Arab
بعد نحو سبع سنوات على مذبحة كرايستشيرش في نيوزيلندا التي قُتل فيها 51 شخصاً كانوا يؤدون صلاة الجمعة في 15 مارس/ آذار 2019 في مسجدي النور ولينوود بعاصمة الجزيرة الجنوبية في نيوزيلندا، تعود القضية إلى واجهة الأحداث. بدأ ذلك مع محاولة مرتكب المذبحة الأسترالي برينتون تارانت (35 عاماً)، إعادة خلط الأوراق، محاولاً إبطال اعترافه بالجرم، وهو ما يفسره معنيون بالقضية بمحاولته استغلال المنبر القضائي لإعادة تصدير قضيته وأفكاره إعلامياً. وأجّلت هيئة محكمة الاستئناف في ويلينغتون برئاسة القاضية كريستين فرينش وعضوية القاضيين سوزان توماس وديفيد كولينز، الجمعة الماضي، إصدار قرارها بعد عقد جلسات استماع على مدار خمسة أيام، للنظر في الشكاوى التي تقدم بها تارانت الذي ادعى فيها أن ظروف السجن الانفرادي القاسية منذ 16 مارس 2019 وحتى سبتمبر/ أيلول 2024 أثّرت في صحته النفسية وأجبرته على الاعتراف بالجريمة. ووفقاً لما هو منشور على الموقع الرسمي لمحكمة الاستئناف في نيوزيلندا، فإن المحكمة تصدر 90% من أحكامها خلال ثلاثة أشهر من انتهاء جلسات الاستماع. وإن فشل طلب تارانت الرامي إلى إبطال اعترافه بالجرم، فستُعاد قضيته إلى محكمة الاستئناف في جلسة لاحقة، حيث سيسعى لإعادة النظر بحكم السجن المؤبد الصادر بحقه.
السجن المؤبد لمرتكب المذبحة
يذكر أن تارانت، الذي يقضي حكماً بالسجن المؤبد من دون إمكانية الإفراج المشروط بعد إدانته بقتل 51 شخصاً ومحاولة قتل 40 آخرين وارتكاب جريمة إرهابية، قد تقدم بـ686 شكوى خلال السنوات الخمس الماضية، فدفع في البداية ببراءته في يونيو/ حزيران 2019 من 51 تهمة قتل و40 تهمة شروع في القتل وتهمة إرهاب، قبل أن يتراجع في مارس 2020 ويقرّ رسمياً بالذنب في جميع التهم. وصدر بحقه الحكم بالسجن مدى الحياة من دون إمكانية الإفراج المشروط في أغسطس/ آب 2020. ورغم أن المهلة القانونية لتقديم استئناف كانت 20 يوم عمل فقط، فإن طلبه الحالي قُدّم بعد سنوات، في إطار ما يُعرف بطلب الاستئناف "خارج المهلة".
إبراهيم عبد الحليم: لا نتحرك بدافع الانتقام بل لإرساء مبادئ العدالة
وأوضحت المستشارة في جهاز المدعي العام النيوزيلندي أندريا إيوينغ، أن أربع شكاوى فقط من أصل 686 تعلّقت بإمكانية الاستعانة بمحامٍ، مشيرة إلى أن ما يطرحه المتهم بشأن قبول إحدى شكاواه "ليس سوى إشاعة نقلها عن محاميه". من جهتها، شددت نائب المدعي العام النيوزيلندي مادلين لاراسي، على أن إقرار المتهم بالذنب يشكّل اعترافاً قانونياً قاطعاً يُسقط حقه في المحاكمة، مؤكدة أنه لم يكن يملك أي دفاع قانوني يمكن أن يغيّر نتيجة القضية، وأن الإدانة كانت مؤكدة في ضوء الأدلة "الساحقة" ضده. كذلك دعت المحكمة إلى وضع حد نهائي للقضية، مراعاةً لمئات الضحايا الذين تضرروا مباشرة، وللمجتمع المسلم في نيوزيلندا، معتبرة أن إبقاء الملف مفتوحاً يفاقم معاناتهم.
