القبيلة اليمنية: من أطر التضامن التقليدي إلى ركائز الدولة الحديثة.. قراءة في تحولات الدور السياسي
Civil
1 week ago
share

يمن مونيتور/ مأرب/ خاص:

في وقت تخطو فيه اليمن خطوات جادة نحو صياغة مستقبلها وبناء دولتها الحديثة القائمة على العدالة والمساواة، تبرز القبيلة كأحد أهم المكونات الاجتماعية التي لعبت أدواراً محورية في تشكيل المشهد السياسي اليمني عبر التاريخ الحديث والمعاصر.

وفي ورقة عمل تحليلية قدمها الدكتور متعب بازياد (الباحث ونائب مدير مكتب رئيس الوزراء)، تحت رعاية “مؤسسة برّان الإعلامية” ومنصة “وتد”، سُلط الضوء على هذه الديناميكية المعقدة، مؤكداً أن حضور القبيلة في الميدان السياسي ظل محكوماً بظروف التحولات الوطنية، تارة كقوة دفع نحو الجمهورية وتارة أخرى كمنظومة حماية اجتماعية في ظل غياب الدولة.

 

فلسفة التحول: من عصبية القبيلة إلى فكرة الوطن الأوسع

يرى الدكتور بازياد في ورقته أن القبيلة اليمنية، بوصفها تنظيماً اجتماعياً يعتمد التضامن “غُنماً وغُرماً”، لم تكن يوماً مجرد مشجر للأنساب، بل هي تحالف مصالح أوجدته البيئة والاحتياجات الأمنية والمعيشية. ومع تطور الاحتياجات البشرية وضيق الموارد، بدأ التفكير يتجاوز “مضارب القبيلة” نحو أطر أوسع تضمن الأمن الجماعي، وهو ما مهد لظهور “الدولة” كجسم سياسي يحتكر العنف ويدير المجتمع باسم الإرادة الجمعية. هذا الانتقال التاريخي تطلب من زعماء القبائل التنازل عن بعض سلطاتهم المطلقة لمصلحة تنظيم أعلى يقدم منظومة ضبط اجتماعي أقوى وأكثر استدامة.

إن العلاقة بين الدولة والقبيلة في اليمن صاغتها أعراف عكست ملامح مراحل مختلفة، تجسدت في مقولات شعبية مثل “شبر مع الدولة ولا باع مع القبيلي”، مما يرسخ فكرة أن القبيلة تظل مكوناً لا يصطدم مع وظائف الدولة السيادية، بل يكملها في نطاقات التكافل المحلي. ويؤكد بازياد أن القبيلة تذوب تدريجياً في جسد الدولة كلما كانت الأخيرة قوية وقادرة على تقديم العمل والكسب كبديل عن “الغزو والنهب”، وإحلال القانون محل “الثأر الفردي”.

وفي سياق النضال الوطني، كانت القبيلة حاضرة بقوة منذ بدايات التفكير في قيام الجمهورية، حيث ساهمت في صياغة العناوين الكبرى للتخلص من الاستبداد والتحرر من الاستعمار. لقد استوعب الوطن نضال القبيلة بقدر ما تشرب مناضلوها فكرة “الدولة الضامنة” كبديل للعصبيات الضيقة، مما جعل من القبيلة شريكاً مقدراً في بناء نظام القائم على احترام الإرادة الشعبية واستقلال القرار الوطني.

د. متعب بازياد الباحث والكاتب السياسي

نموذج حضرموت: مأسسة السلم الاجتماعي وتمدد سيادة القانون

قدمت الورقة “صلح إنجرامز” عام 1937م كنموذج رائد لكيفية مساهمة القبيلة في إحلال السلام وبناء مداميك الدولة. فبعد عقود من الصراعات القبلية التي عصفت بحضرموت وجعلت الطرقات مسرحاً للخوف، تلاقت رغبة القبائل المنهكة من الثارات مع مشروع الدولة القعيطية الصاعد الذي استند إلى التعليم والتنظيم الإداري. هذا التلاقي أثمر عن توقيع أكثر من ألف زعيم قبلي على وثيقة الصلح العام، مما فتح الباب أمام حضور المؤسسات الدستورية والقضائية في مناطق كانت تحكمها الأعراف وحدها.

ولم يكن نجاح هذا النموذج ليتحقق لولا قدرة الدولة حينها على تحويل القبيلة من قوة عصبوية إلى شريك في التنمية، حيث تم دمج القضاء القبلي في القضاء الشرعي عبر “قانون محاكم القبائل”. وقد ساهم هذا التنظيم في تحويل تحويلات المهاجرين الحضارم من تمويل النزاعات إلى الاستثمار في التعليم الحديث وبناء المدارس، مما نقل المجتمع من حالة “حكومة المجتمع المحلي” القاصرة إلى رحاب “دولة المواطنة”.

ويشدد بازياد على أن التدخلات الخارجية الإيجابية، المتمثلة في رعاية المستشار الإنجليزي وتشكيل “جيش البادية الحضرمي”، وفرت ضمانات ردع للمتمردين، مما طمأن القبائل إلى جدوى الانصياع للسلم. لقد أثبتت تجربة حضرموت أن القبيلة عندما تجد “الدولة الملاذ” التي تضمن الحقوق وتحرس القانون، فإنها تتخلى طواعية عن أدوارها السيادية لمصلحة المؤسسات الرسمية.

 

مطارح مأرب 2014: القبيلة كحصن جمهوري ورافعة للعمل السياسي**

انتقالاً إلى المشهد المعاصر، تبرز “مطارح مأرب” كتحول استراتيجي في الدور السياسي للقبيلة، حيث تحولت التجمعات القبلية إلى “معسكرات جمهورية” لمواجهة مشروع الإمامة الجديد. ويوضح الدكتور بازياد أن هذا الدور لم يكن مجرد “فزعة قبلية” تقليدية، بل كان نتاج تعبئة سياسية واعية قادها رجال السياسة والأحزاب وسط القبائل، لربط الدفاع عن الأرض بالدفاع عن مسار التوافق الوطني ومخرجات الحوار الشامل.

لقد أعادت مطارح مأرب إنتاج الرموز الوطنية مثل علي ناصر القردعي وراجح بن غالب لبوزة، الذين افتدوا بدمائهم ثورتي سبتمبر وأكتوبر، حيث برز اللواء سلطان العرادة ورفاقه كأبطال جمهوريين انتظموا في كفاح وطني يتجاوز “ثأر القبيلة” إلى “زعامة الوطن”. هذا الوعي الجمهوري هو ما منع سقوط مأرب، وجعل منها “قبلة الأحرار” وما تبقى من الدولة في لحظة تاريخية فارقة.

وفي الختام، تخلص الورقة إلى أن الدور السياسي المأمول للقبيلة يظل محكوماً بمستوى التزام أبنائها بأدوات العمل السياسي المنضبط بالقانون. فالعصبية القبلية وحدها لا تكفي لتحقيق الاستقرار ما لم تنضوِ تحت سلطة الدولة التي تطبق القواعد العامة على الجميع دون تمييز. إن التحدي القائم يكمن في التمييز بين ممارسة رجال القبيلة للسياسة من داخل مؤسسات الدولة، وبين محاولات إضعاف الدولة عبر عقلية “النكف” والتمرد، مؤكدة أن الدولة ستظل المطلب والضرورة الملحة لكل أفراد المجتمع بمختلف انتماءاتهم.

The post القبيلة اليمنية: من أطر التضامن التقليدي إلى ركائز الدولة الحديثة.. قراءة في تحولات الدور السياسي appeared first on يمن مونيتور.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows