التحرّش... الضحيّة هي المسؤولة
Arab
1 week ago
share
يكفي أن نقرأ التعليقات وردّات الفعل على فضائح التحرّش المتكاثرة في العالم العربي، حتى نلحظ كيف أن معظمها يكتفي بتوجيه اللوم إلى الضحية: "سافرة"، "تضع الماكياج"، "ترتدي ملابس ضيّقة أو كاشفة"... إلخ. هذه ليست زلَّات لسان عابرة، إنها تعبير واضح عن بنية ذهنية كاملة، إذ تصدر عبارةُ "هي المسؤولة" عن ثقافةٍ راسخةٍ تعيد ترتيب الجريمة، محوّلةً دور المعتدي إلى دور ثانوي، والضحية إلى قفص الاتهام. في العالم العربي، كما في مجتمعاتٍ كثيرة أخرى، لا يُناقَش التحرّش بوصفه فعل اعتداء، وإنما نتيجة استفزاز أو تسيّب أو سوء تقدير من الطرف الأضعف، وهي غالباً المرأة. فملابسها سبب، وصوتها سبب، وضحكتها سبب، وخروجها سبب، وعملها سبب. وحتى وجودها برمّته قد يتحوّل سبباً من أجل حماية توازن اجتماعي يقوم على تفوّق الرجل. هنا تظهر فكرة ذكورية الفضاء العام بوصفها ركيزةً خفيّةً في تفسير الظاهرة، خصوصاً أنه ما يزال يُنظر إلى الفضاء العام، في أجزاء واسعة من العالم العربي، باعتباره امتداداً طبيعياً لوجود الرجل، بينما يُرى وجود المرأة فيه بمثابة استثناء يحتاج تبريراً، إذ إنّ مكانها "الطبيعي" هو المنزل، لا الشارع، الداخل لا الخارج. فإن خرجت، وجب عليها أن تتزيّا بعلامات واضحة صارمة تُعلن احتشامَها، لا بل "اعتذارها" بشكل مرئيّ واضح عن وجودها في غير مكانها. فعندما يُتَّفَق ضمناً على أنّ الشارع مساحةٌ "مرخّصة" للذكور فقط، يصبح التحرّش في وعي بعضهم، وهم كثر، فعل "تأديب" أو "تذكير بحصرية المكان". نعم، إن المرأة التي تمشي بحرية تتحدّى النظام الرمزي القائم، بينما يتجاوز التحرّش بها مجرّد أنه رغبة، ليصبح مبادرةَ إعادة ترسيم حدود (!). يبقى السؤال البديهي الذي يطرح نفسه: لِمَ تظلّ المساءلة الفعلية، برغم وجود قانون، ضعيفة التنفيذ، أو محفوفةً بشروطٍ تجعل الشكوى مغامرةً مؤلمة تستدعي استجواب الضحية أكثر من المعتدي، وسؤالها عن تفاصيل حياتها الخاصّة، بدل أن يُسأل المعتدي عن فعلته؟ لا بدّ من الإشارة أيضاً إلى التربية القائمة على ازدواجية أخلاقية، فيُربّى الذكر على أن رغباته طبيعية ومفهومة، وضبطها مسألة صعبة، بينما تُربّى الأنثى على أن جسدها مسؤولية أمنية يجب أن تُحسن إدارتها. إن أخطر أضرار هذه الظاهرة الآخذة في الانتشار وفي تزايد من يبرّرونها، هو تغيير علاقة المرأة بالفضاء العام، إذ يشكّل هذا الاستنزاف النفسي المستمرّ عنفاً متمدّداً ومستديماً. ولا ننسى الضرر الرمزي الأعمق الذي يجرّد الضحية من حقّها في التعبير عن غضبها أو استنكارها، ذلك أن كرامتها أمرٌ قابلٌ للأخذ والردّ. إن مجتمعاً يصرّ على أن "الضحية مسؤولة"، إنما يدرّب أفراده على قلب الحقائق. فبدل أن يناقش ثقافة إقصاء النساء من المجال العام، يناقش تفاصيل مظهرهن. وبدل أن يسأل: لماذا اعتديتَ وأهنتَ؟ يسأل: لماذا خرجتِ؟ لماذا لم تبقي في المنزل؟ ولماذا لم تتحجّبي أو تتستّري؟ هذه الآلية، بوجهيها الدفاعي والاتهامي، تحمي البنية القائمة، وإن كانت ستدفع الثمن على المدى البعيد. فالمجتمع الذي يشيطن ضحاياه، يُضعف مناعتَه الأخلاقية، ويُشرعن العنفَ بصيغه المتعدّدة. لذا يجب عدم اعتبار التحرّش خطأ فردياً معزولاً، بل نتيجة لممارسات منظومة فكرية واجتماعية ترى الفضاء العام ملكيةً شبه حصرية للرجل. صحيح أن إصلاح القوانين ضرورة، إلا أن الأهمّ هو تفكيك هذا التصوّر ودحضه من جذوره، فالشارع ليس امتيازاً ذكورياً، والعمل ليس منحة، والوجود ليس استفزازاً. حينما نقول ساخرين إن "الضحية هي المسؤولة"، فلكي نكشف عبث هذا المنطق، لأن الحقيقة البسيطة التي يتهرّب منها كثيرون، هي أن الجسد ليس دعوة، والوجود في الفضاء العام ليس تجاوزاً، والصمت ليس موافقة. أمّا التحرّش فقرار، ومن يتّخذه يتحمّل تبعاته، أخلاقياً وقانونياً واجتماعياً. أيُّ نقاش أقلُّ وضوحاً من هذا ليس تحليلاً، بل التفافٌ ومراوغةٌ، وأيُّ تردّدٍ في تسمية الأشياء بأسمائها هو مشاركة في استمرار الجرم وترويجه.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows