تحولات المشهد اليمني خلال عقد من الصراع.. من الانقلاب الحوثي إلى أزمة الدولة المفتوحة (دراسة تحليلية)
Civil
1 week ago
share

دراسة خاصة أعدها لـ”يمن ديلي نيوز”: خليل الزكري:

ملخص تنفيذي مختصر

تحلل هذه الدراسة مسار الصراع اليمني منذ الانقلاب الحوثي وحتى تحوله إلى أزمة دولة ممتدة، حيث لم تعد الحرب أداة صراع سياسي، وإنما إطارا لإدارة التفكك وإعادة توزيع النفوذ.

وتظهر أن صعود الحوثيين جاء نتيجة تداخل فراغ داخلي مع حسابات إقليمية متغيرة، أسهمت في تعطيل الانتقال السياسي وتحويل اليمن إلى ساحة صراع مفتوحة.

توضح الدراسة أن الحرب أنتجت سلطات أمر واقع واقتصاد حرب، وأفضت إلى انهيار اقتصادي وإنساني واسع، موثق بتقارير دولية تشير إلى تدهور العملة، واتساع الفقر والنزوح، وتفكك الخدمات الأساسية.

وعلى المستوى الإقليمي، انتقل اليمن من ملف نزاع محلي إلى نقطة تماس دولي، خصوصاً مع امتداد الصراع إلى البحر الأحمر والملاحة الدولية.

تعيد الدراسة تأطير فهم الصراع بعد عشر سنوات. معتبرة أن المعضلة لم تعد محصورة في الانقلاب أو الشرعية، وإنما في استدامة الحرب ومنطق إدارتها.

كما تناقش إدخال سلطة حوثية منغلقة في مسار إعادة تأسيس الدولة بوصفه مسألة توازنات وضغوط ومسارات مدارة، لا خيارا طوعيا.

تخلص الدراسة إلى أن اليمن يقف بين مسارات مفتوحة، وأمام عملية سياسية شاملة تعيد تعريف الدولة وتفكك منطق الحرب تدريجياً، مع التحذير من ترسخ صيغة الدولة المعطلة كواقع دائم إن استمر تغييب السياسة.

الحوثية.. النشأة والجذور

لم تظهر الحركة الحوثية في اليمن كظاهرة طارئة أو منفصلة عن السياق التاريخي والسياسي للبلاد، حسب ما يعتقد البعض. تشكلت الحركة الحوثية كنتاج مركب لتحولات عميقة شهدها شمال اليمن منذ ستينيات القرن الماضي، وتحديداً منذ سقوط نظام الحكم الامامي عام 1962، بفعل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وما تلاها من إعادة تشكيل قسرية لمعادلة السلطة والهوية السياسية والمذهبية، بعد أحداث 5 نوفمبر 1967، وعودة الملكيين بعدها إلى الصف الجمهوري محمولين بركب مصالحة أفرغت الجمهورية والثورة من مشروعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

قدمت الحركة نفسها في بداياتها الأولى، كإطار إحيائي ثقافي – ديني يهدف إلى إعادة الاعتبار للمذهب الزيدي في مواجهة ما كانوا يعتبرونه تمدداً سلفياً – وهابياً واسعاً، في المناطق الزيدية.

هذا التقديم لم يكن منفصلاً عن سردية المظلومية التاريخية، التي ترى الحركة – منذ أن بدأت تتبلور مطلع ثمانينيات القرن الماضي في إطار تنظيم “الشباب المؤمن” – أنها لم تغلق منذ الإطاحة بالنظام الإمامي، وأعيد إنتاجها بأشكال مختلفة داخل الجمهورية نفسها.

تحول هذا الطابع الثقافي – الدعوي، بفعل التوترات المتراكمة، إلى مسار عسكري صدامي مع الدولة، نتج عنه ما يعرف بحروب صعدة الست، التي وقعت بين 2004 و2009.

أسست تلك الحروب، التي خاضها نظام علي عبد الله صالح بتحالفات داخلية وإقليمية معقدة، لتحول نوعي في بنية الحركة الحوثية، إذ انتقلت من موقع الاحتجاج إلى منطق الثأر السياسي والعسكري، الذي زاد من حدته مقتل مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي، على يد القوات الحكومية، ما عزز البعد الرمزي والعقائدي للصراع.

كسر العزلة والانفتاح على المجال العام

شكلت ثورة 11 فبراير 2011 لحظة مفصلية في مسار الحوثيين، حيث أتاحت لهم الخروج من دائرة الحصار العسكري إلى الفضاء السياسي والاجتماعي الأوسع، والمشاركة العلنية في الاحتجاجات، باسم تنظيمات شبابية خاصة بالحوثيين، في ساحات صنعاء والحديدة وتعز وغيرها.

استفادت الحركة الحوثية من حالة التفكك التي أصابت بنية الدولة، ومن حالة الانسداد السياسي الذي أوصل نظام صالح البلاد إليها.

خلال هذه المرحلة، لم يتحرك الحوثيون بوصفهم قوة مستقلة تماما، وضبطوا إيقاع حركتهم كفاعل ضمن مشهد تتقاطع فيه مصالح محلية وإقليمية متناقضة.

استفاد الحوثيون من دعم مباشر وغير مباشر، ومن حالة غض طرف إقليمي في سياق صراع أوسع على النفوذ في اليمن، حيث جرى التعامل معهم – في بعض المراحل – كأداة موازنة في مواجهة تمدد مايطلق عليه الوهابية والاخوان.

بين الدعم الإقليمي والتحالفات البراغماتية

رأت إيران في الحوثيين فرصة لتوسيع نفوذها في شبه الجزيرة العربية، وقدمت لهم أشكالا مختلفة من الدعم السياسي والإعلامي والعسكري، منذ وقت مبكر، وإن بقي حجم هذا الدعم موضع جدل. لكن القراءة التي تحصر صعود الحوثيين في العامل الإيراني وحده فقط تبدو قاصرة؛ إذ تتجاهل عوامل داخلية وأدوارا إقليمية أخرى، خاصة في المراحل الأولى من تمدد الجماعة.

كشفت العديد من الكتابات والتحليلات، من بينها ما طرحه الصحفي البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، ديفيد هيرست في “هفتنغتون بوست” في سبتمبر 2014، عن وجود تقاطعات مصالح ظرفية بين الحوثيين وبعض دول الخليج، في إطار السعي لتحجيم نفوذ “حزب الإصلاح”.

هذه المقاربة، وإن ظلت محل نقاش، تسلط الضوء على طبيعة السياسة الإقليمية في اليمن بوصفها سياسة إدارة أزمات لا حلها، واستخدام الفاعلين المحليين كأوراق ضغط متبادلة.

الصراعات الإقليمية وإدارة الفوضى

في هذا السياق الأوسع، لا تبدو حالة عدم الاستقرار التي تعيشها العراق، والعديد من بلدان الربيع العربي نتاجاً لأزماتها الداخلية وحدها، بل نتيجة تداخل معقد بين هذه الأزمات وتدخلات إقليمية ودولية متعددة. تحولت معها هذه الدول العربية إلى ساحات مفتوحة لتنافس محاور إقليمية متباينة المصالح، في مقدمتها السعودية والإمارات وقطر وإيران وتركيا، التي انخرطت بدرجات مختلفة، إما بشكل مباشر أو عبر وكلاء محليين، في إعادة تشكيل موازين القوة داخل هذه المجتمعات.

هذا الحضور الإقليمي لم يكن معزولاً عن حسابات القوى الكبرى، التي تعاملت مع موجة التغيير بوصفها أزمة يجب احتواؤها وإدارتها، لا السماح لها بالتحول إلى مسار تغيير جذري يعيد إنتاج الدولة والمجتمع على أسس جديدة. بناء على ذلك جرى توجيه الصراعات لضبط إيقاعها بما يحفظ المصالح الاستراتيجية القائمة ويمنع تشكل نماذج سياسية قد تحدث تغييرا أوسع في بنية النظام الإقليمي المرتبط بمصالح عميقة مع الدول الكبرى.

اختلاف الأدوار وتلاقي النتائج

ضمن هذا الإطار، تباينت مواقف دول الخليج وتركيا وإيران، من الثورات الشعبية. فبينما أبدت السعودية والإمارات موقفاً متوجساً وعدائياً صريحاً تجاه أي تحول غير مضبوط قد يهدد بنية الحكم التقليدية في المنطقة، خصوصا بعد أن وصلت الحركة الاحتجاجية في 2011 إلى خاصرة الخليج، في البحرين. فيما تبنت قطر وتركيا وإيران مقاربة أكثر انخراطا في دعم بعض مسارات التغيير، انطلاقا من الاعتقاد بإمكانية إدارة هذه التحولات واحتوائها وتوجيهها بما يضمن لها دورا فاعلا في الإقليم. غير أن هذا التباين في الأدوار لم يفض إلى نتائج متناقضة بالضرورة، إذ انتهت معظم هذه المسارات إلى النتيجة ذاتها: إجهاض فرص التحول العميق، وترسيخ سردية ترى في ثورات الربيع العربي مصدر فوضى وتهديد للاستقرار.

ساهمت هذه النتيجة في إعادة إنتاج وعي جمعي سلبي تجاه فكرة التغيير نفسها، بما يبرر لاحقا سياسات “الإصلاح من أعلى” التي تتولاها الأنظمة الحاكمة وفق رؤاها الخاصة، كما هو الحال في مشاريع التحول الاقتصادي والسياسي المعلنة، ومنها الرؤية السعودية 20- 30. حيث لم تعد هذه المشاريع مجرد خطط تنموية، أكثر مما هي جزءً من مقاربة أوسع لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتقديم الاستقرار بوصفه بديلا عن المشاركة السياسية الواسعة.

الانقلاب وتحطم التوازنات

شكل تحالف الحوثيين مع الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح نقطة التحول الأخطر في مسار الأزمة اليمنية. فهذا التحالف، الذي جمع خصوم الأمس على قاعدة الانتقام من خصوم مشتركين (اللقاء المشترك، خصوصا حزب الإصلاح، علي محسن، بيت الأحمر)، قاد إلى إسقاط الترتيبات الانتقالية المنبثقة عن ثورة 2011، وضرب مخرجات الحوار الوطني، وفتح الباب أمام انقلاب شامل على الدولة ومسار شرعية التوافق السياسي.

مع سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014، وما تلى تمددهم العسكري، متجاوزين الدور الوظيفي الذي رسم لهم في الحسابات الإقليمية، وفرضوا مشروعا سلطويا مغلقا، يقوم على القوة العنيفة والإقصاء، ما أدخل اليمن في مرحلة صراع مفتوح امتد إلى محيطه الإقليمي، وأفضى إلى تدخل عسكري خارجي، الأمر الذي وسع من رقعة الحرب التي دمرت بنية الدولة والمجتمع.

من الثورة المضادة إلى الحرب المفتوحة

لا يمكن فهم الحرب في اليمن بمعزل عن سياق إقليمي أوسع شهد انهيار مسارات التحول الديمقراطي في أكثر من بلد عربي. ومثّلت اليمن، بما حملته من مشروع توافقي ودستور جديد قيد التشكيل، المنبثق عن مؤتمر الحوار الوطني، تهديدا محتملا لشبكة من النافذين المحليين، المرتبطين بمنظومات إقليمية تخشى انتقال عدوى الدولة الوطنية والتمثيل الشعبي الحقيقي.

غير أن اختزال ما جرى في “مؤامرة كبرى” يظل قراءة ناقصة، إذ يتقاطع العامل الخارجي مع مسؤوليات داخلية جسيمة، في مقدمتها سلوك الحوثيين أنفسهم، وعلي عبد الله صالح وتحالفاتهم الانتهازية، ومراكز النفوذ التقليدية، إضافة إلى فشل النخب السياسية اليمنية في حماية المسار الانتقالي وبناء جبهة وطنية صلبة، تحمي مشروع التغيير.

من سلطة انقلابية إلى فاعل إقليمي مزعزع

في الواقع، لم يعد الحوثيون مجرد سلطة أمر واقع داخل حدود اليمن. نقلهم للصراع إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب والبحر العربي، واستهدافهم للملاحة الدولية، مثل قفزة نوعية في طبيعة دورهم، وحولهم إلى فاعل إقليمي يهدد الأمن الاقتصادي العالمي.

وأكدت الردود الأمريكية والبريطانية المباشرة، أن اليمن انتقل من ملف إقليمي، إلى ساحة تماس دولي مفتوحة.

ورغم الضربات الجوية الأمريكية والبريطانية والاسرائيلية العنيفة والضغوط، أظهر الحوثيون قدرة على الصمود وإعادة التموضع، مستفيدين من التحالف مع إيران واقتصاد الحرب، ومن تفكك خصومهم (الشرعية)، وغياب أفق سياسي جامع.

بذلك ترسخت المناطق الخاضعة لهم ككيان شبه مستقل، له مؤسساته القسرية، وخطابه الأيديولوجي، وشبكات مصالحه، ما يعمق أزمة “الدولة داخل الدولة”، ويجعل استعادة المسار الوطني أكثر تعقيدا حتى اللحظة الراهنة.

التأثير الاقتصادي والإنساني للانقلاب والحرب

منذ الانقلاب الحوثي وتصاعد وتيرة الحرب، تكشفت أبعاد كارثية على المستوى الاقتصادي والإنساني، جعلت من الأزمة اليمنية واحدة من أشد الأزمات في العالم.

وذكرت الأمم المتحدة في تقريرها لعام 2025 بأن ما يقرب من 20 مليون شخص – أكثر من نصف السكان – يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

الأثر الاقتصادي:

أدى الصراع إلى انهيار شبه كامل للبنية الاقتصادية، مع تدهور قيمة الريال اليمني بنحو 90% في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليا، ما جعل السلع والخدمات الأساسية خارج متناول غالبية السكان.

وأفاد تقرير فريق خبراء مجلس الأمن الدولي (2024)، أن سياسات الحوثيين في السيطرة على موارد الاقتصاد ورفض فتح منافذ التصدير أدت إلى انخفاض إيرادات النفط بنسبة تقارب 43%.

كما أدى تأثير الحرب على التجارة البحرية إلى تعطيل خطوط الشحن الدولية، ما رفع تكاليف النقل وزاد أسعار السلع، بما انعكس سلبا على الأسعار وسبل العيش. وفقا لما ذكرته المنظمة الأمريكية (USAID).

الأثر الإنساني:

تؤكد الأمم المتحدة، في تقريرها لعام 2025، أن هناك أكثر من 4.8 مليون شخص لاجئ داخليا يعيشون في مخيمات مؤقتة وظروف بالغة الصعوبة.

كما وصلت مستويات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الخامسة إلى نسب كارثية، حيث يعاني أكثر من نصف الأطفال دون الخامسة من سوء التغذية، إلى جانب 1.4 مليون امرأة حامل ومرضع في حالات مماثلة، وفقا لمنظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة.

أما خدمات الرعاية الصحية مهددة بالانهيار، حيث تشير تقارير منظمة اكسوفام  إلى أن أقل من نصف المنشآت الصحية تعمل بشكل جزئي أو أغلقت نهائيا بسبب نقص الموارد والتمويل، ما أثر بشكل كبير على الخدمات الطبية الأساسية.

ويواجه الموظفون والناشطون في المجال الإنساني اعتقالات وتوقيفات تعسفية، خصوصا من قبل الحوثيين، ما يعيق توصيل المساعدات الأساسية.

ضحايا الحرب:

وفق الأمم المتحدة، أسفرت الحرب في اليمن عن أكثر من 150 ألف قتيل منذ بداية الصراع، مع أعداد كبيرة من الجرحى والاسرى والمفقودين. في حين تظل هذه الأرقام على الأرجح أقل من الواقع الفعلي بسبب صعوبة التوثيق في مناطق الصراع. في وقت يصل فيه أعداد ضحايا الاختطافات والاعتقالات والأسرى والاخفاء القسري إلى أرقام قياسية.

كما وثقت مشاريع إزالة الألغام، مثل المشروع السعودي “مسام”، أكثر من ألفي ضحية مدنية نتيجة الألغام والمتفجرات، من بينهم مئات من الأطفال والنساء.

وقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عدد النازحين داخليا في اليمن بنحو 4.8 مليون شخص حتى ديسمبر 2021. وتقدر المنظمة الدولية للهجرة وجود 4.5 مليون نازح حتى نهاية 2025.

الفقر والهشاشة:

قفزت معدلات الفقر في اليمن من 35% قبل الحرب إلى حوالي 95% في الوقت الراهن، مع انتشار الفقر متعدد الأبعاد في الغذاء والصحة والتعليم والمياه.

وتحدثت تقارير إعلامية وحقوفية، عن أن ملايين اليمنيين يعيشون في ظروف تهدد حياتهم اليومية، مع نقص حاد في الخدمات الأساسية، ما يزيد احتمالية انتشار الأمراض والأوبئة.

منذ السيطرة على العاصمة صنعاء في 2014، أدى انقلاب الحوثي وصالح، إلى تدمير ممنهج للاقتصاد الوطني ودفع البلاد إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. يتجلى هذا التأثير في المؤشرات الاقتصادية المنهارة والأرقام الإنسانية المروعة التي تضع اليمن في صدارة الدول المحتاجة للمساعدة.

وتجسد هذه الأرقام الصادرة عن المنظمات الدولية الرئيسية حقيقة مأساوية: الحرب في اليمن تحولت من صراع سياسي وعسكري، إلى آلة لتدمير الاقتصاد ونسف مقومات الحياة الكريمة لملايين المدنيين، وتركت آثارا عميقة ستستمر لعقود حتى بعد انتهائها.

الحوثيون بين العزلة والضغط السياسي الجديد

لم تتغير طبيعة سلطة الحوثيين الانعزالية، لكن سياقهم الإقليمي يشهد تحولا ملحوظا. وتشير معطيات متعددة إلى تراجع القدرة الإيرانية على الدعم المباشر، ما يزيد من عزلتهم النسبية.

ويضع هذا الواقع جماعة الحوثي أمام مفاضلة صعبة: إما التمسك بموقف متصلب يعمق العزلة، أو الدخول في مناورة سياسية طويلة النفس للتفاوض على موقعهم في أي تسوية قادمة.

اليمن عند عتبة إعادة التأسيس.. تحولات القوة ومسارات الدولة (2025–2026)

شهد جنوب اليمن تحولا جوهريا منذ ديسمبر 2025، حيث انتقلت فيه المعادلة من حالة الصراع المفتوح بين مشاريع متنافسة، إلى مسار إعادة ترتيب تقوده إدارة مركزية للأزمة. فبعد سنوات من كون الجنوب ساحة لصراع خفي – وإن كان معلوما بعض الشيء – بين رعاة إقليميين متعددين، جاء الانسحاب الإماراتي الرسمي من المشهد العسكري، بعد طلب الشرعية منها ذلك، وإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك معها، وتبع ذلك حل المجلس الانتقالي الجنوبي، الموالي لها ككيان مسلح، ليشكلا نهاية فعلية لمرحلة الوكالة المزدوجة.

من أبرز التحولات نقل الملف العسكري اليمني وتسليمه للتحالف العربي بقيادة السعودية، بعد إخراج الإمارات منه. حيث دعمت السعودية قوات موالية لها، (درع الوطن، قوات الطوارئ) ومكنتها من فرض السيطرة العسكرية على كامل المحافظات الجنوبية، وإخلاء العاصمة عدن من القوات العسكرية، عبر لجنة عسكرية سعودية.

كما تكفلت السعودية بدفع رواتب كافة التشكيلات والفصائل العسكرية والأمنية، من قوات العمالقة والقوات الأخرى التي كانت تابعة للمجلس الانتقالي وقوات طارق صالح في الساحل الغربي.

بموازاة ذلك، تعمل السعودية على التحضير لعقد مؤتمر حوار جنوبي شامل بسقف مفتوح، تمهيدا للحوار الشامل، الذي سيحدد وضع الجنوب في المعادلة الوطنية والإقليمية خلال المرحلة المقبلة.

في هذا السياق، لم يعد الجنوب مرشحا لأن يكون دولة منفصلة بقدر ما أصبح ساحة لإعادة تنظيم الأولويات، تحت الرعاية السعودية المرجحة في إدارة المرحلة، وهو دور يسعى إلى ضبط الفوضى الجنوبية، التي خلفتها التدخلات الإماراتية، ضمن استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب المشهد اليمني، مع إدراك حدود هذا الدور وكلفته السياسية والأمنية، وعدم قدرته على فرض حلول مكتملة من طرف واحد.

لم يعد السؤال المركزي في الجنوب يدور حول “الوحدة” أو “الانفصال” بالمعنى الكلاسيكي، وإنما تحول إلى التفاوض على صيغ المشاركة والحصص ضمن شكل الدولة بعد التوافق عليها. وفي هذا الإطار، استعيدت “القضية الجنوبية” بعد ما كانت خطاب تعبوي انفصالي إلى مسار تفاوضي سياسي وإداري معقد، سوف تدار جولاته عبر “المؤتمر الجنوبي الشامل” المزمع، الذي ترعاه الرياض.

لكن هذا التحول لا ينفي وجود تيارات جنوبية انفصالية فاعلة أو مشاعر تهميش متراكمة، مع ذلك يحدد الإطار الواقعي الذي تدار داخله اللعبة السياسية في المرحلة الراهنة: إطار إعادة بناء الدولة بصيغة لامركزية، وليس تفكيكها الكامل أو إعادة إنتاجها بصيغتها المركزية السابقة لمرحلة ما قبل الحرب.

من أزمة الدولة المفتوحة إلى تعميق التفكك

إذا كان العقد الأول من الصراع اليمني قد مثل انتقالا من الانقلاب إلى الحرب، فإن ما شهدته البلاد نهاية العام المنصرم ومطلع العام الجاري يمكن توصيفه أنه كان انتقالا أخطر: من حرب متعددة الأطراف إلى حالة تفكك عميقة، تتراجع فيها فكرة الدولة لمصلحة خرائط نفوذ متصارعة، إقليميا ودوليا.

حيث أن التحالف الذي قاد التدخل العسكري في اليمن لم يعد إطارا متماسكا، بل تحول هو نفسه إلى أحد مصادر عدم الاستقرار. فالصراع لم يعد محصورا في مواجهة الحوثيين، بل تمدد ليشمل تناقضات حادة داخل المعسكر المناهض لهم.

التصعيد غير المسبوق بين السعودية والإمارات، الذي أعقب تحركات المجلس الانتقالي شرقا في محاولة للسيطرة على حضرموت والمهرة، وبلغ حد الاستهداف الجوي المباشر لشحنات عسكرية إماراتية في ميناء المكلا، كانت مقدمة كدعم عسكري للمجلس الانتقال، كشف أن ما كان يدار سابقا كخلافات مكتومة بات اليوم صراعا علنيا على النفوذ والتموضع في الجغرافيا اليمنية.

كما أن إعلان الإمارات إنهاء وجودها العسكري في اليمن، وحل المجلس الانتقالي وإزاحة ممثليه من مجلس القيادة الرئاسي، والعمل على توحيد كافة القوات العسكرية والأمنية تحت قيادة موحدة وتشكيل حكومة جديدة، ليس مجرد تطور تكتيكي، لكنه في حقيقة الأمر، علامة على انهيار الصيغة الإقليمية التي حكمت مسار الحرب منذ 2015.

في هذا السياق، لم يعد الحديث عن “التحالف العربي” قائما بالمعنى السياسي؛ ما يدور في اللحظة الراهنة صراع محاور متنافسة تستخدم الفاعلين المحليين كأدوات تفاوض وضغط متبادل. حيث تعمل السعودية قائدة التحالف على محاولة تثبيت سردية الدولة وتعزيز دور مؤسساتها، من خلال عملية ترميم عميقة لبنية “الشرعية”، التي ظلت منهارة ومفككة طوال السنوات الماضية، بعد أن بات الخطر يداهم أمنها القومي على حدودها الجنوبية مع حضرموت. فيما تحاول الإمارات التحرك في الجنوب عبر وكلائها لمحاولة فرض المشروع التفكيكي، من بوابة استغلال القضية الجنوبية، التي لازال يحتشد تحت رايتها عشرات الألاف في عدن، بدعوات من عيدروس الزبيدي.

التحول المتسارع في مسار الأحداث على مستوى الجنوب، تجاوز الشراكة القسرية داخل الدولة المنهارة إلى محاولة فرض مشروع تفكيكي شبه مكتمل الأركان بالقوة. فتحرك المجلس الانتقالي الجنوبي شرقا للسيطرة على محافظات ذات ثقل اقتصادي ونفطي كحضرموت والمهرة، وإعلانه عقب ذلك إجراء استفتاء على استقلال ما اسماها “دولة الجنوب العربي” خلال فترة زمنية محددة، يعكس انتقاله من دور وظيفي في الصراع إلى فاعل يسعى لإعادة تعريف الكيان السياسي الجنوبي نفسه، الذي توحد طيلة نحو ثلاثين سنة تحت راية القضية الجنوبية، كقضية سياسية وطنية، تعود جذورها إلى انهيار مشروع الوحدة والنتائج الكارثية التي افرزتها حرب صيف 1994 على الجنوب، غير أن الزبيدي وقادة مجلسه المنحل حين يرفعون مشروع “دولة الجنوب العربي” تحت يافطة “القضية الجنوبية”، فهم يعودون بجذورها إلى ما قبل ثورة 14 أكتوبر، ما يجعلهم في مواجهة مع مشروع الثورة نفسها واستقلال جنوب اليمن من الاستعمار البريطاني.

هذا الانحراف في المسار لا يمكن فصله عن التحولات الإقليمية، ولا عن حالة الفراغ الذي تعيشه “الشرعية”، وهو ما يعمل في الوقت ذاته على تعميق أزمة الدولة المفتوحة، ويعيد إنتاج الانقسام اليمني، حتى على مستوى الجنوب هذه المرة بغطاء سياسي – إداري، لا مجرد أمر واقع عسكري.

هنا، يصبح الجنوب ساحة تنافس يجري فيها إختبار النماذج بدعم إقليمي مباشر، في وقت تعجز فيه النخب اليمنية عن إنتاج توافق وطني.

اليمن في 2026: سيناريوهات مفتوحة على الأسوأ

في ضوء هذا المشهد، يبدو اليمن واقفا عند مفترق بالغ الخطورة:

السيناريو الأرجح: يظل التصعيد فيه حاضرا، سواء عبر انفجار وتوسع الخلاف السعودي – الإماراتي في الجنوب، وعلى مستوى الإقليم، أو عبر تجدد المواجهة بين الحوثيين والقوى الدولية في البحر الأحمر، خصوصا بعد تلويح الحوثيين بإعادة استهداف مصالح إسرائيلية، ردا على الإعتراف بإقليم أرض الصومال.

السيناريو التفاؤلي: يقوم على إطلاق عملية سياسية شاملة تعيد تعريف الدولة على أسس جديدة، وإعادة القضية الجنوبية إلى المسار الوطني، في إطار الحوار الجنوبي – الجنوبي برعاية سعودية، لحلها ضمن التسوية الشاملة للأزمة اليمنية. فيبدو الأصعب، لا لغياب الحاجة إليه، ولكن لهشاشة القوى المحلية القادرة على فرضه.

السيناريو الأخطر: يتمثل في استمرار التفكك إلى كانتونات متجاورة: شمال حوثي مغلق، جنوب يتجه نحو الانفصال بدعم إقليمي ومفتوح لصراع طويل الأمد، ومناطق وسطى هشة تتنازعها قوى محلية متغيرة الولاءات، وصراعات منخفضة الحدة، لكنها دائمة، تدار لا لتحسم، بل لتبقى.

في هذا المعنى، لم تعد أزمة اليمن أزمة انقلاب أو حرب فحسب، لكنها تجاوزت ذلك إلى أزمة نموذج دولة فشل في التجدد، ونخب فشلت في الدفاع عن السياسة، وإقليم انزلق إلى إدارة الفوضى بدلا من معالجتها.

وهنا، تتجسد “الدولة المفتوحة” لا كحالة انتقالية، بل كخطر دائم، يهدد بأن يصبح الشكل المستقر الوحيد الممكن، ما لم يكسر هذا المسار بإرادة سياسية محلية وإقليمية، تتجاوز منطق الوكلاء والحروب المؤجلة.

كيف تغير فهمنا للصراع بعد عشر سنوات؟

بعد مرور أكثر من عقد على اللحظة التي انزلق فيها اليمن من مسار انتقالي هش إلى حرب مفتوحة، بات ممكنا إعادة قراءة البدايات بقدر أكبر من الهدوء والوضوح. فكثير من التفسيرات التي سادت في السنوات الأولى للصراع – سواء تلك التي بالغت في شيطنة طرف واحد، أو التي اختزلت ما جرى في مؤامرة خارجية مكتملة الأركان – تبدو اليوم عاجزة عن تفسير تعقيد المشهد ومآلاته.

لقد اتضح أن الحوثيين لم يكونوا مجرد أداة عابرة في صراعٍ إقليمي، كما لم يكونوا تعبيرا خالصا عن مظلومية تاريخية. فمع مرور الوقت، تحولوا إلى فاعل سلطوي كامل، يمتلك مشروعه الخاص، وأجهزته القمعية، وشبكة مصالحه العسكرية والاقتصادية (اقتصاد الحرب)، ويتصرف بوصفه سلطة لا حركة احتجاج.

وفي المقابل، تبين أن القوى الإقليمية التي تحالفت لدعم “الشرعية” أو “الاستقرار” لم تنخرط في اليمن بوصفه دولة يجب إنقاذها، بل كساحة ينبغي التحكم بمسارها ومنعها من إنتاج نموذج سياسي مستقل.

كما أظهرت السنوات اللاحقة للانقلاب أن الفشل لم يكن حتميا، لكنه أصبح كذلك بفعل تلاقي ثلاثة مسارات: عنف الحوثيين وانقلابهم على التوافق السياسي الوطني، وعجز النخب اليمنية عن بناء جبهة تاريخية تحمي الانتقال، وتدخلات إقليمية ودولية فضلت إدارة الصراع على حسمه أو إنهائه.

في هذا التلاقي، تآكلت فكرة الدولة نفسها، وتحولت الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى غاية قائمة بذاتها.

اليوم، لم يعد السؤال المركزي: من بدأ الحرب؟ بقدر ما أصبح: من يستفيد من استمرارها؟ فاستدامة الصراع يخدم سلطات الأمر الواقع، وشبكات المصالح (اقتصاديات الحرب)، وبعض الحسابات الإقليمية، فيما يدفع المجتمع اليمني الكلفة الأكبر إنسانيا واقتصاديا، ومن خلال تفكك الوعي الجمعي، وتآكل الهوية الوطنية، وانكسار الثقة بإمكانية التغيير.

إن هذا التحول في الفهم ليس وليد مراجعة لاحقة فحسب، بل يجد صداه في قراءات مبكرة التقطت جوهر المأزق لحظة تشكله. ففي خضم أحداث 2014–2015، وقبل أن تتجمد خطوط الصراع، كنا نرى أن الاندفاعة الحوثية العنيفة – رغم رعونتها السياسية وهمجيتها الميدانية – لم تكن تعبيرا عن قوة مكتملة، بقدر ما كانت استغلالا أمثل لـ”فراغ سياسي” أعقب سقوط الدولة. وقد أدت سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة والمعسكرات، ومصادرتها للمجال العام، إلى دفعها ذاتيا نحو مأزق وجودي مبكر: مأزق سلطة استولت على الدولة من دون أن تمتلك رؤية لإدارتها أو قدرة على المناورة السياسية.

واليوم، يتجلى أن هذا المأزق تضخم وترحل عبر عقد من الصراع. فما بدا كعجز عن “التقدم إلى الأمام” بعد 2015، تحول إلى استراتيجية بقاء قائمة على التكريس الذاتي للسيطرة عبر أجهزة قمعية واقتصاد حرب. إضافة إلى التصعيد الخارجي (كما في البحر الأحمر) لتحويل الأزمة الداخلية إلى ورقة تفاوضية إقليمية.

وهكذا، فإن الدعوة الواقعية التي أطلقت آنذاك لإعادة الاعتبار للعملية السياسية واعتبار الحوثي جزءً منها، تبدو اليوم أكثر إلحاحا، وإن ضمن إطار أكثر تعقيدا: لم يعد الأمر يتعلق بدمج حركة احتجاج في عملية سياسية، بل بدمج سلطة أمر واقع منغلقة في مسار شامل لإعادة تأسيس الدولة، في ظل أحادية إقليمية طاغية وتفكك مروع للنسيج الوطني.

إن إعادة النظر في مسار العقد الماضي لا تهدف إلى تبرئة طرف أو إدانة آخر، بقدر ما تسعى إلى استخلاص درس مركزي: أن تغييب السياسة، وإفراغ التحول السياسي من مضمونه الشعبي الجماهيري، وتحويل الصراعات إلى أدوات ضبط إقليمي، لا ينتج استقرارا، أكثر ما يؤجل الانفجار ويضاعف كلفته.

وفي الحالة اليمنية، يبدو هذا الدرس اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، في بلد لم يعد يحتمل مزيدا من الرهانات الخاطئة ولا مزيدا من الحروب المؤجلة.

بهذا المعنى، لا يعود إدخال الحوثيين في مسار إعادة التأسيس مسألة رغبة أو “حسن نية”، وإنما نتاج توازنات وضغوط ومسارات مدارة بعناية. فكلما تراجعت قابلية الحرب للاستدامة، وارتفعت كلفة الانغلاق سياسيا واقتصاديا، وبدأ يتشكل إطار وطني وإقليمي يحدد سقف الدور والوظيفة، يصبح الانتقال من سلطة حرب إلى سلطة مقيدة بالقانون احتمالا واقعيا، وإن ظل بطيئا وشديد التعقيد.

من هنا، ينتقل السؤال من هل يمكن إعادة تأسيس الدولة؟ إلى بأي شروط، وعلى أي إيقاع، ومن داخل أي توازن قوى؟ – وهو ما يفتح الباب أمام استشراف المسارات المحتملة للمشهد اليمني في المرحلة المقبلة.

ظهرت المقالة تحولات المشهد اليمني خلال عقد من الصراع.. من الانقلاب الحوثي إلى أزمة الدولة المفتوحة (دراسة تحليلية) أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows