ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
المصدر: ذا اتلانتك (نانسي أ. يوسف وفيفيان سلامة)
في أواخر الشهر الماضي، لجأ الرئيس ترامب إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتوجيه تهديد صريح لحكام إيران: الجلوس إلى طاولة المفاوضات والموافقة على “منع الأسلحة النووية”، أو المخاطرة بمواجهة ذات الرد السريع والعنيف الذي أطاح بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من كاراكاس في منتصف الليل، حيث قال: “الوقت ينفد، إنه جوهر المسألة حقاً!”.
وبعد مرور أسبوعين، لم يعد الأمر مستعجلاً فجأة؛ إذ صرح ترامب للصحفيين يوم الجمعة بأنه “لا يوجد تسرع” للتوصل إلى اتفاق. وعادة ما تأتي التهديدات بالحرب بعد فشل المحادثات، وليس قبل بدئها، لكن هذه المرة يبدو أن الولايات المتحدة وإيران قد أعادتا ضبط الساعة في اللحظة التي بلغت فيها الإدارة ذروة عدائيتها. فما الذي حدث؟
كانت إدارة ترامب تدرس خياراتها العسكرية، التي تراوحت بين استهداف القادة وضرب البرنامج النووي الإيراني. إلا أن مسؤولين أمريكيين كشفا لنا أن الإدارة اكتشفت أن الولايات المتحدة لا يمكنها شن هجوم واسع بالسرعة التي كانت تأملها دون مخاطر حقيقية على القوات الأمريكية، ودون ضمان دعم الحلفاء والاستقرار الإقليمي. وعلى الرغم من تفاخر ترامب بـ “أسطول ضخم” ينطلق نحو إيران، إلا أن المسؤولين أكدا أن الولايات المتحدة لا تملك ما يكفي من السفن والطائرات في المنطقة لشن ضربات تستمر لأسابيع. كما تفتقر العملية إلى أهداف واضحة؛ إذ لم يحدد البيت الأبيض بعد للقادة العسكريين الأهداف التي يرغب في تحقيقها من خلال الضربات، مما يشير إلى أن استخدام القوة ليس وشيكاً.
بدلاً من ذلك، أجرت الولايات المتحدة محادثات مباشرة مع إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع للمرة الأولى منذ العام الماضي. وكان الأدميرال براد كوبر، القائد الأعلى للقيادة المركزية المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط، من بين المسؤولين الأمريكيين الحاضرين في المفاوضات التي جرت في عُمان. وذكر متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن المناقشات سمحت لبلاده بقياس مدى اهتمام واشنطن بالتوصل إلى اتفاق. وفي حين أعربت إدارة ترامب علناً عن تفاؤلها، قال لنا أحد المسؤولين المشاركين إن الولايات المتحدة أنهت المحادثات وهي تتساءل عما إذا كانت إيران “جادة في المفاوضات أم أنها تتبع هذا المسار ببساطة لكسب المزيد من الوقت”.
وإلى جانب وقف العمل العسكري، تسعى إيران للحصول على تخفيف من العقوبات الاقتصادية، ولكن دون فرض قيود على ميليشياتها الإقليمية ودون التخلي عن حقها في تخصيب اليورانيوم أو ترسانتها من الصواريخ الباليستية. وفي المقابل، يريد ترامب القضاء على أي إمكانية مستقبلية لمنشأة نووية إيرانية قال إنها “مُحيت” خلال ضربات يونيو، لكنها لا تزال قابلة للإحياء.
أما المجهول الأكبر الذي يخيم على المحادثات فهو مدى صبر الرئيس على التفاوض قبل التحول إلى الضربات؛ إذ صرح ترامب يوم الثلاثاء بأن الولايات المتحدة “سيتعين عليها القيام بشيء قاصٍ للغاية” إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريباً.
بدأت تهديدات ترامب الأخيرة ضد إيران الشهر الماضي، تزامناً مع ذروة الاحتجاجات داخل البلاد، حيث بدا أن النظام قد يسقط وأن الضربات العسكرية الأمريكية قد تنهي أمره. ومنذ ذلك الحين، قمعت الحكومة الإيرانية المتظاهرين، وقتلت الآلاف واعتقلت شخصيات سياسية دعت إلى الإصلاحات. وتعيش البلاد أضعف حالاتها منذ عقود؛ فاقتصادها في حالة انهيار، ووكلائها -خاصة في غزة ولبنان وسوريا- مستنزفون، مما يجعل بسط نفوذها عبر المنطقة أكثر صعوبة.
لكن مجرد كون النظام هشاً سياسياً لا يعني أنه ضعيف عسكرياً. فقد صرح مسؤولون في الدفاع لنا بأن توجيه ضربة ضد إيران سيكون عملية شاقة ومعقدة للجيش الأمريكي. كما أن الوحشية التي قمعت بها الحكومة الإيرانية الاحتجاجات تشير إلى أنها ليست في خطر وشيك بالسقوط، ولم ينشق الجهاز الأمني للبلاد (ولا سيما الحرس الثوري الإسلامي) أو يتصدع خلال الانتفاضات. وتمتلك إيران صواريخ باليستية بعيدة المدى يمكنها الوصول إلى كل ركن في الشرق الأوسط، ومئات من صواريخ كروز والطائرات المسيرة التي يمكنها بسهولة ضرب دول الخليج. ولا تزال هذه الأصول تعمل بعد قصف الولايات المتحدة لموقع “فوردو” النووي وإلحاق إسرائيل أضراراً بالدفاعات الجوية خلال الصيف.
وذكر أحد المسؤولين أن أي عملية تهدف إلى تغيير النظام أو إضعاف البرنامج النووي الإيراني ستكون “شديدة التعقيد بسبب قدرات إيران”، مشيراً إلى أن طهران سترد، وربما تضرب القوات الأمريكية والحلفاء.
كما سيكون من الصعب استدامة هذه العملية؛ فـ “الأسطول” الذي قال ترامب إنه يتحرك “بقوة وحماس وعزيمة كبيرة” غير كافٍ لشن هجوم كبير يستمر لأسابيع، كما يفتقر إلى الدفاعات الجوية اللازمة. وتمتلك الولايات المتحدة أصولاً عسكرية كافية في المنطقة للقيام بمهمة ضيقة النطاق تستغرق عدة أيام، كأن تشمل ضربات مستهدفة لقادة إيرانيين رئيسيين أو أصول عسكرية. وقد أحال البنتاغون الأسئلة المتعلقة بالحاجة إلى المزيد من القوة العسكرية في المنطقة إلى البيت الأبيض، الذي كرر وجهة نظر ترامب بأن على النظام الإيراني التخلي عن برنامجه النووي و”إبرام صفقة”.
انطلقت الضربات الأمريكية ضد إيران خلال الصيف -وهي عملية محدودة أكثر مما يلوح به ترامب الآن- من حاملتي طائرات في المنطقة. أما الهجوم الأكبر فسيطلب حاملتين على الأقل لجلب ما يكفي من الطائرات لضرب منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية المتعددة، (بينما لا توجد حالياً سوى مجموعة حاملة طائرات واحدة، وهي “يو إس إس أبراهام لينكولن”، في المنطقة). ويوم الثلاثاء، صرح ترامب لموقع “أكسيوس” بأنه يفكر في نشر حاملة ثانية، وهو أمر يتطلب من طواقم الحاملات الحالية تقليص فترة استعدادهم أو راحتهم، كما أن وصول الحاملة “يو إس إس جورج إتش دبليو بوش” -وهي التالية في الدور- سيستغرق أسبوعين على الأقل.
ويرى مسؤولون دفاعيون أنه إذا كان هدف إيران النهائي هو الحفاظ على نظامها، فسيتعين عليها تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي ووكلائها الإقليميين. وقد التقى ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لأكثر من ساعتين يوم أمس، وكان نتنياهو واضحاً في قلقه من أن أي مفاوضات ستمنح إيران حرية تصرف أكبر من اللازم. وكتب ترامب على منصة “تروث سوشيال” بعد اللقاء: “لم يتم التوصل إلى شيء نهائي سوى إصراري على استمرار المفاوضات مع إيران لمعرفة ما إذا كان من الممكن إتمام صفقة أم لا”.
ومن المرجح أن تدعم إسرائيل الولايات المتحدة في استهداف إيران، لكن بقية المنطقة تتوق لتجنب الأعمال العدائية. ووفقاً لمسؤولين عرب وأمريكيين، أبلغ مسؤولون من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الإدارة الأمريكية بأنهم لا يريدون التورط في صراع إقليمي ولن يدعموه. وتعتبر الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية -تحديداً الكويت وقطر والبحرين- عرضة للخطر بشكل خاص لأن إيران حذرت من أنها قد ترد على تلك القواعد. كما أن أي عمل عسكري قد يؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو نقطة عبور لنحو 20% من صادرات النفط العالمية. وتخشى بعض الدول من أن العمل العسكري قد يزعزع ثقة المستثمرين في منطقة تعتمد بشكل كبير على الاستثمار الأجنبي المباشر. كما يخشى حلفاء الخليج من نتائج كارثية، مثل التعرض للإشعاع الناتج عن ضرب المنشآت النووية أو الهجمات السيبرانية على البنية التحتية الحيوية. وفي الوقت نفسه، تبدو المعارضة الإيرانية غير منظمة وتفتقر إلى رؤية مشتركة لمستقبل البلاد تتجاوز الرغبة في التخلص من رجال الدين.
ومن دون دعم إقليمي، تخاطر الولايات المتحدة بالدخول في حرب دون تحالف يعزز قوتها العسكرية. لكن هناك أيضاً مخاطرة في استمرار التأجيل؛ إذ قال “ولي نصر”، أستاذ الشؤون الدولية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز، إن ترامب، بوضعه العمل العسكري على الطاولة ثم عدم تنفيذه، “قام بدلاً من ذلك بتنبيه إيران لحرب محتملة ومنحها الوقت للاستعداد”. فكل يوم تقضيه القوات الأمريكية في المنطقة دون تحرك، يمنح إيران فرصة أكبر للتأهب.
The post لماذا لم تهاجم الولايات المتحدة إيران بعد؟ مجلة “ذا اتلانتك” تجيب appeared first on يمن مونيتور.
Related News