في وداع سعيد السريحي.. عن سلطان الهوى ودولة العقل
Arab
1 week ago
share
"لو قادتكَ قدماك ذات يوم إلى مدينة فرأيت شوارعها تكتظّ بالمجانين والموسوسين والممرورين، يردّدون أسماء نسوة يقبعن خلف النوافذ المواربة... لو قادتك قدماك إلى مدينة كهذه، فلا يذهَبنّ بك الظنّ إلى أنك انتهيت إلى مدينة أصابت رجالها لعنة أو شربوا من نهر الجنون... وما عليك إلا أن تطمئنّ، إذا ما بقي لديك قلب يطمئنّ إلى شيء، إلى أن حظك، أو سوء حظك، قد رمى بك إلى مدينة العشق كما تتراءى معالمُها في الإرث العربي". بهذه الكلمات استحضر الناقد السعودي سعيد السريحي، الذي رحل أمس الأربعاء في كتابه "العشق والجنون: دولة العقل وسلطان الهوى في الثقافة العربية" (دار التنوير للنشر والتوزيع، 2015) طبيعة العاطفة في التراث العربي، مقدّماً رؤية تجمع بين العقل والرغبة في إطار من التأريخ الثقافي. اختلطت في طفولة السريحي، الذي وُلد في جدّة عام 1953، ونشأ في حي الرويس، ذكريات البداوة الصارمة بحكايات العائلة وتناقضات الحياة اليومية، مثل حادثة حرق يده من أجل أن يعلمه والده الانضباط. هذه التجربة المبكرة شكلت وعيه، وغيّرت مسار حياته نحو النقد الأدبي ودعوته المثابرة إلى التجديد، كما أن الرويس - الحَيّ سيمنح اسمه لأحد أبرز كتبه الذي ضمّنه جوانب من سيرته الذاتية. نظر في جدلية الهوية والمكان إلى جانب النقد الأدبي في كتابه الأكثر إشكالية "حركة اللغة الشعرية" (النادي الأدبي الثقافي، 1999)، صوّر اهتمامَه بالتجديد اللغوي عند شعر المحدثين في العصر العباسي، منطلقاً من اعتقاده باستقلالية الظاهرة الشعرية، بمعنى أن الشعر ليس مجرد انعكاس لعصر أو بيئة معينة، وهو ما يبرئ اللغة الشعرية المحدثة من ربطها المباشر بمظاهر الرفاهية والبذخ التي اشتهر بها العصر العباسي، ويجعل من التجربة اللغوية في شعر المحدثين قيمة قائمة بذاتها. وقد انقسمت الدراسة إلى محورين رئيسيين: الأول تناول مضائق اللغة الجديدة، حيث بحث في أزمة شعر المحدثين من خلال موقف النقد القديم تجاههم والعلاقة المعقدة التي تربط تجربتهم بالإرث الشعري القديم. أما المحور الثاني، الذي جاء بعنوان معالم اللغة الشعرية، فقد استعرض مظاهر الإبداع الفني عند الشعراء المحدثين، بدءاً من الغموض والتجاذب بين الأكوان الشعرية، مروراً بتداخل هذه الأكوان، وصولاً إلى بلوغ الغاية، وختاماً بجدل الأشباه والنظائر، ليقدّم رؤية متكاملة للغة الشعرية باعتبارها حقلاً حيوياً يتحدّى القيود التقليدية. ويمكن اعتبار كتابه الآخر عن "شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد" (مؤسسة الانتشار العربي، 2016) امتداداً لهذه الرؤية، حيث رأى السريحي أن الغموض والغرابة في شعر أبي تمام ليسا عيبَين كما ذهب النقاد القدامى، بل سِمَتان تعبّران عن تميّزه الفني وتجربة إنسانية عميقة تتجاوز الزمان والمكان. في كلا الكتابين، سعى السريحي لتجاوز الأحكام التقليدية، موازناً بين الاحترام للإرث اللغوي والكشف عن فردية الشاعر وعمق رؤيته، ليؤكد أن التجديد في اللغة والشكل والمضمون هو الطريق لفهم الشعر حقّ فهمه. وضعت تجربته الصحافية نقده في متناول عموم القرّاء على مدار ثلاثة عقود، ظلّ الراحل سعيد السريحي جزءاً لا يتجزّأ من المشهد الصحافي والثقافي في السعودية، فشكّلت تجربة عمله الطويلة في جريدة عكاظ، منذ تسعينيات القرن الماضي، المحطة الأبرز لمسيرته المهنية. حيث أشرف على الصفحات الثقافية وكتب زاويته "ولكم الرأي"، محقّقاً حضوراً مستمرّاً جمع بين النقد الأدبي والتأمل الثقافي. من خلال هذه التجربة، نجح السريحي في نقل جزء غير قليل من رؤيته الحداثية ودعوته إلى تجديد اللغة الشعرية إلى القارئ اليومي، وجعل الصحافة منصة لإعادة قراءة التراث، وتحفيز النقاش العام حول الشعر والثقافة. إلى جانب اهتمامه باللغة والشعر، أضاء السريحي على أبعاد أُخرى من التراث العربي والثقافة المحلية من خلال كتبه التي تناولت البيئة والمكان بكونهما عنصرين فاعلين في تكوين الأدب والهوية. في كتابه "أيديولوجيا الصحراء: آفاق التجديد وسؤال الهوية المعلقة"، درس السريحي الحركة الأوروبية في الحجاز وأثر البيئة على الأديب والنص معاً، مؤكّداً أن الصحراء لم تكن مجرد فضاء طبيعي أو خلفية جغرافية، بل تحوّلت إلى أيديولوجيا تعبّر عن قدرة الخطاب على الإقصاء والهيمنة، ووسيلة للسيطرة الرمزية على الهوية والانتماء. بهذا يضع السريحي الصحراء في قلب الخطاب الثقافي، بوصفها أداة معرفية تتيح للخطاب تصنيف المجتمع واحتوائه وتوجيهه، قبل أن يعود إلى أطروحته المركزية في التجديد، والبحث في تباين مواقف الأدباء منه بين مؤيد واضح للتجديد ومتحفّظ يخشى الانزلاق من التقاليد، ليكشف عن حراك ثقافي متصل بالحداثة ويظهر كيف أن الصحراء استوعبت هؤلاء المبدعين تحت مظلتها الرمزية. كذلك واصل السريحي في "حجاب العادة: أركيولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة" (مدارك للنشر، 2021) مشروعَه النقدي من المنظور السوسيولوجي ذاته، لكنه نقل التركيز إلى دراسة الكرم في التراث العربي، باعتباره تجربة إنسانية متباينة، وليست مجرد وصف شعري أو صفة فطرية. يفتح السريحي في كلا الكتابين أمام القارئ إمكانات لفهم النصوص النقدية والثقافية بطريقة متعددة الأبعاد، رابطاً بين اللغة والمجتمع، ليؤكد أن قدرته على تفكيك الخطاب وإعادة قراءته بروح التجديد لا تتوقف عند الشعر فحسب، بل تشمل القيم الاجتماعية والثقافية التي تحرّك النصوص وتمنحها عمقهاً الإنساني.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows