الفساد نظاماً اجتماعياً
Arab
6 days ago
share
لا يمكن مقاربة مسألة الفساد في المجتمع السوري باعتبارها مجرّد ظاهرة إدارية أو سلوكاً أخلاقياً مُنحرفاً، بل يجب فهمه بوصفه بنية اجتماعية تشكّلت تاريخياً ضمن علاقة جدلية مع طبيعة الدولة ونمط السلطة الذي ساد خلال عقود حكم حافظ وبشار الأسد. ففي هذه التجربة الطويلة، لم يكن الفساد مجرّد خلل في النظام، بل كان جزءاً من آلية عمله، ثم مع الزمن تحوّل إلى نظام اجتماعي غير رسمي ينظّم الحياة اليومية ويُعيد إنتاج نفسه عبر الأجيال. في السياق، نشأت علاقة مُعقّدة بين المجتمع والفساد، علاقة لا تقوم على الرفض أو القبول البسيط، بل على التكيّف المتبادل. فالمجتمع الذي يعيش في ظلّ بنية مؤسّساتية ضعيفة أو غير عادلة لا يتعامل مع الفساد باعتباره خياراً أخلاقياً، بل باعتباره أداة عملية لإدارة الحياة. ومع استمرار هذا الوضع لعقود، يتحوّل الفساد من ممارسة استثنائية إلى نمط سلوكي اعتيادي، ثم إلى ثقافة ضمنية تُنقل اجتماعياً بوصفها "مهارة" للعيش داخل واقع غير مستقر. هذه النقلة هي جوهر المسألة السوسيولوجية. إذ يصبح الفساد في مرحلة معينة، ليس فقط عبئاً على المجتمع، بل أيضاً وسيلة يستخدمها أفراده لتجاوز القيود. وهنا تتشكّل المفارقة الأساسية: المجتمع يشتكي من الفساد على المستوى القيمي، لكنه يعتمد عليه عملياً في تنظيم شؤونه. هذه الازدواجية ليست تناقضاً أخلاقياً بقدر ما هي نتيجة منطقية لبيئة تجعل الطرق الرسمية غير فعّالة أو غير مُتاحة للجميع. المشكلة ليست في غياب القوانين بقدر ما هي في غياب الثقة بأنّ هذه القوانين تمثّل الجميع وتخدمهم بشكل متساوٍ من هنا، لا يمكن فهمها فكرة الانتقال من حالة الفساد المعمّم إلى حالة الالتزام بالقانون بوصفها عملية إصلاح إداري أو تشريعي فقط، ولا مسألة أخلاقية تتعلق بتوعية الأفراد، بل هي أيضًا عملية تحوّل بنيوي عميق في العلاقة بين الفرد والمجال العام. لأنّ المشكلة ليست في غياب القوانين بقدر ما هي في غياب الثقة بأنّ هذه القوانين تمثّل الجميع وتخدمهم بشكل متساوٍ. الفساد في هذه الحالة لا يكون مجرّد انتهاك للنظام، بل يصبح بديلاً عنه. فهو يخلق شبكة غير رسمية من العلاقات التي توفّر للأفراد شعوراً بالقدرة على التحكّم في مصائرهم، ولو بشكل محدود. ولذلك لا يعني إنهاء الفساد فقط القضاء على ممارسات خاطئة، بل يعني أيضاً تفكيك نظام اجتماعي كامل كان يمنح الناس أدوات للتكيّف مع واقع غير مستقر. وهذا ما يجعل عملية التحوّل بطبيعتها جدلية ومليئة بالصراعات الداخلية. المجتمع الذي عاش طويلاً في ظلّ الفساد لا يرفض النزاهة من حيث المبدأ، لكنه يخشى الفراغ الذي قد ينشأ في حال اختفاء الآليات التي اعتاد عليها. فالتغيير لا يهدّد فقط الامتيازات غير المشروعة، بل يهدّد أيضاً أنماط التكيّف اليومية التي أصبحت جزءاً من خبرة الناس. لذلك يظهر ما يمكن وصفه بصراع اجتماعي داخلي: صراع بين الرغبة في العدالة والاستقرار طويل الأمد، والخوف من فقدان أدوات النجاة السريعة التي وفّرها النظام غير الرسمي. التغيير لا يهدّد فقط الامتيازات غير المشروعة، بل يهدّد أيضاً أنماط التكيّف اليومية التي أصبحت جزءاً من خبرة الناس هذا الصراع هو ما يجعل التحوّل عملية طويلة وليست لحظة مفاجئة. فالمجتمعات لا تنتقل من ثقافة إلى أخرى بقرارات سياسية أو حملات توعية، بل عبر تراكم تجارب يومية تُغيّر إدراك الأفراد لما هو ممكن وما هو طبيعي. عندما يعيش الإنسان لفترة طويلة في بيئة يسودها عدم اليقين، يتشكّل وعيه على أساس البحث عن الحلول الفردية. أما عندما تبدأ البيئة بالاستقرار ويصبح الالتزام بالقواعد مُجدياً وفعّالاً، يتغيّر هذا الوعي تدريجياً نحو الثقة والعمل الجماعي. لذلك يبدأ التحوّل الحقيقي عندما تتغيّر "قواعد الفعل الاجتماعي"، أي عندما يصبح احترام القانون أكثر فائدة وأماناً من تجاوزه. عندها لا يحتاج المجتمع إلى فرض أخلاقي خارجي، لأنّ السلوك المُنضبط يصبح الخيار العقلاني تلقائياً. فالإنسان في النهاية كائن يتكيّف مع الحوافز المُحيطة به أكثر مما يستجيب للشعارات المجرّدة. في هذه النقطة تحديداً تتضح الطبيعة التبادلية للعلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة لا تستطيع فرض النزاهة إذا كانت القاعدة الاجتماعية ترى في التحايل وسيلة ضرورية للبقاء، كما أنّ المجتمع لا يستطيع ترسيخ ثقافة القانون إذا بقي يشعر بأنّ المؤسسات لا تمثله أو لا تحميه. ومن ثم ليس الانتقال من الفساد إلى الانضباط حركة من الأعلى إلى الأسفل ولا من الأسفل إلى الأعلى فقط، بل هو عملية متزامنة يعيد فيها كلّ طرف تشكيل الآخر. الإنسان لا يولد مهيّأً للفساد أو للنزاهة، بل يتعلّم كيف يتصرّف وفق ما تسمح به منظومته الاجتماعية التحوّل يحدث عندما يكتشف المجتمع أنّ النظام غير الرسمي الذي اعتمد عليه لم يعد يوفّر له الحماية كما كان يفعل سابقاً، بل أصبح يهدّد استقراره ومستقبله. عند هذه اللحظة، يبدأ الوعي الجمعي بالانتقال من عقلية النجاة الفردية إلى عقلية المصلحة المشتركة. وهنا تظهر نقطة التحوّل الحقيقية: عندما يدرك الأفراد أنّ الالتزام بالقواعد لا يقيّد حرّيتهم، بل يحميها. إنّ تجربة المجتمعات التي مرّت بظروف مشابهة تشير إلى أنّ هذا التحوّل ممكن دائماً، لأنّ الفساد ليس صفة ثقافية ثابتة، بل استجابة تاريخية لبيئة مُحدّدة. وعندما تتغيّر تلك البيئة، تتغيّر معها أنماط السلوك تدريجياً. فالإنسان لا يولد مهيّأً للفساد أو للنزاهة، بل يتعلّم كيف يتصرّف وفق ما تسمح به منظومته الاجتماعية. من هذا المنظور، يمكن القول إنّ المجتمع الذي عاش طويلاً في ظلّ الفساد يحمل داخله أيضاً إمكانات تجاوزه. لأنّ آليات التكيّف نفسها التي جعلته يتعايش مع واقع مختل هي التي تمكّنه من إعادة تشكيل نفسه عندما تتغيّر الشروط. وعندها لا يكون الانتقال مجرّد إصلاح إداري أو قانوني، بل تحوّلاً عميقاً في طريقة فهم الناس لعلاقتهم بعضهم ببعض وبالدولة وبالمجال العام. بهذا المعنى، ليس الخروج من الفساد مجرّد معركة ضدّ ممارسات خاطئة، بل هو عملية إعادة بناء للثقة الجماعية، وإعادة تعريف لفكرة العيش المشترك نفسها. وعندما يصل المجتمع إلى لحظة يشعر فيها أنّ النظام العادل يمنحه أماناً أكبر من التكيّف الفردي، يصبح الالتزام بالقانون ليس واجباً مفروضاً، بل تعبيراً طبيعياً عن مصلحته الجماعية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows