في نزيف حزب مغربيّ
Arab
6 days ago
share
يشهدُ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أكبر أحزاب اليسار الإصلاحي في المغرب، نزيفاً تنظيمياً متواصلاً، بعد انسحاب كوادر وأعضاء فيه نحو وجهات حزبية أخرى. جديد فصول هذا النزيف التحاق القيادي البارز عبد الهادي خَيرات بحزب التقدّم والاشتراكية، في خطوة لا تخلو من دلالة. ويُتوقّع أن يشكّل هذا بداية حالة استقطاب داخل "الاتحاد الاشتراكي" قد تنتهي بانسحاب أعضاء آخرين من صفوفه. بالموازاة مع ذلك، تشهد المركزية النقابية التابعة له (الفيدرالية الديمقراطية للشغل) أجواء احتقان في عدد من نقاباتها القطاعية، على خلفية انفراد قيادتها بتدبير شؤونها، من دون إشراك قيادات هذه النقابات وقواعدها، سواء داخل المركزية أو داخل الحزب. وعلى الرغم من مسارعة قيادة الحزب إلى محاولة تطويق تداعيات هذا الاحتقان غير المسبوق داخل المركزية، فإنّ ذلك لم يحُل دون انسحاب أعضاء من النقابات القطاعية، لا سيّما المنتمين إلى النقابة الديمقراطية للعدل، والتحاقهم بالمركزية النقابية "الاتحاد المغربي للشغل". يكتسي هذا النزيف التنظيمي، داخل الحزب والفيدرالية، دلالاته بالنظر إلى تداعياته الانتخابية المتوقَّعة، في أفق الانتخابات التشريعية التي ستُنظّم خلال هذه السنة، فاستمرار الوضع على ما هو عليه، قد يخلط الأوراق داخل الحزب، الذي ما فتئت قيادته الحالية تُمنّي النفس باستعادة عنفوانه السياسي، الذي يرى كثيرون (داخل الحزب وخارجه) أنه بات جزءاً من التاريخ، بعد أن جرفت مياه السياسة المغربية ما تبقّى منه خلال العقدَين المنصرمَين. يعزو مناضلون في الحزب وضعه المتردّي إلى انفراد كاتبه الأول (أمينه العام)، إدريس لَشْكر، بإدارة شؤونه بطريقة مستبِدّة، في تغييب تام للتعدّدية والديمقراطية والحوار داخل هياكله وأجهزته المركزية والجهوية والإقليمية، وفي تعارض مع القيم التي قامت عليها المنظومة الاتحادية بمختلف امتداداتها. لقد أعادت قيادة "الاتحاد" الحالية صياغة هذه المنظومة، في ضوء ما انعطفت إليه السياسة المغربية منذ انتخابات 27 سبتمبر (2002)، التي كان يفترض أن تعزّز "المنهجية الديمقراطية" التي بدا أن المغرب كان قد انخرط فيها، عقب تعيين الملك الحسن الثاني القيادي الاتحادي الراحل عبد الرحمن اليوسفي رئيساً لحكومة التناوب (1998 – 2002). استثمرت هذه القيادة في النزيف التنظيمي الذي كان الحزب عرضة له سنواتٍ طويلة، واستفادت من استقالة وانشقاق عدد غير يسير من نُخبه وكوادره الحزبية والنقابية المؤثّرة، وحوّلته إلى حزبٍ بلا أفق ولا مشروع ولا أي حضور يُذكر داخل المجتمع. لم يعد "الاتحاد" ذلك الحزب العتيد والمُهاب، الذي يحظى بتأييد طيف واسع داخل الطبقة الوسطى، ولا ذلك الرقم الصعب في رسم المشهدَين الحزبي والسياسي، بل بات أشبه بحزب إداري بلا امتداد مجتمعي، لا همّ له إلا استقطاب حيتان الانتخابات، من أعيان ووجهاء ونافذين ورجال أعمال، إلى صفوفه، عبر تحالفاتٍ جهوية وإقليمية مدروسة، في قطيعة تامّة مع تاريخه النضالي. لم يعد الحزب فضاءً للمطارحات الفكرية والسياسية بما يساهم في بناء البرامج والمشاريع السياسية وإغنائها، بقدر ما بات أحد العناوين الأكثر دلالة لبؤس السياسة وبوار أسواقها في المغرب؛ السياسة التي حوّلت الأحزاب إلى منتديات اجتماعية مغلقة لإنتاج الزبونيّة السياسية ومنح التزكيات الانتخابية بين الأتباع، اعتماداً على الولاء للأشخاص والمصالح، بدل التقيُّد بمعايير النضال والاستحقاق والكفاءة التي يُفترض أن تحكم العمل الحزبي. في الختام، لا ينبغي القفز عن الاعتبار السوسيولوجي؛ فأزمة "الاتحاد الاشتراكي" هي أزمة الطبقة الوسطى المغربية التي فقدت القدرة، لأسباب لا يتّسع المجال للتفصيل فيها، على أن تكون الفاعل الرئيس في إحداث التوازن داخل المجتمع. لا تنفصل أزمة "الاتحاد" عن أزمة الطبقة الوسطى التي تراجع وزنها في عملية التدافع الاجتماعي والسياسي؛ فخسر الحزب نتيجة لذلك قاعدته الاجتماعية الصلبة. يُضاف إلى ذلك انسحاب المثقّفين من الشأن العام، مكتفين بانشغالاتهم المهنية والفكرية والأدبية، بعيداً عن أي التزام حزبي وسياسي واضح، وهو ما زاد من اتساع الفجوة بين الحزب والمجتمع، خصوصاً أن ذلك ترافق مع انطفاء بريق اليوتوبيات والعقائد السياسية الكبرى.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows