الجسور ضرورة وجوديّة
Arab
6 days ago
share
لا جدال حول الانهيار/ التفسّخ كحالٍ مُزمن فيما بعد الهزيمة، يعيشه الناس في تفاصيل حياتهم الصغيرة، كما ترصده السلطة بأدواتها الأمنية والاجتماعية. لكن توصيف الحالة ليس ما يعنينا الآن. الألم مفهوم، والانكسار مشهود. ما يستحق التفكير هو: كيف لا يتحوّل الانكسار إلى قطيعة؟ كيف لا يبدأ الجيل التالي من الصفر؟ الهزيمة لا تُميت المجتمعات بالضرورة، لكنها تُربكها، ما يُميت حقًا هو انقطاع السلسلة؛ أن تُمحى الخبرة، وأن تُقطع الجسور بين ما كان وما يمكن أن يكون، في كلّ مرة يُجبر جيلٌ على إعادة اكتشاف ما سبق اكتشافه، تكون خسارة غير مرئية قد حدثت، وحين يُعاد دفع الأثمان نفسها لأنّ الذاكرة لم تنتقل، تكون القطيعة قد بدأت تعمل بصمت. هنا تظهر ضرورة الجسر الجسر ليس بطلاً، ولا غايةً في ذاته، إذ لا يُبنى ليبقى، بل ليُعبر عليه. لا يُقام ليُحتفى به، بل ليُستهلك. وظيفته أن يكون مرحلة انتقالية، مساحة بين ضفتين، لا يستقر فيها أحد طويلًا. كائنٌ مؤقّت بطبيعته، ونجاحه لا يُقاس بسلامته، بل بعدد من عبروا فوقه. لو لم يقف الأولاد في الصفوف الأولى لاقتحام الكردونات، وصولاً إلى الميدان، في يناير 2011 رغم تلقّيهم الرصاص عن البقية، هل كانت الثورة لتحدث؟  ليس السؤال هنا عن البطولة، بل عن الوظيفة. كان لا بُدّ من جسدٍ يختبر المسافة بين الخوف والفعل، بين الاستسلام والإقدام. الجسر، في تلك اللحظة، لم يكن خطابًا ولا شعارًا ولا حتى فكرة نظريّة، بل أجسادًا تقبل أن تكون المرحلة التي تسمح بانتقال المعنى من الاحتمال إلى الواقع، رغم يقينها بالغياب عن لحظة الوصول. في كلّ مرة يُجبر جيلٌ على إعادة اكتشاف ما سبق اكتشافه، تكون خسارة غير مرئية قد حدثت ولولا (في المثال الرمزي الذي نستحضره ويُعاد رويه في حرب العبور 1973) أنّ جنديًا سدّ فوهة المدفع عند مدخل التبة، لما استطاع زملاؤه التقدّم. قد يكون في الرواية اختزال، لكن معناها الوظيفي واضح: أحيانًا يتطلّب العبور عنصرًا يمتصّ الصدمة الأولى. ليس لأنّ التضحية قيمة مجرّدة، بل لأنّ الحركة تتوقّف إن لم يتحمّل أحد لحظة الاصطدام. وفي الطبيعة، لا ينفصل الأمر كثيرًا عن هذا المنطق، الحيوان الذي يطلق نداء التحذير عند اقتراب المُفترس يعرّض نفسه للخطر. يمكن قراءة فعله بوصفه تضحية، لكن الأهم أنّه يشغل موقع "النذير" بين مرحلتين: بين الاستدراج/ الغفلة والافتراس. لو صمت وانسحب أو تحايل، قد ينجو هو، لكن المجموعة ستُفترَس؛ إذًا وجوده هو المسافة القصيرة التي تسمح بالتحوّل من الذهول إلى الاستعداد، ومن احتمال الإجهاز على المجموعة لنجاتها. ما يجمع هذه الصور ليس البطولة، بل منع الانقطاع، وهذا هو القصد من هذا النصّ "الجسريّة ضرورة وجوديّة، وإن هلكت". الفشل الحقيقي ليس في انهيار الجسر، بل في غيابه الجسر، بهذا المعنى، هو ما يَحول دون العودة إلى الصفر، إنّه ما يسمح بتراكم الخبرة بدل تبديدها، حين يغيب، لا تبدأ الجماعة من مستوى أدنى فحسب، بل تُعيد إنتاج الأسئلة البدائية ذاتها، وتدفع كلفة معرفية وسياسية مضاعفة، القطيعة ليست مجرّد فقدان ذاكرة، بل تعطيل لآلية التعلّم التاريخي والتجربة  من هنا يمكن فهم كيف تنتصر أنظمة المحو، ليست قوّتها الأساسية في البطش، وإن لم تتخلّ عنها، بل في تفكيك الوسائط: في تجفيف الذاكرة، وتشويه السرديات، واستبدال اللغة وعزل الأجيال عن خبرات بعضها البعض (فعلاً وتجنّبًا). حين يُفصل الجيل اللاحق عن التجربة السابقة، يُعاد تشكيل وعيه كما لو كان التاريخ صفحة بيضاء، وهذا أخطر من القمع، لأنه يُنتج انعدامًا للمرجعية، بما فيها السلبيّة. الجسر بطبيعته هشّ، لأنّه موقع ضغط، هو النقطة التي تتقاطع فيها قوى مُتعارضة: الماضي الذي يطالب بالحفاظ، والمستقبل الذي يطالب بالتجاوز، لذلك يُساء فهمه غالبًا: يُتَّهم بأنّه لم يحافظ بما يكفي، أو لم يُنجز بما يكفي، لكنه لم يوجد ليُرضي الطرفين، بل ليمنع السلسلة من الانقطاع. إنه بنية انتقال، لا بنية استقرار، ومن ثم، فإنّ تحطّم بعض الجسور لا يعني فشلها، إذا تمّ العبور، فقد أدّت وظيفتها على أكمل وجه، ما يُقاس هنا ليس بقاء الوسيط، بل استمرار الحركة بعده، الفشل الحقيقي ليس في انهيار الجسر، بل في غيابه. حين يُفصل الجيل اللاحق عن التجربة السابقة، يُعاد تشكيل وعيه كما لو كان التاريخ صفحة بيضاء، وهذا أخطر من القمع غير أنّ الوساطة ليست براءة خالصة، فالجسر قد ينقلب في لحظة ما، من معبر إلى حاجز، ومن أداة انتقال إلى جهاز قمع، ما يحدث حين يتشبّث بموقعه ضرورةً مستمرّةً لا مرحلةً عابرةً؛ حين يخاف العبور أكثر ممّا يخاف الانقطاع، فيُبقي الحركة معلّقة، ويُطيل زمن المؤقّت حتى يصير هو الأصل، وعندها لا يمنع القطيعة فحسب، بل يمنع التحوّل ذاته. استدراك: أعرف أنّ الاستمرار في ذاته ليس فضيلة مطلقة؛ فليست كلّ سلسلة جديرة بأن تُستأنف، ولا كلّ ذاكرة تستحق أن تُصان من دون مُساءلة؛ ثمّة قطيعات ضرورية، لا بوصفها انتحارًا، بل بوصفها تصحيحًا لمسارٍ فاسد، لعلّ الفارق هو بين قطيعة تمحو البناء، وقطيعة تُعيد توجيهه (الفارق إذًا في الوعي بالدور والعمل في إطاره) الجسر هنا لا يُبنى ليُبقي كلّ شيء كما هو، بل ليحمل ما يستحق العبور، ويترك ما يشكّل عبئًا. الحياة لا تنتصر بضربة قاضية، ولا بثورة مكتملة من أوّل محاولة، ولا بعبور واحد حاسم، بل تنتصر بسلسلة جسور قصيرة، مُنهكة، بعضها يتشقّق، وبعضها ينهار بعد أن يؤدي مهمّته، لكنها تظلّ متصلة. السؤال إذن ليس أخلاقيًا: من يضحي؟ ولا ذاتيًا: متى أستريح وأعيش؟ بل بنيوي: من يشغل موقع الوساطة حين تتطلّبه اللحظة؟ ومن يضمن ألا يتحوّل الانكسار إلى قطيعة كاملة؟ حين يغيب الجسر، لا تكون هناك هزيمة فحسب، بل انقطاع في إمكانية التعلّم، تجنّب الأخطاء، والبناء. وحين يوجد، حتى لو كان هشًا ومؤقتًا، حتى لو تحطّم تحت أقدام العابرين، تظلّ السلسلة قابلة للاستئناف.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows