Arab
تواصل الليرة التركية تسجيل مستويات قياسية من التراجع، وسط تساؤلات حول حقيقة "الصمت النقدي" الذي يتبعه البنك المركزي تجاه التراجعات المتلاحقة للعملة، خاصة بعدما اقترب سعر الدولار من 44 ليرة، في أدنى مستوى تاريخي. ففي الوقت الذي يرى فيه بعضهم في هذا الانخفاض انعكاساً طبيعياً لضغوط التضخم وسياسات التيسير، تتبلور قناعة لدى قطاع من المراقبين بأن أنقرة قد تكون بصدد تنفيذ "هندسة اقتصادية" متعمدة، تهدف إلى توظيف العملة الرخيصة محركاً لدفع عجلة النمو عبر بوابة التصدير، والمراهنة على تعزيز التنافسية في الأسواق الدولية بديلاً لاستقرار سعر الصرف. وهبطت الليرة التركية، أمس الثلاثاء، إلى أدنى سعر على الإطلاق أمام العملات الأجنبية الرئيسية، وسجل سعر صرف الدولار 43.75، واليورو 51.85 ليرة، في أقل سعر تهوي إليه العملة التركية هذا العام، بعد خسارتها نحو 21.4% من قيمتها العام الماضي، وقت دخلت عام 2025 بسعر 35.37 ليرة للدولار وسجلت نهاية العام 42.95 ليرة للدولار الواحد.
ويرى رجل الأعمال التركي، سليم شحرور، أن تراجع سعر صرف الليرة، وتسجيلها أدنى مستوى اليوم، لا يعود "حصراً" إلى خطة حكومية تستهدف زيادة الصادرات فقط، لأن هناك أسباباً كثيرة وراء تراجع سعر الصرف، منها ما هو اقتصادي داخلي، ومنها ما هو نفسي داخلي، ومنها ما هو سياسي خارجي. ويضيف رجل الأعمال التركي لـ"العربي الجديد" أن التضخم، الذي لم يزل، رغم المحاولات والخطط، مرتفعاً عند نحو 30.7%، هو السبب الأهم في تراجع سعر الليرة، لأن تآكل القوة الشرائية لليرة يدفع أي مكتنز أو مدخر إلى الهروب نحو الذهب والعملات الأجنبية، أو حتى العقارات والسيارات، كملاذات آمنة تحفظ له قيمة مدخراته.
ويوضح أن هذا السبب يرافقه تأثير سياسة التيسير النقدي والتخفيض المستمر لأسعار الفائدة، التي تراجعت من 50% عام 2024 إلى 37% اليوم، الأمر الذي زاد من السحب وضخ كتل نقدية بالليرة في السوق. "وهنا يدخل هروب الأموال الساخنة كسبب، بعد أن اقترب التضخم من سعر الفائدة وتراجع سعر الفائدة بنسب أعلى من تعافي التضخم". ولا يتنكر رجل الأعمال لزيادة المعروض النقدي التركي الشهر الماضي، بعد زيادة الرواتب والأجور للقطاعين العام والخاص، وتراجع السياحة وعائداتها الدولارية عن المخطط، واستمرار العجز في الميزان التجاري، الذي يستهلك القطع الأجنبي.
هل تتعمد تركيا خفض الليرة؟
وحول القصدية الحكومية التي يراها بعضهم، يشير المتحدث إلى أن ذلك "صحيح نسبياً"، لأن العملة الرخيصة تخفض تكاليف الإنتاج بالقياس إلى العملات الأجنبية، ما يزيد الصادرات ويعزز تنافسية المنتج التركي في الأسواق الخارجية. "لاحظنا نجاعة هذا النهج من خلال أعلى قيمة صادرات تركية العام الماضي بأكثر من 273 مليار دولار"، معتبراً أن عدم تدخل المصرف المركزي، سواء بالعودة إلى رفع سعر الفائدة أو ضخ الدولار في السوق رغم الاحتياطي الكبير، يُعد دليلاً على قصدية تركية ولكنها ليست استراتيجية أو خطة دائمة. وتزيد شبهة قصدية الحكومة التركية، بعدم التدخل لرفع سعر الليرة أو تثبيته على الأقل، جراء هدف تركيا برفع قيمة الصادرات، التي سجلت العام الماضي أرقاماً هي الأعلى في تاريخ الجمهورية التركية، بعد أن وصلت قيمة السلع إلى 273.4 مليار دولار، بزيادة بنحو 4.5% عن صادرات 2024.
وجاءت السيارات في مقدمة السلع التقليدية المصدرة بقيمة 41.5 مليار دولار، تلتها المواد الكيماوية بنحو 42 مليار دولار، فيما حلت صادرات التكنولوجيا بأعلى قيمة وصلت إلى نحو 112 مليار دولار. وحافظ الشركاء التقليديون على مواقعهم، فحلت ألمانيا أولاً، وبريطانيا ثانياً، والولايات المتحدة ثالثاً، مع ملاحظات على تنامي الصادرات إلى دول الجوار والقارة الأفريقية، التي تجاوزت الصادرات التركية إليها عتبة 20 مليار دولار. ويرى الأكاديمي، عبد الناصر الجاسم، أن تركيا "لا تسعى لتحقيق خططها عبر العملة قليلة القيمة"، رغم ما نراه أحياناً من ملامح خطة النمو عبر الصادرات، لأن آثار ذلك على الاقتصاد الكلي وأسعار المنتجات في الداخل أعلى مما قد تحققه من زيادة في الصادرات، معتبراً أن الأسباب الاقتصادية "التضخم" والنفسية "الثقة بالليرة" هما الأهم في تراجع الليرة. وأشار إلى أن اجتماعات المصرف المركزي في شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان المقبلين، وخطة لجنة السياسات النقدية بالاستمرار بسياسة التيسير النقدي وتخفيض سعر الفائدة، أو التثبيت على الأقل، ستحدد مسار وسعر الليرة، مضيفاً: "أتوقع أن يُقفل عام 2026 عند 50 ليرة للدولار".
ويلفت الأكاديمي الجاسم، خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أنه لا توجد مخاوف كبيرة على الليرة التركية، لأن احتياطي المصرف المركزي حتى منتصف الشهر الجاري بلغ 212 مليار دولار، منها 78.9 ملياراً عملات أجنبية والباقي ذهب، ما يعني إمكانية التدخل غير المباشر أو المباشر عبر بيع الدولار من المصارف إن اقتضى الأمر وتطلب السوق وسعر الصرف، مؤكداً أن التوجه الرسمي، وفق برنامج الإصلاح الاقتصادي المعدل هذا العام، يركز على محاربة التضخم وحماية قيمة الليرة.
ويختم المتخصص الجاسم بأن تركيا لا يمكن أن تلعب كما الصين، فهي ليست بذات القدرة التصديرية التي تمتلكها بكين، كما لا يمكن أن تجازف بأسعار المنتجات المحلية وتفقر الشعب، أو ترفع تكاليف الإنتاج المحلي بالليرة، فتوقع اقتصادها في فخ التضخم الذي قد يقوض نجاحات تركيا الاقتصادية وموقعها ضمن مجموعة العشرين.

Related News
ترمب في خطاب «حالة الاتحاد»: أميركا تشهد «تحولا تاريخيا»
aawsat
24 minutes ago
"رويترز": ترامب يبدأ إلقاء خطاب حالة الاتحاد
alaraby ALjadeed
25 minutes ago
أسرة ترامب.. حضور كامل العدد في خطاب حالة الاتحاد
al-ain
29 minutes ago