روح الإنسان
Arab
1 week ago
share
في المقدمة التي كتبها تولستوي لروايته "الحرب والسلم"، يقول إن بعض القراء لاموه لأنه لم يبرز طابع العصر إبرازاً كافياً، حين نشر الجزء الأول من الرواية، وتساءل: ماذا يعنون بروح العصر؟ هل هي أحوال الرق، أم حبس النساء، أم ضرب الأولاد؟ أم النفاق؟ وأضاف أن هذه الأهوال موجودة في كل عصر، وليست سمة عصرنا دون غيره. ما هي روح العصر؟ إذا سألنا العربي اليوم، ما هي روح العصر العربي؟ تقدم لنا وسائل التواصل، والمقالات في الصحف، والكتب الأدبية صورة مرعبة عن الواقع، لا مناص من وصف الواقع، غير أن أي واقع لا يستطيع أن يكون هو روح العصر. فإذا كنا نسبغ على عصرنا طابع العنف الأعمى، أو نرى أن القسوة والوحشية هما سمة عصرنا، فإننا كمثل من يقف وراء قمة، فلا يرى إلا رؤوس الأشجار، فيستنتج من ذلك أن المنطقة كلها ليس فيها إلا أشجار.  كما أننا لا نملك صلاحية تعميم الوصفة كي تكون تعبيراً عن الحقيقة، فما يحدث في سورية مثلاً اليوم ليس روحاً لعصرنا، أم هي روح عصرنا فعلاً؟ وما يحدث في أميركا أيضاً، على الرغم من السيطرة الهائلة التي يملكها الأميركيون على عالمنا، ليس روح العصر، من دون أن نغفل تلك الكتابات التي تميل، أو يستهويها أن تستخدم حاضر القوة المسيطرة في أي مكان، كي تعتبره روحاً لعصرها.  لا نملك صلاحية تعميم الوصفة كي تكون تعبيراً عن الحقيقة وحين يستطلع المرء آراء الكتاب مثلاً في روح العصر، أو الزمان، سوف يجد أن لدى كل واحد من بينهم رأياً في تعميم الوصفة. وفي كتاب أدريين كوخ "آراء فلسفية في أزمة العصر" (مؤسسة هنداوي، 2017) مقالات لعدد من الفلاسفة والأدباء والعلماء في البحث عن السمات التي يتصف بها العصر الذي عاشوا فيه. ينتمي مجموع الذين جمع أدريين كوخ مقالاتهم إلى القرن العشرين تقريباً، أو أن مقالاتهم كانت تعني هذا العصر، الراجح أن لدى كل واحد من بينهم رأيا تفصيلياً في توصيف عصرنا، وأخطر وصف صريح للعصر هو ما يقوله الروائي البريطاني إي. إم فورستر من أنه عصر الدماء، عصر مليء بالعنف والقسوة، بسبب الحروب والمنازعات. واللافت أن تجمع الآراء على قضية واحدة تقريباً، هي أن الإنسان، أو الفرد كما يختار المترجم، هو الذي يجب أن يسمو، كما يقول الروائي الإيطالي إجنازيو سيلوني، على كل النظم الاقتصادية والاجتماعية التي تحاول أن تتعسف به، أو تحاول أن تحرمه استقلاله الروحي، أو أن قيمة الفرد تتوقف على مدى توجيه مشاعره، وأفكاره، وأعماله، نحو النهوض بمصلحة إخوته في البشرية، كما يقول ألبرت أينشتين. أو أن مبدأ الحرية الفردية، هو المبدأ الوحيد الذي يتمشى مع عالم الروح، كما يقول فورستر. ما هي روح عصرنا العربي، أو السوري، اليوم؟ وما الوصف الذي يمكن أن نصف به الفرد العربي في ظلال ما نشهد من حالات التحريض الجماعي للناس بعضهم ضد بعض؟ هل هو مساهم في السلام والأمان، وصناعة الحرية، باحث عن الاستقلال الروحي، أم مجرد آلة، يتخلى عن إنسانيته، لصالح كل سلطة تحكم البلاد، وتتحرك نحو العدوان؟ روائي سوري

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows