعتقلتهم السلطات الإسرائيلية من دون توجيه أي تهم. أكثر من 80% من الذين أجريت معهم مقابلات اعتقلوا بموجب نظام الاعتقال الإداري الذي يسمح بالاحتجاز من دون تهمة ولمدة قابلة للتجديد إلى أجل غير مسمى. كذلك قال 21 صحافياً إنهم حُرموا تمثيلاً قانونياً كافياً، وذكر 17 أنهم لم يُسمح لهم بالتحدث إلى محامٍ إطلاقاً، فيما سُمح لأربعة فقط بلقاء محامٍ مرة واحدة لبضع دقائق وفي ظروف غير خاصة. وطلبت لجنة حماية الصحافيين تعليقاً من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، لكن وزارة الأمن القومي لم ترد، بينما قال متحدث باسم الجيش إن "المحتجزين يُعاملون وفق القانون الدولي"، وإن "أي انتهاكات سيتم التحقيق فيها"، فيما نفت مصلحة السجون علمها بالمزاعم. ومع ذلك، تشير منظمات حقوقية إلى أن آليات الشكاوى غير فعالة وقد تعرض المعتقلين لمزيد من الأذى. وخلص التحقيق إلى أن حجم الشهادات وتكرارها يثيران تساؤلات جدية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقيات جنيف التي تنص على حماية الصحافيين. ودعت لجنة حماية الصحافيين إسرائيل إلى السماح لمراقبين دوليين مستقلين بدخول مراكز الاحتجاز وإجراء تحقيقات شفافة ونزيهة، محذرة من أن استمرار الصمت الدولي يرسخ بيئة الإفلات من العقاب، ويجعل كلفة نقل الحقيقة من الأراضي الفلسطينية أعلى من أي وقت مضى.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows