مهرجان برلين السينمائي... حرب الإبادة في غزة قضية اشتباك
Arab
6 days ago
share
لم تغب السياسة عن مهرجان برلين السينمائي منذ المؤتمر الصحافي الذي سبق افتتاحه الخميس الماضي، وسؤال لجنة التحكيم عن صمتها في ما يتعلّق بحرب الإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، وإجابة رئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني فيم فيندرز، بأن على السينما أن تبقى "خارج السياسة"، معتبراً أن صناع الأفلام يجب أن يبتعدوا عن السياسة، لأن دخولهم فيها يجعلهم يتصرفون بوصفهم سياسيين وليس فنانين. هذه التصريحات سرعان ما أثارت سجالاً واسعاً داخل مهرجان برلين وخارجه، وأشعلت ما وصفته إدارة "برليناله" لاحقاً بـ"عاصفة إعلامية" اجتاحت الأيام الأولى من الحدث. في محاولة لاحتواء النقاشات، أصدر المهرجان بياناً مطوّلاً "دفاعاً عن صناع الأفلام ولجنة التحكيم"، أكد فيه أن بعض التصريحات اقتطعت من سياقها، وأن المهرجان يسعى إلى توفير مساحة تُسمع فيها وجهات نظر متعددة. قالت مديرة المهرجان، تريشيا توتل، إن الفنانين أحرار في التعبير، لكن لا ينبغي توقّع تعليقهم على كل قضية سياسية أو على سياسات المهرجان نفسها. شدد البيان على أن برنامج هذا العام يضم 278 فيلماً تتناول قضايا الإبادة والعنف والاستعمار والسلطة، وأن صناع الأفلام المشاركين "ليسوا غير مبالين بما يحدث في غزة أو غيرها من مناطق العالم". غير أن هذه المواقف لم تُنهِ السجال، إذ ألغت الكاتبة الحائزة جائزة بوكر أرونداتي روي زيارتها إلى المهرجان، ووجّهت انتقاداً لاذعاً قالت فيه إن سماع أن الفن يجب ألا يكون سياسياً "أمر صادم"، معتبرةً أنه "طريقة لإسكات النقاش حول جريمة ضد الإنسانية تُرتكب أمام أعيننا"، وأكدت أن ما يحدث في غزة "إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني"، وأن دعم الولايات المتحدة وألمانيا ودول أوروبية أخرى لإسرائيل يجعلها "شريكة في الجريمة"، وأضافت أن التاريخ سيُحاسب الفنانين إذا لم يرفعوا أصواتهم. كذلك أعلن "سيماتيك – مركز الفيلم البديل" وعائلتا المخرجة المصرية عطيات الأبنودي والمخرج السوداني حسين شريف سحب مشاركتهم تضامناً مع دعوة مؤسسة الفيلم الفلسطيني إلى مقاطعة المهرجان، وكان من المقرّر عرض النسخ المرمّمة من فيلمي "أغنية توحة الحزينة" و"انتزاع الكهرمان" ضمن برنامج المنتدى الموسع قبل إعلان سحبهما. وأبقت المخرجة التونسية كوثر بن هنية، بخطابها مساء الاثنين، المهرجان في قلب السياسة. وقد فاز فيلم "صوت هند رجب" (مرشح لجائزة أوسكار في فئة أفضل فيلم دولي طويل) لبن هنية بجائزة "أكثر فيلم قيمةً" في مهرجان السينما من أجل السلام، ضمن الحدث السنوي الذي يقام على هامش مهرجان برلين السينمائي، لكنّ بن هنية لم تحمل الجائزة معها، إذ كُرّم في الأمسية نفسها نوعام تيبون؛ الجنرال الإسرائيلي السابق والشخصية المحورية في الوثائقي الكندي "الطريق بيننا"، لـ"إنقاذه أسرته" خلال عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. قالت بن هنية أمام الحضور، ومن بينهم وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون والممثل كيفن سبيسي: "أشعر بالمسؤولية أكثر من الامتنان. فيلم صوت هند رجب ليس عن طفلة واحدة فقط، إنه عن النظام الذي جعل قتلها ممكناً. ما حدث لهند ليس استثناءً، إنه جزء من إبادة جماعية". أضافت: "في هذه الليلة، في برلين، هناك من وفّر غطاءً سياسياً لتلك الإبادة، عبر إعادة توصيف القتل الجماعي للمدنيين على أساس أنه (دفاع عن النفس) أو (ظروف معقدة)، وعبر النيل من الذين يحتجّون. لكن، كما تعلمون، السلام ليس عطراً يُرش فوق العنف كي تبدو السلطة مهذبةً ومريحة. والسينما ليست وسيلة لتبييض الصورة". تابعت: "إذا تحدّثنا عن السلام، فعلينا أن نتحدث عن العدالة. العدالة تعني المساءلة. من دون مساءلة، لا سلام. الجيش الإسرائيلي قتل هند رجب، وقتل عائلتها، وقتل المسعفَين اللذين قدما لإنقاذها، وذلك بتواطؤ من أقوى حكومات والعالم ومؤسساته". اختتمت بالقول: "أرفض أن يتحول قتلهم إلى خلفية لخطاب مهذب عن السلام، فيما البُنى التي مكّنت ذلك لا تزال من دون مساس. لذلك، لن آخذ هذه الجائزة معي الليلة. أتركها هنا لتذكّركم. عندما يُسعى إلى السلام بوصفه التزاماً قانونياً وأخلاقياً، قائماً على المساءلة عن الإبادة الجماعية، عندها سأعود لأتسلّمها بفرح". وضمن السياق نفسه، صدرت رسالة مفتوحة الثلاثاء، وقّعها أكثر من 80 مشاركاً حالياً وسابقاً في "برليناله"، موجّهة إلى المهرجان، يدينون فيها صمته حيال جرائم الاحتلال الإسرائيلي، وتضييق الخناق على الفنانين الذين رفعوا أصواتهم من أجل القطاع وأهله. جاء في الرسالة أنهم "يتوقعون من مؤسسات صناعتنا رفض التواطؤ في العنف المروع الذي لا يزال يُمارس ضد الفلسطينيين". ومن بين الموقعين على الرسالة الممثّلون تيلدا سوينتون، وخافيير بارديم، وبراين كوكس، وأنجليكي بابوليا، وصالح بكري، وتاتيانا ماسلاني، وبيتر مولان، وتوبياس مينزيس، إضافة إلى المخرجين مايك لي، ولوكاس دونت، ونان غولدين، وميغيل غوميز، وآدم مكاي، وآفي موغرابي، وشيرين دعيبس. أكد الموقعون أنهم يختلفون بشدة مع آراء فيندرز حول صناعة الأفلام والسياسة؛ إذ "لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى". بدورها، دافعت الممثلة الفلسطينية هيام عباس عن رؤية ملتزمة للفن خلال مهرجان برلين الذي شاركت فيه بفيلمين، مؤكدة أن "كل ما نمارسه هو فعل سياسي". قالت عباس، خلال مقابلة مع وكالة فرانس برس هذا الأسبوع، إن "بعض العاملين في صناعة السينما يفتقرون إلى الشجاعة"، وأضافت: "اليوم أكثر من أي وقت مضى، إذا لم نعالج هذه القضايا، فإننا نصنع الفن من أجل الفن، وهذا لا يستهويني". هذا السجال السياسي الذي حاول القيّمون على مهرجان برلين إبقاءه خارج أسواره ليس جديداً؛ فقد شهدته الدورة الماضية أيضاً، حين فتح جهاز أمن الدولة التابع لمكتب التحقيقات الجنائية في ولاية برلين تحقيقاً بسبب خطاب للمخرج الهونغ كونغي، جون لي، تحدّث فيه عن وقوع إبادة جماعية بحق الفلسطينيين. وقال لي إنّ "ملايين الفلسطينيين يختنقون تحت وطأة الدولة الاستيطانية الاستعمارية الوحشية لإسرائيل"، مضيفاً أن الحكومة الألمانية ومؤسساتها الثقافية، بما فيها برليناله، "تسهم في نظام الفصل العنصري والإبادة الجماعية والمحو الوحشي للشعب الفلسطيني". كذلك ردّد في خطابه شعار "فلسطين حرة من النهر إلى البحر".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows