الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال"... تحليل نقدي
Arab
1 week ago
share
لطالما شكّل القرن الأفريقي عقدةً جيوسياسيةً تتشابك فيها المصالح الدولية مع النزاعات المحلّية المزمنة، لأنه يضمّ مضيق باب المندب الذي يمرّ عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، محوراً لهذا التنافس. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز ملفّ "أرض الصومال"، الكيان الذي أعلن استقلاله من جانب واحد عام 1991، وحقّق استقراراً ديمقراطياً وأمنياً نسبياً مقارنةً بالجنوب الصومالي المضطرب، لكنّه ظلّ حبيس العزلة الدبلوماسية الرسمية. إن استمرار حالة "اللا دولة واللا اعتراف" أوجد فراغاً قانونياً وسياسياً تسعى القوى الدولية (وفي مقدّمها إسرائيل) لملئه وتحقيق مكاسب استراتيجية. وتحت وطأة العزلة الدبلوماسية الناجمة من الحرب الإسرائيلية على غزّة، والتحدّيات الأمنية في البحر الأحمر من جهة جماعة الحوثي، أعادت حكومة بنيامين نتنياهو إحياء الاهتمام بـ"استراتيجية الأطراف". هذه المرّة، لا تستهدف الاستراتيجية مجرّد بناء تحالفات سرّية، بل تُلمّح إلى اعتراف دبلوماسي صريح بكيان انفصالي داخل دولة عضو في جامعة الدول العربية. ولا يمكن قراءة هذا التحوّل بمعزلٍ عن تآكل النظام الأمني العربي التقليدي وصعود قوى إقليمية غير عربية (تركيا، إيران، إثيوبيا) تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة. تجادل هذه الورقة لتقديم طرحٍ تحليلي نقدي يتجاوز الانحياز العاطفي، مفكّكةً الدوافع الحقيقية وراء هذا التقارب المحتمل. فهي لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تُسائل جدوى السياسات الحالية للأطراف كافّة: هل تخدم المغامرة الإسرائيلية أمنها القومي حقّاً أم تورّطها في مستنقع جديد؟ وهل يدرك قادة "أرض الصومال" الكلفة السياسية للتحالف مع دولة منبوذة إقليمياً في هذا التوقيت؟ وما هو مستقبل الدولة الصومالية الفيدرالية في ظلّ عجزها عن تقديم بديل وحدوي جاذب؟ أزمة السيادة الغائبة تقدّم نظرية الواقعية السياسية (Political Realism) إطاراً تفسيرياً مناسباً لفهم الاعتراف الإسرائيلي بـ"جمهورية أرض الصومال". وفق منظور هانس مورغنثاو وكينيث والتز، فإن الدول تتصرّف في نظام فوضوي (Anarchic System) بدافع تعظيم المصلحة القومية والقوة، بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية أو القانونية. في هذا السياق، يُنظر إلى اعتراف إسرائيل بـ"أرض الصومال" تطبيقاً عملياً لمبدأ "الواقع يسبق الشرعية" (Effectiveness Doctrine)؛ إذ تمارس "أرض الصومال" سيادةً فعليةً كاملةً على أراضيها منذ أكثر من ثلاثة عقود، بينما الحكومة الفيدرالية في مقديشو عاجزة كلّياً عن بسط نفوذها على هذا الإقليم. ومن منظور واقعي، لا تعترف إسرائيل بكيان "غير شرعي"، بل تتعامل مع "دولة بحكم الأمر الواقع" (De Facto State) تمتلك مقوّمات السيادة الفعلية (إقليم، شعب، حكومة فعّالة) باستثناء الاعتراف الدولي (1). إسرائيل اليوم لا تبحث عن حلفاء "غير عرب" فقط، بل تبحث أيضاً عن "نقاط ارتكاز" (Client States) تخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية بغض النظر عن هُويّتها من زاوية نقدية واقعية، يمكن القول إن فشل الحكومة الفيدرالية الصومالية في فرض سيطرتها على "أرض الصومال" يمثّل "فراغ سيادة" (Sovereignty Vacuum) يُبرِّر قانونياً (وفق المدرسة الواقعية) تدخّل القوى الخارجية وإقامة علاقات مع السلطة الفعلية. تؤكّد الأدبيات الواقعية أن السيادة ليست مفهوماً مجرّداً، بل هي "ممارسة فعلية للسلطة"؛ وعندما تفقد الدولة الأم (الصومال) قدرتها على الحكم الفعلي، تتآكل شرعيتها القانونية تدريجياً لصالح الكيان القادر على توفير الأمن والحوكمة. إسرائيل، بهذا المعنى، لا تخترق سيادة الصومال، بل تملأ فراغاً تركته مقديشو بعجزها المزمن عقوداً، وأضف إلى ذلك الحالة الأمنية السائدة في الجنوب الصومالي من حركات مسلّحة تهدّد جهود بناء الدولة في الصومال منذ تأسيس الجمهورية الصومالية الثالثة في عام 2000 (2). غير أن هذا المنطق الواقعي يواجه معضلات جوهرية. أولاً، قد يُفضي تطبيق منطق "الأمر الواقع" بشكل مطلق إلى تفكيك النظام الدولي القائم على احترام الحدود الموروثة (Uti Possidetis)، خصوصاً في أفريقيا حيث تعجّ الدول الأفريقية بحركات انفصالية. ثانياً، إن ضعف مقديشو ليس "قدراً طبيعياً" بل هو نتاج تدخّلات خارجية وصراعات قبلية عمّقتها السياسات الدولية نفسها؛ ومن ثم يمثّل استغلال هذا الضعف لتمزيق وحدة الصومال سياسةً انتهازية قد تعود بالوبال على المنطقة بأسرها. ثالثاً، ومن منظور واقعي دفاعي (Defensive Realism)، قد يكون التحالف مع كيان غير معترَف به محفوفاً بالمخاطر على المدى البعيد، إذ قد يجلب عداوات جديدة ويشعل صراعات بالوكالة تكلّف إسرائيل أكثر ممّا تكسبه. ويبدو أن "أرض الصومال" قد بدأت تُفجِّر موجات غضب عارمة في الداخل والخارج، ومن جوارها الإقليمي أيضاً، وهذا الغضب قد يتصاعد كلّما خطت خطوات غير محسوبة نحو الارتماء في أحضان حكومة نتنياهو المتطرّفة (3). إسرائيل والقرن الأفريقي: ترسيم تاريخي نقدي يتطلب الفهم العميق للتحرّكات الإسرائيلية الحالية تفكيكاً للسردية التاريخية للعلاقات الإسرائيلية- الأفريقية. لم تكن "استراتيجية الأطراف" (Periphery Strategy) التي وضعها ديفيد بن غوريون مجرّد ردّة فعل دفاعي، بل كانت استراتيجيةً هجوميةً ناعمةً تهدف إلى تطويق العالم العربي وحرمانه من عمقه الاستراتيجي الأفريقي. ركّزت هذه الاستراتيجية تاريخياً على إثيوبيا (دولةً مسيحيةً في محيط إسلامي) وعلى دعم حركات التمرّد في جنوب السودان، مستغلَّة التناقضات الإثنية والدينية لإضعاف الدول العربية المركزية كمصر والسودان (4). مع ذلك، يتصف التطبيق الحديث لهذه الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين ببراغماتية مفرطة تتجاوز الأبعاد الأيديولوجية، فإسرائيل اليوم لا تبحث عن حلفاء "غير عرب" فقط، بل تبحث أيضاً عن "نقاط ارتكاز" (Client States) تخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية بغض النظر عن هُويّتها. وتمثّل "أرض الصومال" نموذجاً مثالياً لهذا التوجّه؛ فهي كيان يبحث عن شرعية بأيّ ثمن، ويقع في موقع جغرافي حاكم، ويمتلك بنيةً مؤسّسيةً قابلةً للتعامل معها، بعيداً من حكومة مقديشو التي رفضت التعاون مع الكيان الإسرائيلي ورفضت مراراً عروضاً إسرائيليةً لإقامة علاقات مع تل أبيب، وفق ما صرَّح به الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في خطابه أمام البرلمان الفيدرالي الصومالي. يرى نتنياهو في اختراق القرن الأفريقي فرصةً لـ"الهروب إلى الأمام"، وتشتيت الانتباه الدولي لكن يمكن القول إن السياسة الإسرائيلية في المنطقة استغلّت بذكاء "الفراغ الاستراتيجي" الذي خلّفه تراجع الدور العربي وتخبّط السياسة الأميركية. فبينما انشغلت الدول العربية بصراعاتها الداخلية، نجحت إسرائيل في تقديم نفسها شريكاً أمنياً وتنموياً موثوقاً لدول المنطقة، مستثمرةً في المخاوف من "الإسلام السياسي" والإرهاب التي اندلعت عقب ثورات الربيع العربي عام 2011، وروّجتها دولٌ عربيةٌ لإضعاف بعض التيارات والأحزاب السياسية ذات الأيديولوجية الإخوانية، ما ساهم في تأجيج حركات انقلابات عُرفت لاحقاً بـ"الثورات المضادة". لكن في الوقت نفسه، ساهم هذا العداء المفرِط ضدّ هذه التيارات في تسهيل التحرّك الإسرائيلي وتقديم تنازلاتٍ سخيةٍ على طبق من ذهب، والنجاح الإسرائيلي في اختراق الجدار الخلفي للأمن القومي العربي ليس نتاج قوة ذاتية فحسب، بل هو انعكاس لفشل منظومة الأمن القومي العربي في صياغة رؤية موحدة تجاه القرن الأفريقي، كما أن حالة الاصطفاف والمحاور البينية بين الدول العربية، ولا سيّما الخليجية، أضعفت الحضور العربي في القرن الأفريقي (5). التوقيت والدلالات يتجاوز الحديث عن الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" في عهد حكومة اليمين المتطرّف أنه مجرّد مناورة تكتيكية؛ إنه يعكس تحولاً في العقيدة السياسية الإسرائيلية من "إدارة الصراع" إلى "حسم الصراع" عبر إيجاد وقائع جيوسياسية جديدة. ويمكن تفكيك هذا التوجه عبر ثلاثة محاور: أولًا: يأتي هذا التوجّه في لحظة تعاني فيها إسرائيل أزمة شرعية دولية غير مسبوقة بسبب حرب غزّة. يرى نتنياهو في اختراق القرن الأفريقي فرصةً لـ"الهروب إلى الأمام"، وتشتيت الانتباه الدولي، وتسجيل نصر دبلوماسي يكسر طوق العزلة. كما يتزامن ذلك مع صعود التنافس الدولي في البحر الأحمر، فتسعى إسرائيل إلى حجز مقعد لها في ترتيبات الأمن الإقليمي الجديد قبل أن تفرض قوى أخرى (الصين، روسيا، إيران) معادلاتها. التوقيت أيضاً يستغلّ الانشغال الأميركي بالانتخابات وبؤر الصراع الأخرى، ما يمنح تل أبيب هامشَ مناورةٍ أكبرَ للتحرّك المنفرد (6). نجاح إسرائيل في اختراق الأمن القومي العربي ليس نتاج قوة ذاتية فحسب، بل انعكاس لفشل في صياغة رؤية موحدة للقرن الأفريقي ثانياً: تعمل إسرائيل على تحويل "أرض الصومال" قاعدةً استخباريةً وعسكريةً متقدّمةً لمراقبة مضيق باب المندب واليمن. النظرية الأمنية الإسرائيلية تفترض أن الوجود المباشر في بربرة سيوفّر عمقاً استراتيجياً في مواجهة التهديد الحوثي والإيراني. ومع ذلك، قد تكون هذه الرؤية قاصرةً وخطيرةً؛ إذ إن عسكرة المنطقة واستجلاب الصراع الشرق أوسطي إلى القرن الأفريقي قد يؤدّي إلى نتائج عكسية، ما يجعل المصالح الإسرائيلية أهدافاً مباشرة وسهلة للجماعات المعادية، ويزيد من حدّة الاستقطاب بدلاً من توفير الأمن. ثالثًا: تتجاوز المصالح الإسرائيلية الجانب الأمني لتشمل طموحات اقتصادية واسعة. ميناء بربرة ليس مجرّد محطّة عبور، بل هو بوابة لسوق شرق أفريقيا الصاعد (إثيوبيا، أوغندا، كينيا). تسعى الشركات الإسرائيلية إلى الهيمنة على قطاعات الزراعة والمياه والتكنولوجيا في "أرض الصومال". لكن الخطير في هذا التوجّه هو تحويل "أرض الصومال" إلى "اقتصاد تابع" يعتمد كلياً على الخبرات والتمويل الإسرائيلي، ما يرهن قرارها السياسي المستقبلي، ويحوّلها إلى رأس حربة للمصالح الإسرائيلية في مواجهة النفوذ الصيني والتركي المتصاعد في المنطقة. تضارب المصالح والمبادئ يكشف التحليل المقارن لردّات الفعل المحلّية والإقليمية والدولية حجم التناقضات التي تحكم العلاقات الدولية في المنطقة، حيث تتصادم المبادئ القانونية مع الواقعية السياسية الفجّة. دولياً، يواجه الغرب موقفاً مزدوجاً محرجاً. فبينما يتمسّك رسمياً بـ"سياسة الصومال الواحد" لعدم تشجيع الانفصال وزعزعة الاستقرار الهشّ، ينظر بعين الرضا إلى الاستقرار الديمقراطي في "أرض الصومال" ويعتبرها شريكاً موثوقاً في مكافحة الإرهاب. الاعتراف الإسرائيلي قد يضع واشنطن في حرج؛ فإمّا أن تدين خطوة حليفتها وتخاطر بمصالحها الأمنية، أو تصمت وتواجه اتهامات بازدواجية المعايير وتقويض القانون الدولي، ما قد يدفع الصومال الفيدرالي نحو المعسكر الصيني- الروسي. إقليمياً، يكشف هذا الاختراق الإسرائيلي وهن المؤسّسات الإقليمية. الاتحاد الأفريقي مكبّل بميثاقه الذي يقدّس الحدود الموروثة، لكنّه عاجز عن تقديم حلول عملية لأزمة "أرض الصومال" المستمرّة منذ ثلاثة عقود. أمّا الدول العربية فتبدو ردّات فعلها تقليدية وتفتقر إلى الخيال السياسي؛ إذ تكتفي ببيانات الإدانة والتمسّك بوحدة الصومال من دون تقديم حوافز تنموية أو سياسية تقنع "أرض الصومال" بالبقاء ضمن الفضاء العربي. هذا الفراغ العربي هو ما يمنح إسرائيل وإثيوبيا الفرصة للتمدّد. اعتراف حكومة يمينية إسرائيلية منبوذة عالمياً بـ"أرض الصومال" لن يكون حدثاً معزولاً، بل سابقة خطيرة قد تشجّع حركات انفصالية أخرى في المنطقة محلياً، وتحديداً ما يخص قيادة "أرض الصومال"، يمثّل الاعتراف الإسرائيلي بمنزلة "مغامرة كبرى" غير مدروسة جيّداً، قد تُفكّك السرديات التي بُنيت عليها "أرض الصومال" مظلوميتها ومطالبها للانفصال. فبينما قد يحقّق حلم الاعتراف الدولي، يهدّد الشرعية الداخلية للحكومة أمام شعب محافظ يدعم القضية الفلسطينية. قد يؤدّي هذا التحالف إلى انقسام مجتمعي حادّ، وتوفير ذريعة للجماعات المتطرّفة (حركة الشباب) لشنّ هجمات، وتصوير الحكومة "دميةً صهيونيةً"، ما قد يقوّض الاستقرار الذي هو السلعة الأساسية التي تبيعها "أرض الصومال" إلى العالم. تداعيات وتبعات يفيد التحليل الاستشرافي بأن الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" سيكون بمثابة "فتيل تفجير" لسلسلة من التحوّلات الجيوسياسية الخطرة: أولاً: "بلقنة" القرن الأفريقي. اعتراف حكومة يمينية إسرائيلية منبوذة عالمياً بـ"أرض الصومال" لن يكون حدثاً معزولاً، بل سابقة خطيرة قد تشجّع حركات انفصالية أخرى في المنطقة (مثل بونتلاند، جوبالاند، أو أقاليم في إثيوبيا والسودان) على المطالبة بتقرير المصير، ما يهدّد بتفكيك الدول الوطنية الهشّة أصلاً وتحويل القرن الأفريقي إلى مجموعة من الكيانات المجهرية المتناحرة التي يسهل على القوى الخارجية السيطرة عليها. ثانياً: عسكرة البحر الأحمر وحروب الوكالة. دخول إسرائيل لاعباً معترفاً به رسمياً سيستفز القوى المنافسة. من المتوقّع أن ترد إيران بتكثيف دعمها الحوثيين وجماعات داخل الصومال، بينما قد تسعى تركيا إلى تعزيز قاعدتها في مقديشو. هذا سيحوّل البحر الأحمر من ممرّ مائي تجاري إلى ساحة مواجهة عسكرية مفتوحة، ما يهدّد سلاسل التوريد العالمية ويرفع تكاليف التأمين والطاقة. "التجاهل الاستراتيجي" العربي والأفريقي لقضية "أرض الصومال" دفعت هرجيسا نحو خيارات يائسة ثالثاً: وأد مشروع الدولة الصومالية. الاعتراف بـ"أرض الصومال" سيسحب البساط نهائياً من تحت أقدام الحكومة الفيدرالية في مقديشو، ويفقدها ما تبقّى من شرعية وهيبة. هذا الانهيار المعنوي والسياسي قد يعيد الصومال إلى مربّع الحرب الأهلية الشاملة، حيث تتصارع الأقاليم والقبائل على الموارد والنفوذ من دون وجود مركز ناظم. رابعاً: انكشاف الأمن القومي المصري والخليجي. إن وجود نفوذ إسرائيلي-إثيوبي مشترك يتحكّم في منافذ البحر الأحمر الجنوبية يمثّل تهديداً وجودياً للأمن القومي المصري (قناة السويس) والسعودي. هذا التحالف قد يستخدم ورقة ضغط في ملفّات أخرى (مياه النيل)، ما يضع دول المركز العربي في موقف استراتيجي بالغ الضعف. وربّما هذه الخطوة قد وفّرت للسعودية هامشاً للمراجعة والتخطيط الاستراتيجي قبل الانخراط في التطبيع مع إسرائيل ضمن الاتفاقيات الإبراهيمية، لأن وجود قواعد عسكرية إسرائيلية في خاصرتها الأمنية الجنوبية يعرّضها لمخاطر أمنية واقتصادية واستراتيجية، وهو ما يدفعها إلى إقامة تحالف عسكري مع دول الإقليم لتشكيل محاور ردع لمواجهة محور إسرائيلي-إثيوبي يتشكّل في المنطقة، وعلى نحو متسارع. خاتمة ليس الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" مجرّد حدث دبلوماسي عابر، بل هو مؤشّر على انهيار النظام الإقليمي القديم وتشكّل نظام جديد يتسم بالفوضى وسياسات القوة. قد تكون استراتيجية "الأطراف" الإسرائيلية، رغم براعتها التكتيكية، استراتيجية "قصيرة النظر" تجلب عدم الاستقرار للمنطقة بأسرها، بما فيها إسرائيل نفسها، من خلال إشعال حرائق لا يمكن السيطرة عليها. وفي المقابل، يتحمّل النظام العربي والأفريقي مسؤوليةً تاريخيةً عن هذا المآل. إن سياسة "التجاهل الاستراتيجي" لقضية "أرض الصومال" وعدم تقديم حلول إبداعية تجمع بين الحفاظ على المصالح العربية وتلبية طموحات سكّان الإقليم، هي التي دفعت هرجيسا نحو خيارات يائسة. الواقعية السياسية تقتضي من الدول العربية الكبرى (السعودية، ومصر، وقطر) والاتحاد الأفريقي، والدول المهتمة بالصومال مثل (تركيا والولايات المتحدة)، التحرّك العاجل لطرح مبادرة شاملة تحتوي "أرض الصومال" تنموياً وسياسياً ضمن إطار لا يهدّد الأمن القومي الجماعي، بدلاً من ترك الساحة خالية للاعبين يسعون لتوظيف تناقضات المنطقة لمصالحهم الضيقة.  المراجع 1.    14. Pegg, S. (2017, July 27). Twenty Years of de facto State Studies: Progress, Problems, and Prospects. Oxford Research Encyclopedia of Politics, https://shorturl.at/OEMlx 2.    . 3. Caspersen, N. (2012). Unrecognized States: The Struggle for Sovereignty in the Modern International System. Cambridge, https://shorturl.at/pgb9h 3.    10. Mearsheimer, J. J. (2014). The Tragedy of Great Power Politics (Updated Edition). New York: W. W., https://shorturl.at/5uM9f 4.    9.  Levey, Z. (2004). Israel's Strategy in Africa, 1961–67. International Journal of Middle East Studies, 36(1), 71-87. Cambridge University Press, https://shorturl.at/01o3Q 5.    16. Soliman, A. (2017). Gulf crisis is leading to difficult choices in the Horn of Africa. Chatham House. https://shorturl.at/5SrSl 6.    الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: الدوافع والأهداف والتداعيات، مركز الجزيرة للدراسات (2026)، https://shorturl.at/MFNNa    

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows