Arab
لم تعد كلمة "الجار" في غزة تعني ما كانت تعنيه سابقاً، فالحرب لم تغيّر الجغرافيا فقط، بل أعادت خلط الناس بعضهم ببعض على نحو قاسٍ ومربك، وقد حوّل النزوح الواسع البيوت إلى أماكن مؤقتة، والأحياء إلى محطات عبور، وجعل الجار شخصاً جديداً لا يحمل ذاكرة مشتركة، ولا تاريخاً من التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع الألفة يوماً بعد يوم.
في كثير من البيوت، تعيش اليوم أكثر من عائلة تحت سقف واحد. غرباء جمعهم الاضطرار وليس الاختيار، لكل منهم قصته وخسارته وطريقته في التكيّف مع الواقع الجديد. غرف كانت مخصصة لعائلة واحدة باتت مقسّمة، والمطبخ لم يعد مساحة خاصة، بل مكاناً مشتركاً تدار فيه الحياة بحذر. هذا التشارك القسري خلق نوعاً جديداً من العلاقة. ليست جيرة تقليدية، وليست قرابة، بل تعايشاً هشاً تحكمه الحاجة والخوف وقلّة الحيلة.
يُحاول كثيرون عدم إثقال كاهل الآخرين بأوجاعهم. وحتى المجاملات الاجتماعية، التي كانت واجباً أخلاقياً، أصبحت عبئاً نفسياً في ظل ضيق المكان وضغط الحياة. في الأحياء التي استقبلت نازحين، تغيّرت ملامح الشوارع. وجوه جديدة، لهجات وعادات مختلفة. بات ابن الشمال يسكن في الجنوب، وأهل المخيم وجدوا أنفسهم في المدينة، وسكان المدينة نزحوا إلى مناطق لم يخططوا يوماً للعيش فيها، وهذا الخلط الجغرافي كسر الحدود الاجتماعية القديمة، لكنه في الوقت ذاته أضعف الإحساس بالانتماء للمكان، وهكذا لم يعد الشارع يحمل الوجوه التي اعتاد الناس رؤيتها، ولا الأصوات التي ألفوها، ولا الذكريات التي كانت تمنحهم شعوراً بالأمان.
يقول هيثم زيدان (52 عاماً) الذي يجلس في بيت لا يشبه بيته، لـ"العربي الجديد": "في حارتنا كنا نعرف الآخرين بالاسم والملامح، ولا يوجد بيت لا نتقاسم معه حكايات وذكريات، وإذا غاب شخص لمدة يومين يسأل الجيران عنه، واليوم أسكن مع ناس محترمين، لكنهم غرباء، نتصافح من دون عشرة وذكريات". يضيف: "أصعب شيء أن أمشي في الشارع من دون أن أرى أي وجه مألوف، كأنني فقدت جزءاً من نفسي، وليس فقط بيتي. أشعر بأنني ضيف طوال الوقت، حتى لو بقيت لأشهر طويلة في المكان نفسه".
ومع هذا التحوّل تراجعت معرفة الناس ببعضهم البعض. في الماضي كان سكان الشارع الواحد يعرفون أسماء بعضهم، قصصهم، وحتى تفاصيل حياتهم الصغيرة، واليوم يمشي كثيرون في الشارع ذاته من دون أن يعرفوا من يسكن بجانبهم، وأصبحت التحية مقتضبة، والنظرات حذرة، والعلاقة محكومة بالمسافة، ليس بسبب انعدام الرغبة، بل لأن الناس فقدوا القدرة على بناء علاقات جديدة، في ظل صدمة جماعية لم تُهضم بعد.
فَرَض التعايش مع الغرباء سلوكيات جديدة. يحاول البعض تقليل الاحتكاك قدر الإمكان، ويتنازل آخرون عن مساحات خاصة اعتادوا عليها لتجنّب التوتر. أصوات تُخفض، حركات تُحسب، وحدود غير مكتوبة تُرسم داخل البيت الواحد، ما يخلق شعوراً دائماً بأن المكان ليس "بيتاً" بالمعنى الكامل، بل محطة مؤقتة مهما طال الزمن.
يقول محمود نصار (29 عاماً)، وهو نازح من مدينة غزة إلى جنوب القطاع لـ"العربي الجديد": "لم أستطع العودة إلى المدينة بسبب تدمير بيتي وعدم وجود أي مكان لي، ولا أزال أعيش حالة قاسية من التنقل المستمر ما أفقدني أي شعور بالاستقرار". يتابع: "تنقّلت مرات، وتعرفت إلى ناس كثيرين، وعندما كنت أبدأ في التأقلم مع محيطي المؤقت كنت أضطر إلى ترك المكان لأسباب مختلفة، بسبب أوامر الإخلاء الإسرائيلية، أو بسبب عدم القدرة على دفع الإيجار، أو الرغبة في إيجاد مكان أفضل، أو أسباب أخرى". يضيف: "قبل الحرب كنت أمشي في حارتي وأنا مرتاح، اليوم أمشي في أي شارع بحذر. لا أعرف الناس، ولا يعرفونني. هذا شعور صعب بالغربة داخل بلدي، كأن الحرب لم تدمّر البيوت فقط، بل الروابط أيضاً".
الأكثر قسوة أن ذكريات الجيرة القديمة لم تختفِ تماماً، بل تحوّلت إلى مقارنات مؤلمة. يتذكر كثيرون كيف كان الناس يجتمعون في الشارع خلال المناسبات، وكيف كانت الأبواب مفتوحة، وكيف كان الأطفال يلعبون تحت أنظار الجميع، بينما تبدو تلك الصور اليوم بعيدة، كأنها تعود إلى زمن آخر، ليس لأن الناس تغيّرت في جوهرها، بل لأن الحرب نزعت السياق الذي كان يسمح لهذه العلاقات بأن تزدهر.
وتتحدث سمر حميد (37 عاماً)، وهي نازحة من مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة، إلى وسط مدينة غزة، لـ"العربي الجديد"، عن أن "الجيرة داخل المخيم كانت تعني العائلة. كان الجميع يعرف مواعيد الآخرين، ويتشاركون معاً المناسبات الاجتماعية والعائلية. حالياً أعيش مع أسرتي المؤلفة من ستة أفراد داخل بيت بالإيجار، تضم طبقاته العلوية عائلات أخرى، وتنشغل كل عائلة بهمومها وأزماتها اليومية من دون وجود أي حيز للتشارك والتعارف، ليس بسبب سوء الناس، لكن بسبب إرهاقهم من الأعباء المتلاحقة".
لم تعد الجيرة في غزة مساحة للألفة فقط، بل مرآة لفقدان أوسع. فقدان المكان، والذاكرة المشتركة، والشعور بأن الشخص معروف ومألوف في محيطه فقط، ويبقى مصطلح "الجار الجديد" دليلاً على واقع اجتماعي مربك. يعيش الناس جنباً إلى جنب من دون أن يملكوا الوقت أو الطاقة كي يعرفوا بعضهم كما كانوا يفعلون من قبل، ما يعني أنها خسارة صامتة لا تُرى في صور الدمار لكنها تُلمس يومياً في الشارع.

Related News
تحطم مقاتلة تركية من طراز إف 16 ومقتل طيارها
alaraby ALjadeed
14 minutes ago
تحطم مقاتلة تركية من طراز إف 16 ومقتل طيارها
alaraby ALjadeed
14 minutes ago
«لا يمكن تقسيم أوكرانيا».. دعم أممي لكييف في ذكرى الحرب
al-ain
26 minutes ago