Arab
لم تكن إسلام أباد تعتقد يوماً أن موقف كابول سيكون بهذا الحزم ضدها في آخر تطورات الأزمة بين باكستان وأفغانستان وتردي العلاقات بينهما، إذ إن جميع المحاولات التي بذلتها حتى الآن لإعادة المياه إلى مجاريها، بعد التوتر الذي أعقب القصف الجوي الباكستاني على كابول وعلى الجنوب الأفغاني في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تؤتِ ثمارها. ويبدو أن صنّاع القرار في باكستان كانوا يعتقدون أن كل خطوة يتخذونها ستؤدي إلى خضوع حكومة طالبان وقبول مطالبهم، بدءاً من القصف على العاصمة والمناطق الجنوبية، مروراً بإغلاق الحدود ومنع كل أنواع التجارة، وصولاً إلى ترحيل اللاجئين بطريقة قاسية للغاية. غير أن حكومة طالبان بدت أكثر صرامة، معلنة رفضها الخضوع لكل تلك الضغوط.
وتستند إسلام أباد إلى تقرير لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن رقم 1267، الذي "دعم بقوة"، موقفها القائم منذ فترة طويلة بأن "الجماعات الإرهابية، لا سيما حركة طالبان باكستان لا تزال تعمل انطلاقاً من الأراضي الأفغانية بمساحة عملياتية ودعم لها". وخلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، أمس الجمعة، أن التقرير الأممي الصادر في الرابع من فبراير/شباط الحالي، يؤكد رواية باكستان بشأن عودة ظهور حركة طالبان باكستان، في أعقاب سيطرة الحكومة الأفغانية المؤقتة على السلطة في عام 2021، حسب صحيفة إكسبرس تريبيون الباكستانية. وأضاف "لقد أطلعنا على التقرير ودرسناه. ونعتقد أنه يدعم بشكل كبير رواية باكستان بشأن حركة طالبان باكستان وأفغانستان". وأشار أندرابي إلى أن التقرير يسلط الضوء على استمرار وجود حركة طالبان باكستان وتنظيم القاعدة في أفغانستان ويشير إلى ما يصفه بأنها "بيئة متساهلة لمجموعة من الجماعات الإرهابية، لا سيما حركة طالبان باكستان".
عثمان رانا: ما دامت كابول لم تقض على طالبان الباكستانية فلا يمكن تحسن الأوضاع بين الدولتين
أزمة باكستان وأفغانستان
وفي محاولة لرأب الصدع بين باكستان وأفغانستان وتهدئة الأوضاع بينهما، وجّه العالم الديني الباكستاني قاري عبد الله نورزاي رسالة، في نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، إلى زعيم طالبان الملا هيبت الله أخوند، طالباً منه الموافقة على لقائه ومع وفد مرافق لمناقشة الأزمة القائمة بين باكستان وأفغانستان ولإتاحة الفرصة للوساطة. كما طلب نورزاي أن يقوم بعقد مؤتمر لعلماء الدين في مدينة كويتا الباكستانية يشارك فيه قياديو طالبان وعلماء الدين من باكستان وأفغانستان بهدف إيجاد حل للصراع بين البلدين. بيد أن تلك الرسالة، بحسب مصدر مقرب من زعيم طالبان الأفغانية، قوبلت بردّ محدد. وكان جواب حكومة طالبان في نقطتين: "أفغانستان ترحب بكم وتستضيفكم في كل وقت، ولكن أمير المؤمنين (لقب أخوند) يعتذر عن عدم اللقاء"، رافضة أي نوع من التعاون مع أي مؤتمر يعقد في باكستان. بعد فشل هذه المحاولة زار زعيم الجماعة الإسلامية السابق، سراج الحق، وهو عضو مجلس الشيوخ سابقاً أيضاً، كابول في الرابع من شهر فبراير الحالي ومكث هناك ثلاثة أيام، أجرى خلالها لقاءات مع المسؤولين في حكومة طالبان، محاولاً إقناعهم بالحديث مباشرة مع باكستان من أجل حلحلة الأزمة، ولكن حكومة طالبان أصرت على موقفها القديم وهو أن طالبان الباكستانية شأن داخلي باكستاني ولا يمكن لها أن تتعاون في هذا الصدد، أما المنافذ الحدودية فلن تفتح إلا بضمانات دولية، تضمن عدم خضوع تلك المنافذ للعلاقات السياسية بين الدولتين. وبهذا لم تفضِ زيارة سراج الحق إلى أي اختراق.
من جهته، أوضح الإعلامي الباكستاني عثمان رانا لـ"العربي الجديد"، إن سراج الحق شخصية وازنة معروفة لدى الأفغان، كونه كان زعيم الجماعة الإسلامية ومن أبناء البشتون، بالتالي هو حاول أن يؤدي دوراً. وأضاف: لا ندري إن كان قد ذهب بتكليف من الحكومة الباكستانية أم بإرادته، ولكن أقول ما دامت حكومة طالبان لا تقوم بالقضاء على طالبان الباكستانية لا يمكن تحسن الأوضاع بين الدولتين، وكل المحاولات ستذهب سدى. وبرأيه فإنه لا توجد إرادة لدى حكومة طالبان لأن تسمع شكاوى باكستان، مشيراً إلى أن أمام باكستان تحديات كبيرة في ما يخص العلاقات مع أفغانستان، منها طالبان الباكستانية ووجودها في أفغانستان، وعلاقات كابول مع نيودلهي، لا سيما أن الأخيرة قد تستخدم علاقاتها مع أفغانستان ضد باكستان على حد اعتباره. وأضاف رانا أن هناك تحديات على الحدود أيضاً، بالتالي أصبحت العلاقات بين باكستان وأفغانستان أكثر تعقيداً بسبب التطورات الأخيرة، لذا جهود الوساطة لن تكون مجدية بهذه البساطة.
وبعد زيارة سراج الحق تغيرت النبرة الباكستانية، بعد أن لوحظ فيها شيء من المرونة في الأيام الأخيرة. وكان الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري قد أكد لأول مرة أن أفغانستان خطر على المنطقة بأسرها، وأن الأوضاع السائدة في أفغانستان الآن تماماً كما كانت في عام 2001، حيث جُمعت الأحزاب الجهادية المسلحة هناك، ونجم عنها أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 (حين هاجم تنظيم القاعدة الولايات المتحدة). من هنا ثمة خشية من أن تكون أفغانستان خطراً لأمن المنطقة والعالم مرة أخرى. كما طلب، في بيان صحافي في التاسع من الشهر الحالي، من العالم أن يساعد بلاده. وفي 11 فبراير الحالي، أعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف أمام البرلمان أن دماء رجال الأمن وضباط الجيش لن تذهب سدى، وأن الدم مقابل الدم، مشدداً على أن أفغانستان تقف وراء كل أعمال العنف التي تحدث في باكستان، موضحاً أن أفغانستان تستخدم طالبان الباكستانية والجماعات المسلحة؛ لأنها لا تستطيع أن تواجه باكستان وجهاً لوجه. وأكد أنه من هنا تستخدم أفغانستان عملاءها للنيل من أمن باكستان، ولكن أقول إنه لن نجلس هكذا، كل الخيارات على الطاولة، وسنقوم خلال أيام وقبل شهر رمضان (منتصف الأسبوع المقبل) بعمليات مسلحة من أجل القضاء على المسلحين الذين يعبثون بأمن بلادنا، مؤكداً أن باكستان لا خيار لها سوى ذلك. مع العلم أنه تحدث حول الموضوع نفسه أمام البرلمان أيضاً في الثامن من فبراير الحالي.
ورداً على تلك التصريحات، قال نائب رئيس الوزراء الأفغاني في الشؤون الاقتصادية الملا عبد الغني برادر، في تصريح له في 11 فبراير الحالي، إن أفغانستان ليست قطعة حلوى كي يبتلعها من يريد ذلك، بل هي شجرة الزقوم (تُوصف بأنها الشجرة الملعونة في القرآن) للأعداء، لا يمكنهم هضمها ولا أكلها، محذراً كل من تسول له نفسه أن يعتدي على أفغانستان من مغبة ذلك.
بدوره، قال نائب رئيس الوزراء في الشؤون الإدارية المولوي عبد السلام حنفي، في خطاب أمام مسؤولين في الحكومة في كابول، في 12 فبراير الحالي، إن الحرب ليست في صالح أي بلد. على الجميع أن يتجنب الحرب والابتعاد عنها، مشدداً على أن بلاده لن تساوم أبداً في الحفاظ على أراضيها وسيادتها الوطنية، وليعرف الجميع أننا نريد التعايش مع كل الدول على أساس حسن الجوار، والاحترام المتبادل، ولكن عليها أن لا تختبر صبرنا.
أنور عباس: لا خيار أمام القوات المسلحة الباكستانية سوى الخيار العسكري
في السياق، قال المحلل السياسي الباكستاني أنور عباس لـ"العربي الجديد"، إنه بعد الهجومين الكبيرين اللذين هزا الساحة الباكستانية: الهجوم على مسجد للشيعة في إسلام آباد في السادس من فبراير الحالي، والهجوم الكبير على بلوشستان في 31 يناير/كانون الثاني الماضي، لا يوجد خيار أمام القوات المسلحة الباكستانية سوى التفكير في البديل وهو الخيار العسكري؛ لأن المفاوضات بين باكستان وأفغانستان مستمرة منذ عامين. وفي الأشهر الأخيرة بذلت الدول الصديقة أيضاً جهودها ولكن بلا جدوى؛ ذلك لأن حكومة طالبان لا تغير موقفها. في الظاهر هي تقول إن أرض أفغانستان لن تُستخدم ضد باكستان، ولكن في الحقيقة كل التنظيمات المسلحة موجودة هناك وهي تخطط للنيل من أمن باكستان.
تحذير من الصراع بين باكستان وأفغانستان
وبالتزامن مع كل تلك الحدة في المواقف ثمة أصوات صدرت من الداخل الباكستاني، حذّرت صناع القرار في باكستان من مغبة الخوض في صراع مسلح مع أفغانستان. وذهبت بعض الشخصيات المهمة إلى التشكيك بمصداقية الموقف الباكستاني. في هذا الشأن، قال الزعيم الديني المولوي فضل الرحمن في خطاب أمام اجتماع لعلماء الدين وطلاب المدارس الدينية في مدينة ديره إسماعيل خان، في 10 فبراير الحالي، إن الموقف الباكستاني يثير الكثير من التساؤلات، إذ كيف يمكن للمسلحين أن يعبروا الحدود بين باكستان وأفغانستان (كما يعتقد الجيش الباكستاني)، في حين لا يمكن نقل حبة من الرمان ولا صندوق من الطماطم، ولا أي بضاعة صغيرة عبر الحدود، بسبب السياج ووجود قوات الأمن بشكل مكثف جداً. لذا كيف يمكن لهذا العدد من المسلحين أن يعبروا الحدود؟ هذا ادعاء يثير تساؤلات.
كذلك، دارت مشادات كلامية بين وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف وبين الزعيم القومي البشتوني محمود خان أجكزاي وهو زعيم المعارضة في البرلمان، خلال جلسة البرلمان في 11 فبراير الحالي، بعد أن وصف أجكزاي سياسات باكستان حيال أفغانستان بأنها فاشلة، وأن "صناع القرار في باكستان يسعون لأن تكون أفغانستان عدوة لبلادنا، مع الأسف".

Related News
تحطم «إف 16» تركية ومقتل الطيار
aawsat
13 minutes ago
واشنطن وطهران على «الخط الأحمر»
aawsat
33 minutes ago
تحذير روسي من مساعٍ أوروبية «لتسليح كييف نووياً»
aawsat
38 minutes ago