Arab
العنف والجنس سمتان بشريتان منذ بداية الخلق. حاضرتان في يوميات شعوب، رغم أنّ لكلّ شعب (ولكلّ فرد غالباً) أساليب ممارسة وعيش، وآليات تلقّي وخضوع أو مواجهة. لذا، لن يكون مفاجئاً استمرار السينما في مقاربتهما، معاً أو كلّ على حدة، في أفلامٍ، حديثة الإنتاج وقديمة، وبعض الأولى (حديثة الإنتاج) مشاركٌ في مسابقة الدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026) لمهرجان برلين السينمائي (برليناله).
سمة ثالثة طاغية على ذاك البعض السينمائي الجديد: الفرد. أي انّ أفلاماً أربعة، مُشاهدة في الأيام الأولى لتلك الدورة، تعاين أحوال أفرادٍ، وإنْ يكن تأثير البيئة - الجماعة حاضراً أو متسلّطاً. فـ"طفل الليل" (Yom Lapsi)، للفنلندية هانا برغِهولم، نموذجٌ أول لتفشّي العنف بعد الجنس (والجنس عادي يحصل بين زوجين) في عائلة، تبدأ حياة زوجية في منزل متداعٍ في غابة، قبل إصلاحه. الطفل المولود مختلفٌ كلّياً، ورحلة الجحيم تبدأ سريعاً، إذْ يأتي العنف مع المولود، وللطبيعة دورٌ. و"تقليم شجيرة الورد" (Rosebush Pruning)، للبرازيلي كريم عينوز، غارقٌ في تلك السمتين، المتفشيتين في عائلة مؤلّفة من والدين وأربعة أبناء بينهم شابة. استعمال العنف والجنس يبلغ حدّاً غير مقبول، لشدّة ما فيهما من إسرافٍ في التقاط تفاصيلهما، غالباً، أو في تقديمهما "سينمائياً" (السيناريو لليوناني أفتيميس فيليبو أهمّ من التفاصيل السينمائية الأخرى) بمبالغة، تزداد وضوحاً مع أداء ربما يُراد له المبالغة، لكنّه بالتأكيد مُبالَغٌ به. بينما "روز"، للنمساوي ماركوس شْلاينزر، يختار المواربة في تقديم العنف، رغم صراخٍ يظهر بين حين وآخر، في مقابل انعدامٍ شبه كامل للجنس، فالشخصية الأساسية ضابط سيكون امرأة أساساً، تُخفي هويتها الجنسية - الجندرية لتختبر نمط حياة "أفضل"، لن تعرفه النساء. والضابط (القرن الـ17) يريد سكينة، لكنّ حصوله على أرضٍ ومزرعة مرتبط بزواجه شابّة، ابنة مالكهما.
وإذْ يتفوّق "تقليم شجيرة الورد" على الفيلمين الآخرين، في إرفاق الجنس بالعنف، وبعض العنف مبطّن وغالبيته مباشر، في سرد حكاية تلك العائلة غريبة الأطوار، فإن العنف أقوى من الجنس في "طفل الليل" و"روز"، لأنّ الأولوية كامنة في قراءة أحوال الطبيعة (البشرية وغير البشرية) في عالم يُظنّ أنه مسالم، بينما الوحش يتغلغل في ثناياه. الزوجان السعيدان (طفل الليل)، ساغا (الفنلندية سَيْدي هارلا) وجون (البريطاني روبرت غرينت)، يريدان حياة هادئة وسط غابة، ينكشف تدريجياً مدى اختراقها بنى الحياة البشرية. وممارسة الجنس للإنجاب تحصل فيها، قبل أن يتعرّى المخبّأ: هناك صلة رحم بين أشجار الغابة والمولود ليلاً، والوحش يحيل الآدمي إلى مهووس بالدم. أما روز (الألمانية ساندرا هولر)، فخيارها الجندري منبثقٌ من حالة اجتماعية عامة، تحاصر المرأة بتقاليد قاسية، وتمنح الرجل حرية عيش وتصرّف (إنّه القرن الـ17، في بقاع أوروبية).
"تحرير"، للتركي إمين ألبر، يُغيِّب الجنس كلّياً، باستثناء لحظة "اعتداء" جسدي سيُقدّم بصفته كابوساً لا واقعاً. أما العنف، فطاغٍ بحدّة، كلاماً وتصرّفات ومواجهات وقتلاً. فالنص السينمائي (ألبر) مهمومٌ بسرد حكاية نزاع بين طرفين يُقيم الحقد في علاقاتهما، والسلطة الرسمية (الجندرمة) "موهومة" بأنّ إرهابيين يرتكبون تلك الفظاعات. لكنّ "تحرير" (العنوان الأصلي لـKurtulus، بينما العنوان الإنكليزي الدولي، Salvation، يعني الخلاص، وكلاهما مرتبطٌ بحالة روحية متأتية من واقع اجتماعي، وتفكير قبائلي، وانتماء ديني) يفكّك البنية البشرية لأفراد، رجالاً ونساء، يذهبون بعيداً في التزامهم الديني (مع ممارساتهم طقوساً تؤكّده)، ويمتلكون كمّاً هائلاً من العنف، الظاهر معظمه في ملامح وسلوك ونبرة.
"تقليم شجيرة الورد" أكثر تلك الأفلام تطرّفاً في تصوير العنف والجنس. وكأي تطرّف، لا وجود لمنطق أو رؤية أو هدف، إلا بحسب ما يرتئيه من يمارسه. كريم عينوز يغوص في الجنس وتفاصيله، كما في العنف وأدواته وتعبيراته، ففي كلامٍ يُقال قدر منه يكاد يتساوى وقدر العنف في الممارسة (القتل تحديداً). بينما عنف الأفلام الثلاثة الأخرى، بالتفاوت السينمائي بينها في تصويره والتعبير عنه وممارسته، مشغول بلغة أجمل، تقترب من حقائق بيئة واجتماع، ووقائع أفراد وجماعات.

Related News
واشنطن وطهران على «الخط الأحمر»
aawsat
20 minutes ago
تحذير روسي من مساعٍ أوروبية «لتسليح كييف نووياً»
aawsat
25 minutes ago
لبنان يخشى تحوّله «ساحة موازية»
aawsat
32 minutes ago
الأمن يقضي على قيادي من فلول نظام الأسد
aawsat
35 minutes ago