Arab
لا يزال مؤتمر ميونخ للأمن الذي يُعقد منتصف فبراير/ شباط من كل سنة منذ عام 1963، المنبر السياسي الأبرز في العالم. فيه تُسمع لكبار المسؤولين السياسيين والأمنيين والاقتصاديين والعسكريين كلمات غالباً ما تكون أهم من الخطابات البروتوكولية التي تضجّ فيها قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة خريف كل عام، وأكثر دسامة من كلمات منتدى دافوس. اللمعات في نيويورك ودافوس استثناءات كاستثنائية كلمة رئيس وزراء كندا، مارك كارني، في سويسرا الشهر الماضي، بينما هي القاعدة في الجلسات الشتوية الألمانية التي عُقدت نسختها الـ62 أيام الجمعة والسبت والأحد الماضين. وتبقى كلمة فلاديمير بوتين في 10 فبراير 2007 الأشهر في سجلّ المؤتمر الألماني على الأقل في العقدين الماضيين. يومها، رسم بوتين لوحة للنظام الدولي بأحاديته الأميركية زمن جورج بوش المنتشي بالحرب على الإرهاب وبتكريس الهيمنة الأميركية الكونية. رسم اللوحة بخطاب بلا ورقة من 2700 كلمة بترجمته العربية، مع تجنّب "التهذيب الزائد وضرورة التحدث بقوالب دبلوماسية مريحة مدوّرة لكنها خاوية" على حد تعبيره، ورفض فيه بوتين، رئيس الحروب، أن يشنّ حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي أي حرب، حاصراً هذه المهمة بالأمم المتحدة، وهجا سباق التسلح وبلده أحد رموزه. لاحظ الرجل في كلامه كم ازدادت الحروب المحلية والإقليمية بسبب الأحادية الأميركية التي فاقمت بتقديره كوارث هذا الكوكب، وأن توسيع حلف شمال الأطلسي استفزاز خطير لموسكو، وشكا الوعد الكاذب الذي قُطع لروسيا بحلّ حلف شمال الأطلسي بعد موت حلف وارسو. تعهّد بوتين بقيادة روسيا سلمية فاحتلت قواته بعدها بعام واحد 20% من الأراضي الجورجية، قبل أن تصبح الحروب عبر الجيش الروسي أو مرتزقته وسرقة أراضي بلدان قريبة أو بعيدة، ماركة روسية مسجلة، في جورجيا وأوكرانيا ومولدوفا وسورية وبلدان الانقلابات الأفريقية. وعد بعدم المشاركة في عسكرة الفضاء، فصارت روسيا في عهده تنافس أميركا في تلك العسكرة. بقدر ما أصاب بوتين في توصيف العالم الأميركي عام 2007، بقدر ما أمسى جديراً أن يُقال عن روسيا البوتينية ما يقال نفسه اليوم وفي الأمس عن السياسة الخارجية الأميركية: حروب واغتصاب لسيادة بلدان مستقلة، وتبنٍّ لتوسع إمبراطوري بوصفه سياسة رسمية بمسوغات تزوّر التاريخ، وأيديولوجيا تهين العقل وتعلي الأسطورة والدين والخرافة مكان الرغبة الصادقة بالعيش في عالم أقل ظلماً.
في فبراير 2007، أي في "دورة بوتين" إن جاز التعبير، كان شعار المؤتمر "الأزمات العالمية مسؤولية عالمية"، وقد أعجب الشعار بوتين المتبرّم من أن "لا أحد يشعر بالأمان" في ظل الأحادية الأميركية، وكأنه كان يقول شيئاً من نوع "سأريكم المعنى الحقيقي لعدم الشعور بالأمان". وسيذكر التاريخ أن وزير الدفاع الأميركي آنذاك، روبرت غيتس، كان أول من فهم تهديد بوتين فعلّق على "خطاب ميونخ" بالقول إن "حرباً باردة واحدة تكفي".
دارت الأيام، وها نحن نستمع إلى كلمات ميونخ 2026. غاب بوتين وحضر أشباه كثر له في عاصمة بافاريا، منهم خصوم اكتشف هو وهم كم يمكن لأعداء أن يكونوا حلفاء مثلما هو حاصل بين بوتين ودونالد ترامب. وإن كانت نسخة 2007 من مؤتمر ميونخ "نسخة بوتين"، فإن نسخة 2026 قد توقّع باسم وزير خارجية أميركا ماركو روبيو الذي أراد تطييب خاطر الأوروبيين، الحلفاء بالاسم والأعداء بالفعل في عُرف ترامب، فجاء خطابه هلوسة أخلاقية بلا سياسة. شيء من نوع أن الولايات المتحدة "ابنة أوروبا" وصديق "يتبنّى النقد البنّاء لحلفائه"، ابنة تريد من والدتها أن تكون قوية كما أخبرنا، لأن الجماعة في واشنطن لا يحبون الضعفاء ولا المهاجرين مثلما روى الوزير الأميركي للمستمعين إليه حريصاً على حمايتهم من "المحو الحضاري" المدبّر من قبل المهاجرين. كان ينقص أن يقول روبيو إن البقاء للأقوياء والفناء للضعفاء، لتعود الحياة إلى رماد جثة هتلر المتناثرة في مياه نهر بيدريتز غير بعيد عن مكان انعقاد المؤتمر.

Related News
واشنطن وطهران على «الخط الأحمر»
aawsat
20 minutes ago
تحذير روسي من مساعٍ أوروبية «لتسليح كييف نووياً»
aawsat
25 minutes ago
لبنان يخشى تحوّله «ساحة موازية»
aawsat
32 minutes ago
الأمن يقضي على قيادي من فلول نظام الأسد
aawsat
35 minutes ago