من جهته، ذكر اتحاد الجمعيات الإسلامية النيوزيلندية، في بيان عقب بدء جلسات محكمة الاستئناف، أن "أحدث مثول قضائي للإرهابي الأسترالي المسؤول عن هجمات كرايستشيرش لا يمكن قراءته بوصفه مسألة قانونية بحتة، بل يندرج ضمن نمط متكرر يلجأ إليه إرهابيون يمينيون مدانون لاستغلال الأنظمة القضائية بغرض استعادة الحضور الإعلامي وتغذية أيديولوجيتهم عبر الفضاء الرقمي. مرتكب الهجوم الذي أودى بحياة 51 مصلّياً وأصاب 40 آخرين في مسجدين، يسير على خطى منفذ مذبحة النرويج في عام 2011 (قتل 69 شخصاً في أوتويا و8 في أوسلو)، أنديرس بيرينغ بريفيك، الذي استثمر الإجراءات القضائية بعد إدانته عام 2012 في سلسلة دعاوى متكررة ركزت على ظروف احتجازه. وعلى نحو مشابه، يحاول منفذ هجوم 15 مارس توظيف النظام القانوني النيوزيلندي عبر الطعن في إقراره بالذنب بدعوى أنه حصل تحت الإكراه بسبب التعذيب، بما يمنحه نافذة جديدة للظهور وإثارة الجدل".
وأضاف الاتحاد أن "النظام القضائي في نيوزيلندا يقوم على مبادئ الشفافية وضمانات المحاكمة العادلة، غير أن هذه الضمانات قد تتحول، في مثل هذه القضايا، إلى أدوات يستغلها المدانون لإعادة تسويق أنفسهم. وبدلاً من أن تكون الطعون سبيلاً لإنصاف قانوني حقيقي، تُستخدم أحياناً لإعادة إنتاج الحضور الإعلامي واستقطاب التعاطف داخل دوائر التطرف الإلكتروني. ويحدث ذلك في وقت لا تزال فيه عائلات الضحايا تعاني آثار الصدمة". وأوضح الاتحاد أنه "إلى جانب الكلفة الإنسانية والاجتماعية، تبرز أعباء مالية كبيرة يتحملها دافعو الضرائب نتيجة الإجراءات القانونية المتكررة وتكاليف الاحتجاز المشدد، التي تفوق بكثير متوسط كلفة السجين العادي. كذلك إن خطورة هذه الدينامية لا تقتصر على الداخل النيوزيلندي؛ فقد أعقبت هجوم كرايستشيرش سلسلة اعتداءات مقلِّدة حول العالم، من بينها هجوم كنيس تشاباد في باواي (في كاليفورنيا الأميركية) عام 2019، وهجوم إل باسو (في تكساس الأميركية) في العام ذاته، وهجوم هاله في ألمانيا (في العام نفسه أيضاً)، فضلاً عن مخططات أُحبطت في مراحل مبكرة". وختم بأن "ذلك يعكس أن أي تجدد للظهور الإعلامي قد يُستثمر داخل شبكات التطرف العابر للحدود، وهو ما يستدعي مقاربة متوازنة تحافظ على نزاهة العدالة من دون أن تتيح في الوقت ذاته تحويل قاعات المحاكم إلى منصات دعائية".
وفي حديث لـ"العربي الجديد"، قالت حميمة طويان، أرملة زكريا طويان، القتيل في مذبحة كرايستشيرش، وقد حضرت جلسات محكمة الاستئناف في ويلينغتون، إن "النظام القانوني في نيوزيلندا يتيح له استغلال هذه الفرص، وهو ما يشكّل للأسف هدراً للموارد العامة. ولا أرى جدوى من منحه منبراً إضافياً عبر الخوض في تحليل أجندته، في وقت لا تزال فيه قضايا أكثر إلحاحاً تتعلق بعائلات الضحايا بحاجة إلى مزيد من الاهتمام". وتابعت طويان: "نحن على مشارف الذكرى السابعة للهجمات، والأجدر أن ينصبّ حديثنا على تكريم الشهداء ودعم العائلات الثكلى ومساندة الناجين. كذلك فإننا بحاجة إلى التركيز على ضمان أمن مجتمعنا، ومحاربة الإسلاموفوبيا من أجل الأجيال المقبلة". وقالت: "مجتمعنا يمضي قدماً في مثابرته: ثمة جمعية سكينة المجتمعية، التي أسستها سبع سيدات فقدن ذويهن في الهجوم، التي تنظم سنوياً أسبوع الوحدة في نيوزيلندا بين 15 و21 مارس لإحياء ذكرى الشهداء وتعزيز الترابط الاجتماعي إرثاً لهم". وختمت بقولها: "نحن بحاجة إلى مزيد من الدعم في هذا الاتجاه. لنتحدث عن التحركات التي يمكننا تنفيذها بكوننا أمة لدعم مثل تلك المبادرات".
بدوره، ذكر إبراهيم عبد الحليم، الإمام السابق لمسجد لينوود، الذي كان يلقي خطبة الجمعة ويؤم المصلين وقت الحادث، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الهجمات شكّلت نقطة تحول في تاريخ نيوزيلندا التي كانت تُعرف قبلها بأنها من أكثر دول العالم أماناً واستقراراً، حيث كان المجتمع المسلم يمارس شعائره بحرية وطمأنينة تامة قبل وقوع الاعتداء". واستعاد عبد الحليم، وهو قاضٍ مصري سابق، تفاصيل يوم المجزرة، موضحاً أنه لم يتمكن من إكمال الصلاة وقطعها بسبب إطلاق النار، فيما كانت زوجته في مصلى النساء القريب من المدخل، وأصيبت خلال الاعتداء. ووصف ما جرى بأنه "قتل مع سبق الإصرار والترصد"، مؤكداً أن "الهجوم كان مخططاً له بدقة". وأضاف أن "الهجوم كان وحشياً ومخططاً له مسبقاً، وكل ما يطرحه الجاني اليوم من ادعاءات حول ظروف سجنه، ما هو إلا محاولة للهروب من الحكم والعودة إلى أستراليا". وأشار عبد الحليم إلى أن زوجته "أصيبت بصدمة نفسية عنيفة عقب الهجوم أفقدتها القدرة على النطق، ومن ثم أصيبت بنسيان الذاكرة اللغوية (دايمنشيا)"، مضيفاً: "ليس هذا فقط، بل امتد الضرر ليشمل ابني الذي كان قد تزوج حديثاً آنذاك ورُزق مولوداً، حيث طلبت منه عشية الحادث أن يصلي مع الجماعة، فحضر وعلى الرغم من نجاته جسدياً، فإنه أُصيب بصدمة نفسية".
وأوضح الإمام السابق لمسجد لينوود أن لديهم فريق دفاع قانونياً قوياً، يضم محامين متطوعين يمثلون الضحايا، مؤكداً أنهم لا يتحركون "بدافع الانتقام، بل لإرساء مبادئ العدالة". ورأى أن أي "تساهل قانوني في هذا السياق قد تكون له تبعات نفسية وأمنية خطيرة، ليس فقط في نيوزيلندا، بل على نطاق أوسع"، مؤكداً أنه "على ثقة بأن المحكمة ستتخذ القرار الصائب وترفض طلب الجاني، ولكن إذا حدث عكس ذلك فإن تحركنا سيكون قانونياً وإعلامياً، وليس من خلال تظاهرات، لأن المسار الحالي قانوني بحت".
من ناحية أخرى، تواصلت "العربي الجديد" مع أحد أعضاء فريق الدفاع عن عائلات ضحايا مذبحة كرايستشيرش، الطبيب أمير بستاني (ذو أصول إيرانية)، الذي أكد أنه لا يمثل عائلات الضحايا أو أياً من الضحايا في إجراءات محكمة الاستئناف، وهو لم يطلع على كامل البيانات أو المذكرات المقدمة من الأطراف. وتابع: "لا تتوافر لدي معلومات تفصيلية بشأن الأساس الذي يستند إليه في ادعاء الاعتراف تحت ضغط، غير أنه في ضوء سلوكه السابق ومحاولاته الظاهرة للتأثير في مسار الإجراءات، فإنني أشكك في سلامة هذا الادعاء". وأضاف: "في جميع الأحوال، وبصرف النظر عن الإقرار بالذنب، فإن الأدلة المتوافرة ضده جوهرية وقاطعة، وتشمل تسجيلات كاميرا مثبتة على جسده (GoPro) وتسجيلات كاميرات المراقبة وأسلحة نارية وأدلة الحمض النووي وشهادات عدد كبير من الشهود، وغيرها من القرائن". وقال: "من وجهة نظري، لم يكن هناك خطر حقيقي بوقوع خطأ قضائي في هذه القضية، إذ لم يكن لدى المدان أي دفاع قانوني قابل للاعتداد به، وكانت الإدانة نتيجة حتمية في ضوء الأدلة القائمة".
أمير بستاني: الأدلة المتوافرة ضد المرتكب جوهرية وقاطعة
التوجّه العام في نيوزيلندا
وعن كيفية تعاطي عائلات الضحايا مع طلب الجاني، ولا سيما في ظل ما تعرضوا له من صدمات سابقة، وبعد أن اعتبروا أن الإقرار بالذنب قد وضع حداً نهائياً للقضية، أشار بستاني إلى أن "من المفهوم أن هذا الأمر يسبب ألماً بالغاً لعائلات الضحايا (أكثر من 100 عائلة بشكل مباشر)، إذ لا يرغبون في الخوض مجدداً في تفاصيل تتعلق بهذا الشخص. كذلك يسود توجه عام في نيوزيلندا إلى عدم إعادة تسليط الضوء عليه، مع التشديد على أهمية أن تصدر محكمة الاستئناف قرارها في أقرب وقت ممكن تحقيقاً للوضوح والاستقرار القانوني". وتابع بأن "تكلفة احتجاز الجاني في السجن تقدر بنحو 4500 دولار نيوزيلندي (نحو 2707 دولارات أميركية) يومياً تتحملها الخزينة العامة، وهو ما يعزز أهمية حسم المسألة قضائياً من دون إطالة غير مبررة. أما من المنظور الإنساني، فإن الاستئناف المقدم يعكس جسامة العقوبة والظروف الصعبة التي يواجهها حالياً نتيجة إدانته. ويُذكر أن هذه هي المرة الأولى في نيوزيلندا التي يُحكم فيها بالسجن مدى الحياة من دون إمكانية الإفراج المشروط، ما يجعل القضية سابقة قضائية غير معهودة في البلاد".
ورداً على سؤال عن الآثار العملية والقانونية المحتملة (بما في ذلك احتمال إعادة المحاكمة) في حال قبول المحكمة النظر في الدفع ببطلان الاعتراف، أوضح بستاني أنه ليس لديه إحاطة "بكل التفاصيل الإجرائية الدقيقة، غير أنني أرى أن حجم الأدلة المتوافرة ضده كبير ومؤثر. وحتى لو افترضنا جدلاً بطلان الاعتراف بالجرم، وهو أمر لا أرجحه، فإن قوة الأدلة القائمة كفيلة، في تقديري، بتثبيت الإدانة مجدداً أمام القضاء". وختم بقوله إن "قبول محكمة الاستئناف نظر الطعن يأتي في إطار ضمان الحياد واستكمال جميع الضمانات الإجرائية الواجبة، وليس مؤشراً على رجحان قبول الاستئناف موضوعياً. وفي ضوء الأدلة المعلنة، أرى أن القضية قامت على أساس قانوني متين، وأن إجراءات العدالة تسير بما يعزز الثقة في المنظومة القضائية النيوزيلندية".

Related News
واشنطن وطهران على «الخط الأحمر»
aawsat
20 minutes ago
تحذير روسي من مساعٍ أوروبية «لتسليح كييف نووياً»
aawsat
25 minutes ago
لبنان يخشى تحوّله «ساحة موازية»
aawsat
32 minutes ago
الأمن يقضي على قيادي من فلول نظام الأسد
aawsat
35 minutes ago