Arab
كما كان متوقّعاً، ما إن تراجعت المخاوف المتصلة بوحدة سورية، بعد انهيار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شرق الفرات، واستعادة الدولة السيطرة على معظم أرجاء المنطقة، وما إن بدأت تنخفض حدّة الخطاب الفئوي، والتحريض الطائفي، نتيجة الإحساس باستقرار السلطة الجديدة، حتى عادت القضايا الجوهرية التي يتشاركها كل السوريين إلى دائرة اهتمامهم، وتشمل خصوصاً الأحوال المعيشية، الاستقرار الأمني المرتبط تحديداً بحصر السلاح بيد الدولة، توفير فرص العمل، تكافؤ الفرص، والشفافية في إدارة الاقتصاد والمال العام، فضلاً عن إطلاق مسار العدالة الانتقالية المؤجّل، إعادة الاعمار وحل معضلة المخيمات، في الشمال خصوصاً، والإفراج عن الحياة السياسية المصادرة منذ قرار حل الأحزاب في يناير/ كانون الثاني 2025. هذه هي القضايا التي تشغل بال معظم السوريين راهناً، ويُعبَّر عنها بوضوح في وسائط التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام التقليدية، وفي الشارع، عبر موجة الاحتجاجات، المحدودة حتى اللحظة، في مناطق سورية مختلفة، أخيراً.
على مدى العام الماضي، نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في اقتناص اللحظة التاريخية التي فجرها سقوط الأسد، والاستثمار في الرغبة/ الإرادة الإقليمية والدولية لطيّ حقبة نظامه، ومنع انزلاق سورية نحو الفوضى والتطرّف، فأُزيلت أكثر العقوبات الأميركية والأوروبية في وقت قياسي، ورُحِّب بعودة سورية إلى المحافل الدولية والإقليمية من دون تحفظ كبير، كذلك لجمت واشنطن إسرائيل نسبيّاً عن محاولاتها لتقويض الإدارة السورية الجديدة، وتفكيك سورية إلى كانتونات طائفية وإثنية متناحرة. هذه الإنجازات عظيمة، ولا يمكن التقليل من شأنها، أو من حقيقة أن سورية عبرت مرحلة خطيرة بعد سقوط الأسد، من دون فوضى كبيرة، حروب فصائلية، أو حالات قتل جماعي واسعة (رغم ما حصل من انتهاكات مستنكرة في الساحل والسويداء). لكن هذه الإنجازات (الخارجية) تصبح مهدّدة، وعديمة القيمة، ما لم تنعكس إيجاباً على حياة المواطن السوري ومعيشته، وتحقق كرامته، وتتحوّل بعدها إلى مصدر شرعية داخلية قائمة على الإنجاز وتنفيذ التعهدات ببناء دولة عصرية مزدهرة. هذا الأمر مستعصٍ، حتى الآن، ما يفسر نفاد صبر فئات واسعة من السوريين.
ترتكب الإدارة السورية الجديدة خطأً كبيراً إذا استمر تركيزها منصبّاً على إرضاء الخارج، وخطأً أكبر إذا اعتقدت أن بقاءها رهن إرادات دولية تجري استمالتها عبر مقاولات أمنية، تنازلات سياسية، أو امتيازات اقتصادية تُمنَح لهذه الدولة أو تلك. لا شك أن سورية، في ظل الدمار الذي ألحقته سياسات الأسد بها، تتطلب استثمارات كبيرة في كل القطاعات من الطاقة إلى المواصلات والاتصالات، دع جانباً مسألة إعادة الإعمار، لكن الطريقة التي تُمنَح بها هذه الاستثمارات لا تنسجم مع تقاليد دولة ذات سيادة، إذ تتصرف بمواردها سلطة تديرها كمن يملكها حرفياً، بما يعكس مقولة "من يحرّر يقرّر"، لتُوزَّع بعد تقسيمها مثل "كعكة" على كبار الفاعلين الإقليميين والدوليين (نفط، غاز، مرافئ، مطارات، اتصالات، إلخ) وإن من لم يظفر من هذا بشيء تعطيه قواعد عسكرية (روسيا) أو تفتح له الأسواق المحلية (تركيا).
وكما يجري التعامل مع موارد سورية الطبيعية، ومرافقها السيادية، على أنها غنيمة تُوزَّع على كبار المساهمين الخارجيين، يجري التعامل مع أجهزة الدولة ومؤسّساتها بالطريقة نفسها لدى المساهمين المحليين. هنا، تغيب معايير الكفاءة والأهلية في التعيينات، وتولي الوظيفة العامة، وتُستبدَل بمعايير القرابة، والولاء، وفي أحسن الأحوال الثقة الشخصية، ما يؤسس لشبكة جديدة من الزبائنية، التي تهدّد بانهيار ما تبقى من تقاليد مؤسّسية في الدولة السورية. النهم إلى السلطة والوظيفة العامة، وما يأتي معها من امتيازات، يقابله إحساس جارف بالاستحقاق ممن لا يملك بالضرورة المؤهل لشغلها، فيستعيض عن ذلك بالتملق والنفاق، في ظاهرة بات يطلق عليها سوريّاً اسم "التكويع" تستهدف صاحب القرار الذي يتصرف هنا أيضاً كمن يملك الوظيفة العامة ويمنحها جوائز وعطايا. الأسوأ من كل ذلك تبلور اعتقاد، لدى بعضهم، مفاده بأن البلد بات لنا، ومن لم يعجبه فليرحل! هذه ليست مقاربة لبناء دولة، بل مقاربة مثالية لهدمها وتفكيكها، وهي بالتأكيد ليست طريق الازدهار والاستقرار، بل طريق العوز والانهيار، وفقد ثقة الناس، إذا لم يُسارَع إلى التدارك والتغيير.

Related News
الجزائر... سبع سنوات بعد
alaraby ALjadeed
18 minutes ago
نيفيز: شاهدت كرة سلة... طبقوا معايير التحكيم على الجميع
aawsat
22 minutes ago