
الإشكال الثالث في رباعية "التعريف والتوصيف والتصنيف والتوظيف"، والتي خاضت فيها مقالات سابقة للكاتب في "العربي الجديد" بشأن التراث، إنما يتعلّق بعملية هي في غاية الأهمية، وقضية فنّية يترتّب عليها مواقفُ أساسية من المسألة التراثية، وتتعلّق بما يمكن تسميته "المادة التراثية"، التراث بأشكاله وامتداداته، التي بينها علاقات ورحم ونسب، وتقدّم الخدمة المتكاملة في عملية الإحياء الذاتي التي تنظر إلى التراث تلك النظرة الشاملة بكامل أوعيته ومستوياته. هذه القضية ترتبط بشكل أكيد بعمليات التصنيف ومعاييرها، وما يمكن أن تتركه من آثار سلبية في التفكير، والتدبير، والتغيير؛ والتأثير. كذلك من الأهمية بمكان، ونحن بصدد الحديث عن توجيه البحوث إلى خدمة الأمّة، أن تسترجع المعاني التي تطلق على تلك العلوم والبحث فيها، "علوم الأمة"، لارتباطها بقضاياها وتحدّياتها، و"علوم العمران"، ارتباطاً بالكونية الإنسانية واستخلافها بقاءً وارتقاءً ونماء.
لم تمنع تصنيفات المتخصّصين للتراث إدراكهم حال الفصل بين العلوم، في إطار تقسيم العمل وإسناد الأدوار
من أكثر القضايا أهميةً، وتتعلّق بالعلوم عامّة، وبالعلوم الإسلامية وتراثها الممتدّ، تأليفاً واهتماماً على وجه الخصوص، تلك القضية التي ترتبط بالتصنيف، ومن الأهمية في هذا المقام أن نؤكّد أن عملية التصنيف (باعتبارها واحدةً من العمليات المنهجية) تشكّل ضلعاً في مربّع الاهتمام، الذي يتعلّق بهذه العلوم تعريفاً، فيحدّد جامعية هذه العلوم وموضوعاتها ومناهجها، وتوصيفاً، فيعيّن مجال اهتمامها، وتصنيفاً، فيميّز بين أدوارها، وتوظيفاً، إذ يمكّن لآثارها في الوعي والسعي. هذه الرباعية كانت تشكّل وضوحاً في المدركات المعرفية لهؤلاء الذين يقومون على مؤسّسية هذه العلوم الإسلامية، وتحديد مناطق تخصّصها ومسارات التراكم فيها، وأصول الفاعلية لمقولاتها، لتحقيق الوصل الكامل والمتكامل بين العلم والعمل، وهو أمر حدا بالخطيب البغدادي (1071) إلى أن يؤلف الكتيّب المهم، الذي عنونه "باقتضاء العلم العمل". هذه المدركات المعرفية جعلت لكلّ ضلع من هذا المربّع مقامه في تصوّر العلوم وشجرة المعرفة المتكاملة، التي تؤتي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها، وباجتهاد هؤلاء الذين تخصّصوا بمساحات هذه العلوم وفضاءاتها.
ظلّ التصنيف ضمن هذه الرباعية يشكّل أفقاً معرفياً تصنّف فيه العلوم بين علوم نظرية وعملية، وبين علوم نقلية وعقلية، وبين علوم شرعية ومدنية، وبين علوم الدين وعلوم الدنيا، وبين علوم المقاصد وعلوم الوسائل، وبدت المعايير واضحةً تشكّل أفقاً معرفياً للتراكم في هذه العلوم واهتمام المتخصصين فيها، بتكثيف الجهود في تفعيل تلك الطاقات القادرة على تأصيل هذه العلوم وتفعيلها وتشغيلها. كان ذلك في الوقت الذي أدرك فيه العقل المسلم، إبّان قوته وازدهاره، وصحّته وعافيته، ليؤكّد أن معنى التصنيف لم يكن إلا تمييزاً للدراسة والبحث، ولم يكن من ناحية أخرى إلا تكثيفاً للجهد والتراكم، فتعرف أن ذلك التمييز يعني في آن واحد فصلاً ووصلاً؛ الفصل يحرّك عناصر الجهد والاجتهاد بما لا مزيد عليه، ويؤكّد المعنى الذي يتعلّق بأهل الذكر والاختصاص، بما يقدّمونه من رؤية رصينة ومكينة في علوم التخصّص والفنون المختلفة، إلا أن هذا التصنيف لم يكن بأيّ حال من الأحوال مانعاً من إدراكهم لحال الفصل بين العلوم، في إطار تقسيم العمل وإسناد الأدوار، وفي اختلاف التخصّصات وتنوّع الملكات والأهليات، بل جعلوا من هذا التصنيف مقدّمةً للوصل بين تلك العلوم جميعاً في شأن الحياة، ليجعل من كلّ بنى العلوم مرتبطةً متصلة، وكأنها تمثّل شجرةً معرفيةً وارفةَ الظلال، متفرّعة، منتجةً لثمارها في الوعي والسعي.
إلا أن العقل المسلم حينما اعتلّ وضعف، وفقد كثيراً من عوامل توهّجه، فإنه تلقّى عملية التصنيف على نحو مَرضي، خرج به من حالة تكثيف الجهد وتراكمه إلى حال تكتيف السعي، وشلّ كثير من طاقاته؛ فبينما كان التصنيف يمثّل أفقاً ممتدّاً يجمع بين الفصل والوصل، فيحقّق ذلك عملاً إيجابياً متراكماً، تحوّل تصنيفاً حابساً ضمن مستوطنات تخصّص، وبدت ثنائيات التصنيف الزوجية المتراحمة ثنائياتِ طلاقٍ متباعدةً، تفصل فصلاً تعسّفياً، ويحتدم بين هذه التصنيفات صراع متنامٍ بين علوم الدنيا وعلوم الدين، وبين التصنيفات التي سبق أن أشرنا إليها، وصارت هذه الثنائيات التصنيفية المتصارعة تشكّل ما يمكن تسميته بمستوطنات التخصّص، التي خاضت من خلالها كلّ طائفة تناجز وتدافع عن حدود علمها وتخصّصها، فلم تُحدِث فصلاً للتمييز فقط، بل أحدثت انفصالاً بائناً بين طرفي المعادلة التصنيفية، فيستعصي شأن هذه العلوم على التكامل والتكافل والتوافق والتساند. فلم يعد التصنيف حالةً معرفيةً وعمليةً منهجيةً ونشاطاً دراسياً وبحثياً يسهم في نمو العلم وارتقائه، بل فقد معانيه الوظيفيّة كلّها، مؤشّراً على خلل في الإدراك، مغفلاً كلّ العناصر التي تؤكّد معنى الجمع والنظم في التصنيف.
ضمن هذه الرؤية لمربّع العلوم، الجامع بين تعريف العلوم وتوصيف مجالها وتصنيف إمكاناتها وتوظيف طاقاتها، وجب علينا، وضمن ذلك الهدف الأكبر المتمثّل في ضرورة أن يضطلع علماء الأمّة باستئناف حال النهوض الحضاري لهذه الأمّة، ومن أهم علاماته النهضة بتلك السياقات المعرفية والعلمية... نقول، وجب علينا أن نعيد النظر في عمليات التصنيف وضروراتها وارتباطها بالواقع ومعطياته، فتكون من خلال ذلك ساقان من الدواعي يمكن أن تقام عليهما أصول النهوض الحضاري، أمّا الساق الأولى فهي تلك التي تحاول معالجة ذلك النظر السلبي للتصنيف، الذي أخرجه من حالته التكاملية القائمة على الفصل والوصل معاً لهذه المدركات والتصوّرات العليلة لعملية التصنيف، وخروجها من مساراتها الوظيفية والتوظيفية. وإذا كانت هذه الساق تشكّل مساراً يواجه تلك التضمينات السلبية كلّها، التي تتعلّق بعملية التصنيف، فإن الساق الأخرى تخطو خطوةً إيجابيةً وبنائيةً، ترى في علوم النهوض الحضاري ضرورة، ليس للوصل بين العلوم في شجرة معرفية واحدة فقط، ولكن في سياقٍ يتفاعل فيه النظر مع الواقع، والفكر مع التطبيق، والوسائل مع المقاصد، لتشكّل وحدةً تخرج بهذه العلوم من حال انفصالها إلى حال تكاملها ومقصدها البنائي الجامع لها.
تأتي الرؤية الأولية لإعادة النظر في تصنيف العلوم لتأصيل معنى الارتباط بين النظر والعمل
من هنا، كانت هذه الرؤية الأولية لإعادة النظر في تصنيف العلوم، وفقاً لقضايا أساسية تقع في عملية النهوض، وتؤصّل معنى الارتباط بين النظر والعمل، والوصل بين بنية هذه العلوم وخرائطها، بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، بين العلوم الطبيعية والتطبيقية والتقنية والمعارف الإنسانية، بين هذه العلوم وواقع الحياة وضروراته ومتطلباته. وفي هذا المقام، كان من المهم أن نشير إلى نماذجَ ثلاثة، تشكّل سياقات معرفية مهمّة، يمكن النظر إلى تصنيف العلوم وإعادة صياغتها محتوىً ومقصداً من خلالها. النموذج الأول يرتبط بتأصيل الوعي الاستخلافي في النظر إلى الإنسان طبيعةً ودوراً ورسالةً، والنموذج الثاني يعنى ببناء التكوينات الجمعية وصياغتها في سياق يشير إلى النموذج السفني، الذي يسهم بدوره في بناء الأمة وعمران الإنسانية في إطار حركة جماعية ومجتمعية وحضارية، والنموذج الثالث يؤسّس لصياغة الاستراتيجيات المتعلّقة بدائرة العلوم من منظور مقاصدي يستشرف أصول السعي والتدبير، حتى تكتمل حلقات التفاعل بين الإنسان في الحياة، وفي الكون، ضمن رؤية توحيدية استخلافية عمرانية.
التصنيف الحابس والتصنيف المختزل والتصنيف المستسهل، والتصنيف المتحيّز المرتبط بالجزئي، والتصنيف المرتبط بالتوصيف القادح، والتصنيف الجاهل والمتجاهل، الذي يتعلّق بإشكالية الاستقراء قبل التعميم... باتت هذه الممارسات التصنيفية، التي تعاني مرضاً عضالاً، تملأ ساحة التعامل والتناول للتراث، بل تحكّمت في منهج النظر السلبي للتراث، وراوح الموقف من ذلك كلّه بين نظر دوني إلى التراث، أو حالة سجالية تسيطر عليه، أو نظرة استباقية تقوم على فكرة "التراث العبء"، ومن ثمّ الحكم القاسي والمتجاهل المتعلّق بالقطيعة المعرفية مع التراث، وفي سياق شعار لا منطقي ولا حضاري يتعلّق بأهمية التراث في مكوّنات الذاكرة الحضارية، في طريق الطرح السليم والصحيح لإشكال الهُويَّة الصاعد إلى مواقع التفكير في مسائل النهوض والتغيير، وعمليات الإصلاح الراشد.

Related News

