مذكرات إبراهيم أوشْلح: المعارضة وسؤال الدولة في المغرب المعاصر
Arab
1 week ago
share
يقرأ المعارض المغربي إبراهيم أوشْلح حكومة التناوب التوافقي التي عرفها المغرب عام 1998 بوصفها "فن الإشارات والتفاوض"، لا تحولاً ديمقراطياً مكتملاً، معتبراً أنها انتهت دون أن تؤسس "قطيعة بنيوية" مع منطق الحكم القديم، كما يوضح في النسخة العربية من كتابه "التزام جيل وذكرى النضال 1964 1994.. من أجل سيادة أمة" (دار توبقال للنشر/ ترجمة نور الدين السعودي وعبد القادر الشاوي، 2025) وهو عمل سردي يجمع بين المذكرات والشهادة السياسية. ويقدّم المؤلف، وهو أحد أبرز وجوه اليسار الراديكالي المغربي، شهادة مباشرة عن تحوّلات المغرب بعد الاستقلال، من بدايات تأسيس الدولة إلى الصراع بين الحركة الوطنية والسلطة الجديدة. لذلك، فهو ليس مجرّد سيرة ذاتية بالمعنى الكلاسيكي، ولا هو عمل تاريخي بالمعايير الأكاديمية الصارمة، بل هو نصّ ذاكرة، يقدّم نفسه صراحة باعتباره شهادة ذاتية نقدية يكتبها فاعل سياسي من داخل التجربة، واعياً منذ البداية بحدود الذاكرة وبمسؤولية صاحبها، بحكم أن تجربته الذاتية ليست سوى جزء من تجربة جماعية لجيل كامل من المغاربة، عاش مرحلة التأسيس والتمزّق، الأمل والانكسار، من نهاية الاستعمار إلى ما عرف بـ"سنوات الرصاص" في المغرب. منذ الصفحات الأولى، يعلن الكاتب توجّسه من فعل الكتابة عن الذات، لكنه يبرّر هذا الاختيار باعتباره واجب ذاكرة تجاه رفاقه، وتجاه جيل لم يعد حاضراً في المجال العمومي، وتجاه شباب لم يعايشوا تلك اللحظات المؤسسة من تاريخ المغرب المعاصر. ويصرّ المؤلف على أن ما يقدّمه هو "رواية تجربة عشتها" لا "حقيقة نهائية"، وأن الكتابة لا تصدر "لا بدافع التفاخر ولا بقصد تبرئة الذات"، بل لأن "السكوت الطويل لم يعد ممكناً"، ولأن "نقل ما جرى إلى الأجيال التي لم تعشه صار واجباً أخلاقياً" (واجب الذاكرة قبل أي إغراء سردي). بهذا التحديد المنهجي، يضع المؤلف قارئه منذ البداية أمام نصّ لا يدّعي العصمة، لكنه يطالب بحقّ الشهادة. صدمة الوعي والقطيعة مع النظام يحتل قمع انتفاضة 23 مارس/ آذار 1965 موقع الصدمة المؤسسة في تشكّل وعي الكاتب، فتلك اللحظة لا تُستعاد بوصفها اضطراباً اجتماعياً، بل باعتبارها قطيعة بنيوية أنهت وهم الإصلاح من الداخل. يكتب المؤلف أن الدولة، منذ تلك اللحظة، "اختارت لغة القوة بدل لغة السياسة"، وأن الجامعة، التي كانت "فضاء للنقاش والحلم"، تحوّلت إلى "مكان صمت وحداد". ويضيف توصيفاً دالاً على الأثر الرمزي لتلك الصدمة: "لم نكن نعلم العدد الحقيقي للضحايا، لكننا كنا نعلم أن شيئاً ما قد انكسر إلى الأبد" (الكسر هنا لم يكن عددياً فقط، بل كان كسراً في الثقة وفي الأفق). من هذا المنعطف، لم يعد الخلاف مع النظام اختلافاً داخل أفق مشترك، بل "قطيعة نهائية" مع منطق الحكم. شكّل اغتيال المهدي بن بركة "تصفية أفق سياسي بكامله" يتعزّز هذا الانكسار مع اغتيال المهدي بن بركة الذي يقدّمه المؤلف بوصفه نقطة اللاعودة، فهو لا يتعامل مع الحدث بوصفه جريمة أمنية فحسب، بل باعتباره "رسالة سياسية كاملة العناصر" مفادها أن الصراع "خرج من المجال العمومي ودخل منطق التصفية في الظل". ويشدّد على أن اختطاف المعارض في قلب أوروبا أسقط "وهم الحماية الدولية"، وكرّس القناعة بأن "لا مكان بعد اليوم لمعارضة محمية بالقانون أو بالشرعية الخارجية"، وأن الحدود "لم تعد ملاذاً" (الرسالة كانت شاملة ومرعبة باختيار المكان، والزمان، والوسيلة). بهذا المعنى، لم يكن الاغتيال تصفية فرد، بل "تصفية أفق سياسي بكامله". العمل المسلح اضطراري لا اختياري ضمن هذا الانسداد المتراكم، يفسّر المؤلف الانتقال إلى العمل المسلح بوصفه خياراً اضطرارياً في الوعي الذاتي للفاعلين، لا تعبيراً عن نزعة رومانسية. كانت اللحظة مشبعة بإحساس أن "كل المنافذ أُغلقت"، وأنه "حين تُغلق السياسة أبوابها، يتحول السلاح إلى وهم خلاص". لكنه يضيف، بلهجة مراجِعة، أن هذا الوهم قام على "رهان مبالغ فيه على الشرارة"، وعلى اعتقاد بأن "الرمز قد يعوّض ميزان القوة"، وأن إسقاط نماذج ثورية خارجية على الواقع المغربي تمّ "دون قراءة كافية لشروط المجتمع وبنيته". بهذا الاعتراف، يضع المؤلف مسافة نقدية بينه وبين اختياراته السابقة. في قلب هذا المسار، تتقدّم شخصية الفقيه البصري باعتبارها العقل المنظّم للخيار الثوري. يقدّمه الكتاب شخصية مركّبة، قائداً "حادّ الذكاء"، شديد الإيمان بالعمل السري، واسع الاطلاع على تجارب التحرر العالمية، يرى المغرب "حلقة في صراع كوني" لا ساحة معزولة. كان يؤمن بأن "المعركة واحدة وإن اختلفت الجبهات"، وبأن الثورة "شبكة عالمية" لا تختزل في حزب أو وطن. غير أن هذا الاتساع الكوني، كما يلاحظ المؤلف، كان في الآن نفسه مصدر قوة ومصدر مأزق، إذ سهّل "إسقاط تجارب الآخرين على واقع مختلف الشروط"، وأضعف أحياناً دقة التقدير المحلي، والخلاصة أن اتساع الأفق لا يعوّض صرامة القراءة ودقتها. تتجلّى حدود هذا الأفق في العلاقات الإقليمية للفقيه البصري، فالعلاقة مع ليبيا تُروى بوصفها تحالف ضرورة لا ثقة، دعماً "غزيراً في الخطاب" لكنه متقلّب، مرتبط "بمزاج الزعيم أكثر مما هو قائم على استراتيجية ثابتة"، فالثورة، كما يرد نصاً، "لا تختار حلفاءها المثاليين، بل الممكنين". أما العلاقة مع العراق، خاصة عبر طارق عزيز، فكانت علاقة أكثر برودة وتخضع لحسابات، حيث تُعامَل المعارضة المغربية بوصفها "ورقة سياسية" لا "مشروعاً ثورياً ينبغي الاستثمار فيه إلى النهاية". وفي الجزائر، وجد الفقيه البصري نفسه قريباً من منفيّي الثورة، مثل البشير بومعزة، الذين تقاسم معهم إحساساً مريراً بأن "الثورة قد تنتصر ثم تُقصي أبناءها باسم الدولة". هذه المقارنات لا تُساق للتجريح، بل لتبيان الفارق بين خطاب الثورة ومنطق الدولة. تحتل الثورة الفلسطينية موقعاً مركزياً في هذا البناء الفكري، بما أنها كانت بالنسبة للفقيه البصري ورفاقه "القضية المركزية" و"مختبر الكفاح المسلح"، ونقطة التقاء للثوريين العرب. غير أن المؤلف يدرج نقداً صريحاً، معتبراً أن الإعجاب بالتجربة الفلسطينية قاد أحياناً إلى "إسقاط غير محسوب"، وأن اختلاف البنى الاجتماعية والسياسية جعل من الإلهام "مصدر سوء تقدير أكثر منه دليل عمل". الخوف أعمق من الغضب تأتي أحداث مارس/ آذار 1973 في الأطلس بوصفها لحظة الحقيقة، وهنا يصطف المؤلف إلى جانب هذه الأحداث التي سقط فيها رفاقه، رافضاً اختزالها في توصيف "المؤامرة"، لكنه يعترف، بوضوح توثيقي، بفشل تلك المحاولة المسلحة لإطلاق شرارة الثورة من الجبال. لم يكن الفشل عسكرياً فقط، بل كان "فشل قراءة المجتمع"، وهنا يعترف المؤلف: "كنا نتصور أن الشرارة ستكفي"، قبل أن نكتشف أن "الخوف كان أعمق من الغضب"، وأن المجتمع "أكثر تعقيداً مما تخيّلنا". وفي صيف ذلك العام، اتُّخذ القرار الحاسم بوقف كل نشاط عسكري، وهو قرار يقدّمه بوصفه بداية التحول الفكري العميق "مراجعة أخلاقية قبل أن تكون سياسية"، وإدراكاً متأخراً لحجم الثمن الذي دفعه أناس "لم يختاروا هذا المسار ولم يقرروا نتائجه". يرى المؤلف أن الثورة لا تختار حلفاءها المثاليين، بل الممكنين ينظر المؤلف إلى محاولتي انقلابَي 1971 و1972 باعتبارهما دليلاً على "تصدّع داخلي عميق" داخل النظام، لكنه يلاحظ أن تلك الصدمات لم تفتح أفق إصلاح، بل قادت إلى "مزيد من التحصّن والانغلاق والقمع". أما حرب الرمال سنة 1963، فيستعيدها بوصفها جرحاً وجدانياً مبكراً لجيل آمن بوحدة المصير المغاربي، قبل أن يكتشف أن "منطق الدولة الوطنية قد يسبق المبادئ والشعارات". قرار العودة إلى المغرب سنة 1994، بعد العفو العام، لا يُقدَّم بوصفه انتصاراً سياسياً، بل باعتباره "نهاية منفى طويل" و"تحرراً من ثقل الغربة أكثر مما هو مكافأة". العودة كانت محاولة "للعيش مع الذاكرة لا محوها"، والدخول في مسار تسوية تاريخية "لا تلغي الماضي بل تعترف به".  * كاتب مغربي  

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows