
بلاغٌ (بيانٌ) مقتضبٌ وغريبٌ نشرته وزارةُ الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، في صفحتها في "فيسبوك"، يوم 26 من الشهر الماضي (مارس/ آذار)، وفيه: "سلّم رئيس الجمهورية قيس سعيّد لدى استقباله بعد ظهر اليوم، الثلاثاء 25 مارس 2025 بقصر قرطاج، السيد نبيل عمّار الأوراق التي تعتمده مندوباً دائماً للجمهورية التونسية لدى منظمة الأمم المتحدة بنيويورك". الغرابة متأتّاها أن رئاسة الجمهورية التونسية لم تنشر في صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي (كما جرت العادة) فيديو استقبال الرئيس سعيّد مندوبَ تونس الدائم الجديد لدى الأمم المتحدة، ولم تُخبِر عنه نشاطاً رئاسياً عادياً، والحال أن مؤسّسة الرئاسة كانت تُبلّغ بانتظام عن إشراف الرئيس على مواكب أداء القسم، وتسليم أوراق اعتماد سفراء تونس، الذين يتم تعيينهم في رأس البعثات الدبلوماسية في مختلف دول العالم، وهي بعثات تقلّ أهميةً عن بعثة تونس الدائمة لدى الأمم المتحدة، التي عُيّن في رأسها نبيل عمّار.
ويبدو أن الرئاسة التونسية لا ترغب في وصول خبر التسمية الجديدة إلى شرائحَ واسعةٍ من الرأي العام التونسي، فالمعني بها هذه المرّة، شخصية عامّة، لم يمضِ على إقالته من منصبه وزيراً للشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج سوى سبعة أشهر (7 فبراير/ شباط 2023 - 25 أغسطس/ آب 2024) ، على خلفية إخفاقه البيّن في إدارة الخارجية التونسية، وعجزه في تحقيق اختراقات دبلوماسية ومنافع سياسية (وغير سياسية) تخدم مصالح المجتمع والدولة التونسية، في ظلّ الانقسامات الحادّة والأحلاف والتكتلات والحروب والتهديدات العسكرية الحاكمة للعلاقات الدولية.
سياسة الخارجية التونسية تفتقد استراتيجية واضحة المعالم، والبديل هما الزبائنية ومحسوبية العلاقات لسد الشغورات والمناصب
نبيل عمّار، الحاصل على الماجستير في الاقتصاد والتصرّف من جامعة السوربون الفرنسية، وعلى دبلوم المدرسة الوطنية للإدارة بتونس، بحسب ما تنبئ به سيرته الذاتية، هو شخصية براغماتية مخضرمة قادرة على التأقلم والتعايش مع مختلف الأنظمة والاتجاهات التي حكمت تونس، على تناقضها وعمق الصراعات التي تشقّها.
انطلقت المسيرة المهنية لمندوب تونس الجديد، في أثناء فترة حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، في مطلع التسعينيّات، موظفاً في وزارة الخارجية التونسية، وفي وزارة التعاون الدولي والاستثمار الأجنبي. وخلال الفترة نفسها، تداول العمل في عدّة إدارات عامّة في "الخارجية". والأهم من ذلك كلّه تولّيه مهمّة سفير تونس في النمسا، وممثّلها لدى منظمة الأمم المتحدة في فيينا. بعد ذلك، تولى المنصب نفسه في روما وتمثيل تونس لدى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، وانتهى به الأمر سفيراً في أوسلو، وما يعنيه ذلك من تمثيل ومنافحة عن خيارات نظام سياسي أطاحته الثورة التونسية سنة 2011. مع قدوم حركة النهضة إلى الحكم، ومنح رفيق عبد السلام حقيبة الخارجية التونسية في حكومة الترويكا الأولى (24 ديسمبر/ كانون الأول 2011 - 13 مارس 2013)، وبموافقة من الرئيس المنصف المرزوقي، سيعيّن عمّار عام 2012 سفيراً لتونس لدى المملكة المتحدة وأيرلندا. وفي أثناء فترة حكم الرئيس الباجي قائد السبسي، واصل مهامّه في لندن حتى سنة 2017، ليلتحق بعد عودته بالإدارة العامّة للاتحاد الأوروبي في وزارة الخارجية، ومع مجيء عثمان الجرندي ليرأس الوزارة نفسها في حكومة هشام المشيشي سنة 2020، سيجد عمّار نفسه سفيراً لتونس في بلجيكا، وممثّلها لدى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، إلى حين تولّيه وزارة الخارجية من الرئيس سعيّد في 7 فبراير/ شباط 2023.
لم تكن تلك التجربة الدبلوماسية الطويلة عنوان مكتسبات تحقّقت لتونس أو لمواطنيها المقيمين في الخارج، وعددهم مئات آلاف، أثنت عليها تقارير دبلوماسية وكشفتها أعمال استقصائية اتصالية وإعلامية، وإنما تُحيل على أمجاد ذاتية لشخصية دبلوماسية، استطاعت أن تتلوّن بألوان المراحل السياسية والطيف السياسي كليهما، اللذين عرفتهما السلطة التونسية، من دون حرج أو إحساس بالانفصام. ولن ينفع تسويق ذلك التلوّن بأنه من مقتضيات ثقافة الدولة، ففي التجارب الديمقراطية، وفي دولة المؤسّسات وإنفاذ القانون، لكلّ مرحلة سياسية حزبها، أو أحزابها وقادتها ومسيّريها، ومرجعياتهم الأيديولوجية والفكرية، التي تضبط أوتارهم السياسية وتعدّلها، والوظائف الدبلوماسية تحتلّ موقعاً مركزياً في المشاريع والتجارب السياسية التي يتداول أصحابها ممارسة الحكم. وهذه المعايير لا تتوافر في مندوب تونس الجديد في نيويورك، فالرجل كان يفتخر بالانتساب إلى عائلة نافذة في زمن الرئيس الحبيب بورقيبة، وتولّى مناصبَ دبلوماسيةً مهمةً في أزمنة حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ونظيريه المنصف المرزوقي (حكومات حمّادي الجبالي وعلي العريض ومهدي جمعة) والباجي قائد السبسي (حكومتا الحبيب الصيد ويوسف الشاهد)، والقائم بأعمال الرئاسة محمّد الناصر، قبل أن يصطفيه الرئيس سعيّد وزيراً للخارجية.
عرفت فترة تولي عمّار وزارة الخارجية التوقيع على اتفاقيات سرّية وطّنت بصمت أفارقة جنوب الصحراء في المدن والقرى التونسية، ما شكّل تهديداً للأمن والسلم الاجتماعيين
وعلى خلاف وزراء آخرين، تمسّك الرئيس سعيّد ببقائهم ضمن الفريق الحكومي، منهم وزيرة العدل، وزيرة التجهيز والإسكان، وقد سمّيت أخيراً رئيسةً للحكومة، أُقيل نبيل عمّار من منصبه في رأس وزارة الخارجية بعد سنة ونصف السنة من تعيينه، فلم يشفع له تقرّبه من سعيّد وحماسته الشديدة وتبريره، دولياً ودبلوماسياً، "الانقلاب الرئاسي" ليوم 25 يوليو/ تمّوز 2021، والاستفراد بالسلطة، ووأد الحياة الديمقراطية التعددية، ومحاكمات الرأي والإعلام، والتدوين والسياسة، والمرسوم "54" المعادي للحرّيات العامّة والفردية، والزجّ بقادة أحزاب وسياسيين واعلاميين في السجون، والدفاع عن ترسانة تشريعية تحيي نموذج الدولة التسلّطية (المرسوم 117 ودستور 2022) ومؤسّسات صورية أفرزتها انتخاباتٌ فاقدةٌ للمشروعية والمشاركة الشعبية (البرلمان بغرفتيه ومجالس المحلّيات والجهات والأقاليم).
عرفت فترة تولي عمّار وزارة الخارجية كذلك التوقيع على اتفاقيات سرّية مع الحكومة الإيطالية والمفوضية الأوروبية، من نتائجها المباشرة التوطين الصامت لأفارقة جنوب الصحراء في المدن والقرى التونسية، وما بات يشكّله هذا من رفض شعبي متنامٍ، وتهديدٍ للأمن والسلم الاجتماعيين في تونس، التي تحوّلت حارساً للشواطئ الأوروبية. كما كان من إفرازات تلك الاتفاقات احتجاز المهاجرين التونسيين غير النظاميين، الذين يصلون إلى الشواطئ الإيطالية في ظروفٍ لا تليق بالآدميين، ثمّ ترحيلهم بوسائل تفتقد الشروط الدنيا للمعاملة الإنسانية.
وتبرز بصمات عمّار في مساعدته في إجهاض قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني، بتصريحه للتلفزة الوطنية، عشيّة عرض نصّ القانون على البرلمان، يوم 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، قائلاً: "وماذا يُجرّم هذا القانون، بما أنّه لا علاقات لنا مع الكيان الصهيوني؟"، وهو يعلم أن التطبيع مستشرياً في تونس على أكثر من صعيد، من أبرز تجلّياته اغتيال جهاز الموساد الصهيوني الشهيد محمّد الزواري في صفاقس عام 2016. علماً أن مشروع القانون تقدّمت به كتلة الخطّ الوطني السيادي (11 نائباً من حركة الشعب العروبية، ونائبان يساريان، ونائبان مستقلان) إلى مجلس نواب الشعب، بالتزامن مع ملحمة "طوفان الأقصى" يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وما تلاها من حرب إبادة صهيونية على غزّة وسكّانها، مستندةً إلى المساندة الشعبية الواسعة، ولأحد الشعارات المركزية للثورة التونسية "الشعب يريد تجريم التطبيع"، وتمّ سحبه من الجلسة العامّة رغم بلوغه مرحلة التصويت على الفصول وإقرار فصليه الأول والثاني.
غادر نبيل عمّار منصبه في رأس وزارة الخارجية، ورئيس اللجنة المكلّفة باسترجاع الأموال المنهوبة والمهرّبة إلى الخارج، من دون استرجاع مليم أو دينار واحد من تلك الأموال، ولم يقدّم تقريراً مفصّلاً لرئيس الجمهورية في الغرض، كما وعد في أكثر من تصريح إعلامي، تاركاً حالةً من التوتّر والامتعاض في مصالح وزارته ولدى موظّفيها، ولدى كثيرين من الدبلوماسيين، أنتجها تصريحه في البرلمان، على هامش مناقشة موازنة وزارته في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023.
جاء في ذلك التصريح، "عاشت الوزارة مع الأسف خلال الثلاث سنوات الأخيرة وضعيةً كارثيةً لم تعرفها منذ إحداثها"، مضيفاً: "ترتكز سلطة القرار والتصرّف في أيدي أربعة أشخاص يفتقدون أيّ تجربة في التسيير، ما أدّى إلى شلل شبه تام لهياكل الوزارة، وتهميشٍ لجميع الكفاءات التي تتميّز بالخبرة والتجربة، وتكريس منطق الولاءات والمحاباة والانتهازية، فضلاً عن غياب التواصل بين الإدارة المركزية والبعثات في الخارج". وهو تصريح أساء به إلى الرئيس سعيّد، قبل غيره ممّن توجّه إليهم بالاتهام، ذلك أن جميع التسميات في المناصب والوظائف العليا والسامية كانت تمرّ أثناء تلك الفترة من بوابة الرئاسة، من دون غيرها، بعد أن يمضيها الرئيس نفسه.
تبرز بصمات نبيل عمّار في مساعدته في إجهاض قانون تجريم التطبيع مع الاحتلال
لا أحد يعرف كيف اجتبى الرئيس سعيّد الدبلوماسي نبيل عمّار لتولّي وزارة الخارجية، ولماذا أقاله، والدوافع وراء تكليفه بخطّة مندوب تونس الدائم لدى الأمم المتحدة بعد الإقالة، من بين مئات الدبلوماسيين والموظّفين في وزارة الخارجية، وغيرها من مصالح حكومية ورئاسية، وكثير من السياسيين الموالين لقيس سعيّد ممّن تطلق عليهم تسمية "أبناء المسار". لكنّ المعلوم أن عمّار استطاع أن ينسج لنفسه شبكةً من العلاقات، أثناء تولّيه خطّة سفير تونس في عدّة عواصم غربية، ولدى منظّمات إقليمية ودولية، كانت كفيلةً بان تفتح له أبواباً موصدة، فنسج العلاقات مع جماعات النفوذ القريبة من رأس الدولة والتحشيد الذاتي واللوبي، وقد باتت تلك العلاقات تشكّل أفضل السبل للحصول على منصب سام في الدولة التونسية.
وفي ظلّ تدجين الإعلام الحرّ، وإبعاد الأحزاب السياسية وأطرها عن الحياة العامّة، والمسؤوليات الحكومية، والتهميش المقصود لأدوارها، وغياب جهة ذات تمثيلية شعبية وشرعية رقابية، تتمتّع بالمصداقية، تُسائِل من يقترحهم رئيس الجمهورية لتولّي مناصب سامية ووظائف حكومية ودبلوماسية عن ماضيهم، وما تولّوه من مناصبَ، وما صاحبها من نجاحات وإخفاقات، ويعرضون على تلك الجهة مشاريعهم وبرامجهم المستقبلية، كما هو متعارف عليه في التجارب المقارنة، وبما أن السياسة الخارجية التونسية تفتقر إلى استراتيجيةٍ وأهدافٍ واضحةِ المعالم، ما يستوجب الملاءمة بينها وبين تولّي المسؤوليات السياسية الحكومية والدبلوماسية والإدارية، فإن الزبائنية ومحسوبية العلاقات ستكون هي البديل، خدمةً لما هو سائد من سياسة سدّ الشغورات وغنيمة المناصب والتسميات، وما توفّره من إكراميات مادّية، وجاه، ومكانة رمزية للأشخاص، على حساب استقرار الدولة التونسية وتقدّمها ونهوضها.

Related News

