Arab
لا يكتفي الفنان المصري الألماني سامح الطويل بتخيّل هذا العالم من خلال التقنية، بل يفترض تعاوناً معها في بنائه وكتابته وصياغة تفاصيله؛ مسار يتقاطع فيه الأدب مع الفنون البصرية والتقنيات الرقمية، كما يقدمها في مجموعته القصصية "ظلال قصيرة" (دار ديوان للنشر، 2026)، التي تضمّ ثلاثين قصة قصيرة جداً، مكتوبة بالعربية، ومرفقة بترجمة إنكليزية كاملة.
غير أن البنية لا تتوقف عند مستويي اللغة والترجمة، إذ يضيف المؤلف مستوى ثالث يتمثّل في "أمر توجيه (Prompt) "مخصّص لبرمجيات الذكاء الاصطناعي المولّدة للصور. يمكن للقارئ نسخ هذه الصيغة من أمر التوجيه واستخدامها لإنتاج صورة بصرية مستوحاة من النص. ويعرض الكتاب، في مستوى رابع، إحدى النتائج البصرية التي تم توليدها بالفعل. هكذا، يتحوّل كل نص إلى كيان متعدد الطبقات، قصة، وترجمة، وأمر توجيه، وصورة.
هذه المستويات الأربعة لم تُنتَج بمعزل عن الذكاء الاصطناعي، بل جاءت ثمرة تعاون فعلي بين وعي بشري يتمثّل في سامح الطويل صاحب المشروع والمشرف على رؤيته، ووكلاء برمجيين (AI Agents) متعدّدين لتوليد النصوص وترجمتها، وتحويلها إلى صور. يشير مصطلح الوكلاء البرمجيين هنا إلى هذه البرامج القادرة على تلقّي الأوامر والتفاعل معها وتنفيذ مهام بشكل شبه مستقل، مثل توليد نصوص أو صور، دون تدخل بشري مباشر في كل خطوة. وقد جرى تدريب هؤلاء الوكلاء على "عالم تخييلي" محدد المعالم، بما يسمح لهؤلاء الوكلاء بالتفاعل داخله بوصفهم جزءاً من بنيته السردية.
في هذا العالم، تمتلك الآلات قدراً من الوعي يتيح لها التعبير عن نفسها، كما يتداخل هذا الوعي مع التجربة الإنسانية في مستقبل قاتم، يتكرّر فيه ثيمات المحو، وإعادة البرمجة، وفقدان الذاكرة، والبحث المحموم عن معنى للوجود. ليست الآلة هنا أداةً صامتة، بل كائن قلق، وخائف، ومأزوم، يشبه الإنسان بقدر ما يختلف عنه.
تتجلّى هذه الرؤية بوضوح في إحدى قصص الكتاب التي تتعامل مع "الحدود" بوصفها كياناً حياً، وحشاً بيوميكانيكياً من لحم ودم، يتلوّى عبر الصحراء، ويتنفس ببطء. تتعدد التأويلات داخل النص حول هذا الكيان، هل هو إله بدائي؟ أم آلة صنعتها حضارة منقرضة؟ هذا الغموض المقصود يعكس طبيعة العالم الذي يقترحه مشروع "ظلال قصيرة"، حيث تختفي الخطوط الفاصلة بين الأسطورة والتكنولوجيا، وبين العضوي والمصنَّع.
مسار يتقاطع فيه الأدب مع الفنون البصرية والتقنيات الرقمية
وتبرز هذه الهواجس أيضاً في قصة "المستنسخ"، التي تطرح معادلة قاسية بين البقاء والهوية. يُعرض على بطل هذه القصة الهروب من الحرب والفقر مقابل استنساخه. النسخة الأصلية تعود إلى الوطن لتموت في ساحة القتال، بينما تحظى النسخة المحسَّنة بحياة جديدة، وهوية مختلفة، وجواز سفر. يوافق الرجل، لا بدافع الطموح بل من فرط الإرهاق، غير أن الخلاص لا يكتمل؛ إذ يطارده شبح النسخة التي تُركت للموت، كأن الذاكرة ترفض أن تُستأصل بالكامل.
أما قصة "موسم المحو"، فتدفع الفكرة إلى أقصاها الديستوبي، حيث تبدأ السلطة بمحو الكتب والمكتبات، ثم الآثار والفنون، وصولاً إلى البشر أنفسهم. يُعاد تشكيل الهوية بالقوة، عبر محو الأسماء والتواريخ والآلهة، في عملية تشبه "إعادة برمجة" جماعية. البشر الخارجون من هذه العملية ليسوا أحياءً بالمعنى الكامل، بل قشور فارغة، أو أشباح شعب مُحيَ من التاريخ.

Related News
5 خطوات لحماية بصرك مع التقدم في العمر
aawsat
2 minutes ago
الأسهم الأوروبية عند مستوى قياسي بدعم من القطاع المالي
aawsat
2 minutes ago