Arab
بيانكا (ليزا فانهمبريجيك) مُراهِقة تبلغ 13 عاماً. تُقيم مع والدتها (لورانس رووثووفت) وشقيقها الأصغر منها آلان (لويس هانّس). مولعة بسلسلة تلفزيونية، تؤدّي بيلي كينغ (ساشْلي غولاناليزاد) الدور الأول فيها. ترغب في ملاذ آمن، يجعلها غير مرئية أبداً، إزاء والدتها تحديداً، المنهمكة بمشاعرها وتفكيرها وتواصلها مع آلان، الذي تُجرى له عملية جراحية بالقلب. مباشرة أمام المنزل، تُغلِقُ حفرةٌ طولية أولَ الشارع، بسبب ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق. إنه يوم صيفيّ حار.
هذا حاصلٌ في "الجميع آسفون هذه الأيام"، للبلجيكية الفلمنكية فريدريكي ميغوم، المعروض أولاً في برنامج Generation Kplus، بالدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026) لمهرجان برلين السينمائي (برليناله). هذا اقتباس عن رواية بالعنوان نفسه (2018)، للبلجيكي الفلمنكي أيضاً بارت مويايرت، التي تصفها ميغوم، في الملف الصحافي، بأنها ذات "طابع داخلي عميق"، وأن هذا تحديداً ما تعتبره تحدّياً في نقل المكتوب إلى مرئيّ، بلغة السينما. تسأل نفسها عن كيفية جعل العالم الداخلي مرئياً، مُشيرةً إلى أنّ المسودة الأولى للسيناريو مليئة بتعليقات صوتية: "هل سأتمكّن من التعبير عن ذلك بصرياً و/أو صوتياً؟ هل سأتمكّن من جعل تلك المشاعر بصرية، تمتلك الـ"ضخامة" نفسها التي لمشاعر بيانكا؟". ففي عالم الخيال، "هناك حرية هائلة، لأنّ كل شيء ممكنٌ. وفي الوقت نفسه، هذا تحدٍّ".
شخصية بيانكا تُختصر بالتالي: فتاة مفعمة بالحيوية، تبحث عن ملاذٍ آمن في مكان يُشعرها بأنها غير مرئية، والجيمع يجدونها "خارجة عن السيطرة". كل شيء يتغيّر مع الزيارة المفاجئة (لها أساساً) لبيلي كينغ، في "يوم صيفي حار، مليء بالمشاعر الجياشة". عندها، "تطفو خيالاتها الخصبة وأفكارها المتضاربة على السطح. ثم تدرك أنّ الأمور غير ما تظنّ، فتحاول إيجاد طريق العودة إلى والدتها". لكن الطريق وعرة، تُجبِرُ المُراهقةَ على عيش ارتباكات وقلاقل ومخاوف، فتعاني عجزاً عن البوح بما تحسّ به، أو ترغب في قوله.
في غرفتها، كتابات على جدار، منها "حب، سلام، عدالة، أوقفوا الحرب". هذا يثير تساؤلاً، رغم غرابته: هل لبيانكا "موقف سياسي"؟ لاحقاً، في الفقرات البصرية الأخيرة (87 دقيقة)، تُبثّ لقطات مُصوّرة بهاتف خلوي لأحداثٍ مختلفة، بينها تظاهرات يُرفع فيها علم فلسطين. أهذا مُكمِّل لفيلمٍ، تُبنى حبكته أساساً على الاضطراب الداخلي لمراهقةٍ، تبحث عن متنفّس وخلاص، فالمنزل جحيم، والصراخ، المرفق بغضبٍ وتوتر، يتحكّم بعلاقتها بأمّ، تبقى الوقت كلّه قلقة على ابنها؟ تقول ميغوم: "المشاعر والأفكار بطبيعتها فوضوية، خاصة في ذلك العمر (المُراهقة). لا يمكن تفسيرها كلّها. ببساطة، أنتِ تختبرينها. تغمركِ وتسيطر عليكِ". تُضيف أنّ تلك الأفكار والمشاعر تكون ممتعة أحياناً، "وأحياناً أخرى لا تكون"، ومع هذا يجب الاستمرار معها، إن أراد المرء أم لا: "القدرة على الشعور والتفكير أمرٌ جميلٌ جداً. حتى الغضب والحزن يحتويان على جمال كثير"، لذا تُريد ميغوم "إظهار ذلك أيضاً".
لا جديد في أداء الممثلات والممثلين، فلكلّ منهم/منهن حضور تمثيلي محترف، ومتقن الصُنعة، باستثناء ليزا فانهمبريجيك، المنغمسة في شخصية مُراهِقة مُصابة بأعطاب في الذات والروح، والمتمكّنة من ترجمة غضبها وكراهيتها البيئة المُقيمة فيها بأداء يميل إلى الصمت، أي إلى التعبير بملامح وحركات، لا بالصراخ والضجيج، رغم أنّها تصرخ، بين حين وآخر، من دون سماع صوت صرختها، ففي حجب صوت الصراخ إشارة إلى أنْ لا أحد يسمعها وينتبه إلى اضطراباتها الذاتية. بينما تظهر أهدأ في لقاءاتها مع والدها (غريغ تيمرمانس)، المحصورة بمشاهدتهما معاً تلك السلسة التلفزيونية لبيلي كينغ.
صدمة زيارة كينغ منزل بيانكا معبَّر عنها بحِرفية بديعة، تستمرّ في اللاحق على بداية الزيارة. اختلاطٌ يحدث بين واقع (المنزل ومحيطه) وأحداث سلسلة تلفزيونية، ومتخيّل يأخذ المُراهقة إلى عوالم تُشعرها بسكينة، أو بقدرة على انتقامٍ من كل من وما يثير غضبها. يستمرّ هذا الاختلاط بين محسوس ومتخيّل، إلى لحظة مصالحة، ربما تنبثق من قناعة بجدوى المصالحة مع الوالدة، لبلوغ مصالحة مع الذات، لا العكس.
بهذا، يُضاف "الجميع آسفون هذه الأيام" إلى نتاج سينمائي غربي، أوروبي تحديداً، مهموم بمسائل المُراهقة وأسئلتها، في زمنٍ مرتبك بشدّة.

Related News
هجوم بسكين في أمريكا ينتهي بمقتل 4 أشخاص ومصرع المنفذ
al-ain
12 minutes ago
كارثة مرورية في اليمن تحصد أرواح 11 شخصًا وتخلّف مصابين
al-ain
13 minutes ago
برشلونة تزف خبراً ساراً لحمزة عبد الكريم
al-ain
27 minutes ago