Arab
تكافح مراكز التسوّق في الصين لمواجهة تداعيات التحوّل المتسارع نحو التجارة الإلكترونية وتباطؤ الاستهلاك بعد الجائحة، ما دفعها إلى إعادة تموضع استراتيجي يركّز على الأطفال، أملاً في جذب العائلات إلى الفضاءات التجارية التقليدية. ففي شنغهاي، كان "سوبر براند مول" يعاني قبيل انتهاء إغلاقات كوفيد-19 من تراجع واضح. اليوم تبدّل المشهد بالكامل، المركز المؤلف من 13 طابقاً في قلب الحي المالي يستعيد زخمه، ويتصدّر بانتظام قوائم أفضل المراكز التجارية في شنغهاي على وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب ما ذكرت وكالة بلومبيرغ.
التحوّل بدأ بإضافة مرافق مخصّصة للصغار، أبرزها منطقة "المنزل الثالث للأطفال" التي تضم مساحات لعب، ومسارح، وعروضاً فنية، وفعاليات مصمّمة وفق اهتماماتهم. منذ اكتمال أعمال التجديد في 2023، سجّل المركز نمواً سنوياً من رقمين في الزيارات وإيرادات مواسم العطلات. وبحسب "بلومبيرغ"، تقول سيرينا لي، وهي عاملة في القطاع المالي تبلغ 40 عاماً: "أضطر لاصطحاب ابنتي خارج أوقات الذروة. في عطلات نهاية الأسبوع يصبح المكان بحراً من البشر".
هذا التوجّه لا يقتصر على شنغهاي فقط، بل في مدن عدة، تعيد المراكز التجارية صياغة مزيج المستأجرين والأنشطة لاستهداف "الجيل ألفا" (المولودين بين 2010 و2024). فقد أضاف "غراندفيو مول" في قوانغتشو عروض سحر، ومنحدرات تزلّج داخلية، وحوض أسماك، وحديقة حيوانات تضم حيوانات صغيرة مثل الكسلان والطوقان.
وفي تشانغتشون، تحوّل "نيو وورلد ليفينغ مول" إلى أبرز وجهة عائلية بعد افتتاح مرافق صديقة للأطفال وتجديد قناته الفينيسية الاصطناعية عام 2022. أما "تيانفو غاردن سيتي" في تشنغدو، فيقترب من نموذج مدينة الملاهي، مع عروض استعراضية على نمط ديزني ومناطق موسمية مثل فضاء يحاكي القطب الشمالي لسانتا كلوز. ويقول زاك ديشتفالد، الرئيس التنفيذي لشركة "بريدج ووركس غلوبال": "المشغّلون يجمعون عناصر تجذب الأطفال وآباءهم لجعل المركز التجاري نقطة تجمّع أساسية"، وفق "بلومبيرغ".
بيانات السوق تعكس هذا التحوّل، نحو 40% من الآباء الصينيين أفادوا بأنهم زادوا بشكل ملحوظ حصة الإنفاق المخصّصة لأطفالهم، وفق شركة "زيمينغ" الاستشارية في بكين. ورغم تراجع معدلات المواليد، إذ سُجّل 7.9 ملايين مولود جديد في 2025، وهو أدنى مستوى منذ 1949، يتجاوز الإنفاق السنوي المرتبط بالأطفال 800 مليار دولار، ويمثل ما يصل إلى نصف إنفاق الأسر، بحسب وكالة شينخوا، علماً أن استمرار انخفاض المواليد يشكّل تحدياً طويل الأمد لهذا النموذج، إلا أن شهية الإنفاق على الأطفال تبدو قوية. آباء الجيل ألفا، ومعظمهم من مواليد ما بعد 1980، يُعدّون أول جيل يمكن وصفه فعلياً بجيل المستهلكين في الصين، بخلاف أجدادهم الذين عايشوا الثورة الثقافية وما رافقها من تقشّف.
وبعد عقود من ثقافة الادخار والعمل لساعات طويلة، باتت العائلات أكثر استعداداً للإنفاق على الترفيه والتعليم والأنشطة اللاصفّية. كما ساهمت سياسة الطفل الواحد، التي أُلغيت قبل نحو عقد، في ترسيخ ظاهرة "ستة مقابل واحد": والدان وأربعة أجداد يركّزون مواردهم واهتمامهم على طفل واحد. وحتى في الأسر التي تنجب أكثر من طفل، لا تظهر مؤشرات على تراجع هذا السلوك الاستهلاكي.
الرهان واضح، جذب العائلات إلى المراكز التجارية لإعادة توجيه إنفاقها بعيداً عن المنصات الرقمية. ففي ووهان، تضاعفت زيارات "تشينغشان إن سيتي مول" بعد تجديده عام 2022 ليشمل ملعباً ومعارض علمية ومكتبة تعمل على مدار الساعة. وفي بكين، قفزت زيارات "آي دي مول" عشرة أضعاف منذ إعادة إطلاقه عام 2020 بتركيز واضح على الأطفال. أما "تشوبو غرينلاند بيينغ فن بلازا" في شنغهاي، فهو في طريقه لتحقيق زيادة تقارب 60% في الإيرادات، بعد إضافة مرافق رياضية داخلية ومساحات للتفاعل مع الحيوانات الأليفة. الأنشطة قد تصل كلفتها إلى 500 يوان (72 دولاراً) لكل جلسة، ما يجعلها مصدر دخل مباشر للمراكز، لكنها تحفّز أيضاً مشتريات إضافية.

Related News
5 خطوات لحماية بصرك مع التقدم في العمر
aawsat
4 minutes ago
الأسهم الأوروبية عند مستوى قياسي بدعم من القطاع المالي
aawsat
4 minutes ago