وانغ بينغ لـ"العربي الجديد": لست مؤرخاً ولا سياسياً ولا شاهداً
Arab
1 week ago
share
تتغذّى أفلام المخرج الصيني وانغ بينغ من تعمّق متفرّد في الرأسمالية، على الطريقة الصينية، ومن وصف دقيق لأحوال المجتمع الصيني المعاصر، عبر حالات تتقاطع فيها مصائر وأحلام وصداقات وعداوات. سواء استقرت عدسته في ورشة صغيرة لصنع الملابس، أو في أحياء صناعية ستُدمَّر بعد حين، أو في مناطق عُمّالية، تجاور مدناً كبرى يقصدها أهل القرى للعمل، لا يتردّد وانغ بينغ (1967) عن تمضية سنوات فيها، لتصوير أفلام وثائقية طويلة، تبلغ مدة بعضها تسع ساعات. في "غرب السكة الحديدية" (2002)، صوَّر وانغ بينغ قرية على حدود بكين، دُمّرت قبل افتتاح الألعاب الأولمبية عام 2008. وثائقيٌّ بخمس ساعات، قُسِّم لاحقاً إلى ثلاثة أجزاء. في ثلاثيته (2024)، الأشهر عالمياً والأحدث، "شباب: الربيع" و"شباب: الآلام" و"شباب: العودة إلى الديار"، يتابع في خمس سنوات شباباً وشابات في رحلتهم مع الحياة، والعمل في مصنع نسيج صغير، مانحاً، في عشر ساعات و11 دقيقة، صورة متكاملة عن ظروف عيش وشغل عمّال هذه الصناعة، المنتشرة في الصين: مراكز تصنيع ملابس مُصدّرة إلى الغرب. لم تُصنع شهرة بينغ، المتفرّد في تاريخ السينما الصينية المستقلة، بفضل أفلامه الوثائقية فقط، إذ أنجز أفلاماً روائية، كـ"فينغمينغ: سيرة امرأة صينية" (2007)، عن قمع السلطة، وامرأة تبحث عن زوجها المقتول في حملة ضد اليمين إبان الثورة الثقافية، و"الحفرة" (2012، روائي ـ وثائقي)، عن معسكرات إعادة التأهيل في نهاية الخمسينيات الماضية في صحراء غوبي، حيث تصل درجة الحرارة إلى 30 تحت الصفر، وعن الناجين منها. في أفلامه، يهتمّ وانغ بينغ بفئات محددة من المجتمع الصيني المعاصر، كالأطفال الذين عليهم العيش بمفردهم في الريف، بعيداً عن آباء يعملون في المدن الكبرى، والعائلات القروية ذات الفقر المدقع في القرى (رجل بلا اسم، 2009)، والشباب الآتين من الريف البائس للعمل في المدن الصغرى والكبرى (الأخوات الثلاث، 2012)، ومرضى المستشفيات النفسية (حتى يفرّقنا الجنون، 2013). في الدورة الـ32 (27 يناير/كانون الثاني ـ 3 فبراير/شباط 2026) لمهرجان فزول السينمائي الدولي لسينمات آسيا في فرنسا، ترأس وانغ بينغ لجنة التحكيم الدولية، وكُرِّم بمنحه الدراجة الذهبية عن نتاجه كلّه، فكانت هذه المقابلة معه. تمثّل أفلامك المجتمع الصيني المعاصر، عبر حالات دقيقة وحساسة نسبياً، بعضها من المحرّمات. كيف تختار المواضيع والأمكنة؟ فيلمك الأخير الأشهر "شباب" مثالاً. الصين حالياً دولة تتطوّر بسرعة، ما يجعل اقتصادها وأحوالها غير مستقرّة نسبياً، وفي تغيير مستمر. بالنسبة إلى الصينيين، هناك تفاوت صارخ بين الأغنياء والفقراء. كثيرون يعملون في الدوائر الحكومية، وآخرون أعدادهم كبيرة جداً، مهاجرون داخليون، قادمون من مناطق أقلّ نمواً في جنوب شرق الصين إلى مدنٍ مثل شنغهاي، للعمل في قطاعات مختلفة. هناك من يعمل في الإلكترونيات والمنسوجات والبناء، وغيرها. لذا، اخترتُ مكاناً يُساهم فيه عمّال عاديون في الاقتصاد الصيني. هذا الفيلم عن الشباب. كان بإمكاني تصويره في مدن صينية عدّة، لكني اخترت زيلهي، القريبة من شنغهاي، لأنها صغيرة، ذات كثافة سكانية عالية، إذ يبلغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة، ويتركز النشاط الرئيسي لهؤلاء، بمن فيهم المحليون، على صناعة ملابس الأطفال. في الصين، يعمل الناس في هذه الصناعة السنة كلّها. ثانياً، التصوير هناك أبسط نسبياً، لأن العمال حاضرون في المصنع والمكان نفسيهما. والتواصل، بنظري مخرجاً، أيسر مع معظم العاملين، وأيضاً مع أصحاب هذه المشاريع: شركات ومصانع وورش عمل صغيرة. إنجاز فيلم وثائقي ليس أمراً يحدث بين عشية وضحاها، بل يستغرق وقتاً، ويحتاج إلى بيئة تُتيح التصوير بحرية. لذا، فرضت هذه الشروط اختيار تلك المدينة الصغيرة. ولإكماله، استغرق تصوير العمال ومتابعة حياتهم اليومية نحو خمس سنوات. معظم أفلامك تركّز على المهمّشين والمستضعفين، فقراء ومهاجرين وعمال. لم الاهتمام بهم؟ ثلاثية "شباب" تحديداً تركزت على عمال شباب ومهاجرين، بينما تناولت أفلام أخرى فقراء، أو من يواجه صعوبات رئيسية في الحياة. أهناك سبب لذلك؟ أعتقد أن هناك سوء فهم. يشير مصطلح "الشخصيات المهمّشة" إلى الذين يعيشون على هامش المجتمع. لكن، من منظور اجتماعي، من تذكرين ليسوا مهمّشين، بل هم جوهر المجتمع. أغلبية الناس تعيش هكذا، وتشكّل شريحة كبيرة من المجتمع الصيني المعاصر. طبعاً، لأكن أدقّ: معظم الناس هم الذين لا يملكون سلطة، لكنهم جزء مهم من المجتمع الصيني اليوم، ويمثّلون عنصراً أساسياً فيه. هذا مهمّ جداً. ولهذا السبب، أنجز أفلاماً عنهم. كيف تستعد لتصوير هؤلاء الناس؟ ما الخطة التي تتبعها لتجعلهم يقبلون متابعتك لهم سنوات، وينطلقون على سجيتهم بوجود عين مراقبة؟ أكانوا حذرين منك في البداية؟ في كل جلسة تصوير، ألتقي غرباء في أماكن غير مألوفة. شخصياً، ليست لديّ طريقة محددة. الشيء الوحيد الذي أتمسك به، الصدق والأمانة. أشرح لهم أني أنجز أفلاماً وثائقية، وأتحدث عن أوضاعنا. إذا وافقوا، أشعر بحرية الدخول إلى حياتهم. طبعاً، يرفض كثيرون التصوير، فأتجاهلهم. باختصار، يتعلق الأمر ببناء علاقة ثقة تدريجياً. في أفلامي السابقة، لم أواجه أزمة ثقة حقيقية، بل لم أصادفها قط. بفضل عمري وخبرتي الحياتية، تمكّنت من التواصل مع مختلف شرائح المجتمع، وإدراك ظروف معيشة السكان في مناطق عدّة في الصين. نشأت في الريف، ثم انتقلت إلى المدينة في عشرينيات عمري، وبدأت البحث والدراسة في جوانب مختلفة من المجتمع، وتعاملت مع طبقات اجتماعية متباينة: متعلّمين وعمال وريفيين. هذا أتاح لي فهماً أفضل للحياة، ويسّر التواصل مع الناس. بصفتك مخرجاً لهذا النوع من الأفلام، ما دورك فيها: سياسي، تأريخي، أم شهادة على العصر؟ قبل كل شيء، لست مؤرخاً ولا سياسياً ولا شاهداً. ليس لدي هذا الدور، بل أنا أشبه بشخص يرافقك في رحلة الحياة، وتشاركينه التجارب ووجهات النظر نفسها. أقول إن الأمر في أفلامي أقرب إلى سرد واقعي، يمزج علم الإنسان بفن رواية القصص. مع أنك على اتصال بأناس من مختلف مناحي الحياة، لا تتعامل مع أصحاب مهن مكتبية، ومع النخبة، بل مع قرويين وعمال يدويين وكادحين. هل عمال المصانع أكثر ألفةً لي، أم المنخرطون في الأعمال، وكانوا نخبة؟ اخترت هؤلاء الأشخاص لافتقارهم إلى السلطة. إنهم يمثلون شريحة كبيرة من المجتمع. كما ذكرت لكِ، نشأتُ في قرى، وأبناء محيطي قرويون، وأصدقائي وأفراد عائلتي ينتمون إلى هذه الفئة. طبعاً، أؤمن أن المجتمع وحدة متكاملة، وليس منقسماً تماماً. لكن، بالنسبة إلى الصين المعاصرة، من منظور ثقافي، فإن هذا الجانب مهم للغاية، في هذه الحقبة التاريخية، وسمة مميزة لحياة البلد وثقافته. نظرتنا إلى السياسة اليوم تختلف اختلافاً كبيراً عما كانته سابقاً. السياسة تلعب دوراً متزايد الأهمية في حياة الناس. إنها تتعلق بالسيطرة على المساحة الشخصية للناس. أيّ نوع من السيطرة هذه؟ السلطة تأخذ مكاناً أكبر في المجتمع. كل الجوانب متداخلة، بل أظن أنها (السلطة) أشد وطأة مما كانت عليه في القرن الماضي. طبعاً، يواجه العالم هذه المشكلة، إذ باتت عالمية. لكن، نظراً إلى النمو السريع الذي شهده الاقتصاد الصيني في السنوات الأخيرة، أصبحت المشاكل الاجتماعية التي يواجهها أوضح. ما معاييرك وأسباب اختيارك أشخاصاً معينين، ومجموعات معينة؟ أحياناً، يكون الأمر محض مصادفة. لا توجد قواعد محدّدة يجب اتباعها. مثلاً، في "الشباب"، تابعت كثيرين، ودخلت المصنع، وهناك شخصيات عدة. لكن، مع تقدّم التصوير، بدأت أفقد بعضها، كما بدأت أخرى جديدة تظهر. لذا، يكون الأمر تدريجياً أحياناً. صوّرت 2600 بكرة أصلية التُقِطت بالكاميرا، ومعدات تسجيل الصوت. لكني استخدمت جزءاً من هذه الوثائق الأصلية في التقطيع وما بعد الإنتاج. في هذا الفيلم، شخصيات كثيرة. لكن، في النهاية، لا يتبقّى الكثير. يختار الفيلم شخصياته طبيعياً، وهذا ليس بيدي، بل يعتمد على ظروف كل شخص، وأهميته، وتقلّبات حياته. هل تتأثر عاطفياً بما يحدث لشخصياتك في تقلّبات حياتها؟ هل تتابع العلاقة معها؟ هناك أشخاص لا أزال على تواصل معهم، وأتفاعل مع أحداث حيواتهم. نتحدث أحياناً، عبر تطبيق ويتشات، للبقاء على اتصال. واضح أن هناك أشخاصاً غيّروا وظائفهم، لكن معظمهم لا يزال في مكانه، يعيش الحياة نفسها، وارتقى السلم الوظيفي، أو تقاعد. كما أن هناك من واجه مشاكل مالية خطرة. هل تستطيع التخمين، في التصوير، من سينجح، ومن ستتغير حياته؟ هناك شاب يُدعى شي وي، حين بدأ التصوير، كان يبلغ 20 عاماً، يعمل بجدٍّ كبير، ويتمتع بصحة جيدة، وذكي جداً. حقّق نجاحاً في مجال الأعمال. في العامين الماضيين، عمل مع زوجته الشجاعة والذكية، وبذلاً جهداً كبيراً في حياتهما، والآن يعيشان حياة رغيدة، ويديران أعمالهما في الصناعة. شاب آخر، حين التقيته كان حيوياً ونشيطاً، لكن حياته باتت صعبة للغاية. متزوج، لكن لا يعرف أحدهما الآخر تماماً. انفصلا قبل عامين، ولديهما طفل. هجرته زوجته، وهو المعيل الوحيد للطفل. أحداث كثيرة تحصل، وبعد الانتهاء من الفيلم، أرى البدايات والتغييرات، وأن جميعهم يرغبون بحياة أفضل. الفيلم يمثّل الواقع، والأخير مُخيّب للآمال أحياناً. تقيم وتعمل اليوم بين الصين وفرنسا. أيمكنك التصوير خارج الصين؟ عشت طويلاً في الصين، واليوم أعمل في باريس. أتيت إلى فرنسا عام 2021 لتوليف "شباب". سأصوّر قريباً في أميركا الجنوبية. هل يغير البعد أسلوب عملك ونظرتك إلى الأشياء عما تكون عليه في بلدك؟ صعب الحكم. بدأت من 20 سنة في التنقل بين الصين وأوروبا وأفريقيا. طبعاً هناك تحدٍّ يواجهني عند الوصول إلى أرض جديدة، إذ عليّ دراسة المكان، وهذا يتطلّب وقتاً. في فيلمي المقبل، سأركز على الصينيين في ذلك المكان الجديد. سأصوّر قريباً فيلماً عن الصينيين في أميركا الجنوبية. بمَنْ تُعجب من المخرجين؟ هل أثّر بك أحد من الغربيين أو الصينيين؟ غودار وكاراكس (يحاول تذكّر اسمه الأول، أي ليوس). لا تأثّراً بهم حقاً، لكن تاركوفسكي وبازوليني يُعجبانني. أما السينما الصينية، فكانت في الماضي دعاية سياسية لم تُثِر اهتمامي. هل شاهد أبطال "شباب" الفيلم في الصين؟ كلا، فأفلامي ممنوعة في الصين، لكنها منتشرة بأسطوانات وعلى الإنترنت ومواقع غير رسمية. كما ينظّم محبو السينما أمسيات سينمائية، ولو أن ذلك نادر. هل يمسّك الأمر: عدم عرض أفلامك في بلدك؟  اعتدت ذلك، ولم أعد أفكر بالأمر، لأنْ لا طائل من ذلك. هذا لا يُحلّ. لحسن الحظ، يمكنني عمل كل ما أرغب في السينما، وهذا المهمّ.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows