هل تتحدّث الإنكليزية؟
Arab
1 week ago
share
في الباص بلندن، يشتم أحد الركاب امرأةً بعد أن لمسته من دون قصد، ناعتاً إياها بـ"القذارة الأفغانية"، ثم يردّد: "هل من أحد هنا يتحدّث الإنكليزية؟". يتجاهل الجميع الأمر، بمن في ذلك الراكبة المقصودة بالشتيمة وسائق الحافلة، فيما يواصل الإنكليزي الغاضب (يبدو في حالة سكر) شتمَ ركاب آسيويين، طالباً منهم أن يغادروا. ليست تلك حادثة فريدة من نوعها في يومياتنا، بل لعلّها باتت ظاهرةً في حافلات العاصمة البريطانية، حيث السؤال الساخر ما إذا كان هناك أحد يتقن الإنكليزية، يمثّل انعكاساً لصعود موجة اليمين المتطرّف الذي يرفع شعار الدفاع عن القيم البريطانية في وجه دخلاء يهدّدونها، من المهاجرين، والمسلمين منهم بشكل خاص. رافق صعود نجم زعيم اليمين المتطرّف نايجل فاراج تطبيعٌ للخطاب الكاره للأجانب الذي يحمله، باعتباره علامةً على الانتماء الخالص. حزب الإصلاح الذي يتزعّمه (وبات في طليعة الأحزاب البريطانية شعبيةً) استقطب كثيرين من نوّاب حزب المحافظين وزعاماته، ومنهم مسلمون وأبناء مهاجرين من أصول آسيوية. إلا أنّ هذا التمدّد الشعبي لم يكن ممكناً من دون تطبيع خطاب الكراهية للأجانب في الإعلام التقليدي، باعتباره تعبيراً حرّاً عن الرأي لمجموعة من المواطنين، وتماهياً مع حاجة هؤلاء "المواطنين الأصليين" للانسجام في مجتمعاتهم. يلاقي خطاب فاراج صدى خصوصاً لدى الشبّان الذين يعتبرون أن كلامه المباشر وغير المهذّب تعبيرٌ عن نقاء لم يعودوا يجدونه لدى الطبقة السياسية. ينفي فاراج تهمة العنصرية، معتبراً (كما آخرين من أمثاله من شخصيات اليمين المتطرّف) أنها دليل على وطنيته، رغم أنّه يشكّك علناً بإمكان تقبّل المسلمين واحترامهم القيم البريطانية، وهو الذي وعد بترحيل مئات آلاف من الأجانب إذا أصبح رئيساً للوزراء. أحد الداعمين الرئيسيين للحركة، الناشط المناهض للإسلام والمشجّع السابق لكرة القدم، تومي روبنسون، يحصد شعبيةً مماثلةً (أكثر من 1.8 مليون يتبعونه في "إكس")، وكان دعمه الحزب شكّل إحراجاً لفاراج، وتناقضاً مع ادعاء الأخير وأنصاره أنهم لا يمثّلون "يميناً متطرّفاً، بل يميناً"، وأن شعاراتهم العنصرية هي تعبير عن "المنطق السليم". إلا أنّ اليمين المتطرّف، الذي كان قبل سنوات قليلة يُعتبر حالةً غير مؤثّرةٍ في المشهد السياسي البريطاني، بات مشهداً شبه عادي في الحياة العامة، يترافق مع ما يُعتبر صعوداً للشوفينية الوطنية على طريقة اليمين المتطرّف الأميركي. على سبيل المثال، انتشرت أعلام إنكلترا (يرفعها أيضاً اليمين المتطرّف) في عديد من شوارع المدن البريطانية. وقالت مجموعةٌ تطلق على نفسها اسم "محاربو ويولي" إنها وراء رفع الأعلام، مبرّرةً الأمر بأنهم "مجموعة من الرجال الإنكليز الفخورين الذين يجمعهم هدف واحد، وهو إظهار مدى فخرنا بتاريخنا وحرياتنا وإنجازاتنا". إن كانت الأعلام لا تشكّل تهديداً لأحد، ولو خرجت عن عادات البريطانيين في عدم إشهارها، إلا أنّ التظاهرات التي باتت تخرج في الشارع بشكل دوري تحمل خطاباً عنيفاً في عنصريته، فضلاً عن العنف المادي في مهاجمة الشرطة وحرق الإطارات وغيرها. للمرّة الثانية، تعرّضت منطقة تاور هامليتس في لندن لتهديد اليمين المتطرّف الذي طالما استهدف التنوّع الثقافي الذي تمثّله المنطقة مثالاً لما يراه سيطرةً للإسلام على العاصمة. الناشطون في ما يسمّى حزب استقلال المملكة المتحدة (UKIP) خطّطوا لتنظيم مسيرة "السير مع يسوع" في المنطقة، تماشياً مع ما تبثه دعاية اليمين المتطرّف من أن الجاليات المسلمة باتت تسيطر على أحياء بكاملها في لندن وتعمل على تدمير الثقافة المحلّية، إلا أنّ شرطة العاصمة منعت المسيرة من المرور في الحيّ بحجّة تفادي "اضطرابات خطيرة". اليمين المتطرّف، الذي كان قبل سنوات قليلة يُعتبر حالةً غير مؤثّرةٍ في المشهد السياسي البريطاني، بات مشهداً شبه عادي في الحياة العامة تمكّن اليمين المتطرّف من إخراج آلاف المؤيّدين له إلى شوارع لندن (وغيرها) العام الفائت، وواجهته تظاهرات مضادّة، بما في ذلك تظاهرة تُحضَّر يُفترض أن تجمع فعّاليات من المجتمع المدني من مختلف الأطياف في مواجهة اليمين المتطرّف في منتصف مارس/ آذار المقبل. إلا أن الخطر الأكبر يكمن في تنامي شعبية الحركة لدى الشبّان في وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، باتت"إيميليا"، المصمّمة بالذكاء الاصطناعي، تجتذب شعبية كبيرة بشعاراتها المناهضة للأجانب والمحذّرة بشكل خاص من انهيار القيم البريطانية بسبب "غزو" الإسلام. الفتاة ذات الشعر الأرجواني تجوب شوارع لندن وتحمل العلم البريطاني، وتردّد أكثر القوالب الجاهزة سلبيةً ضدّ المسلمين، منها أن المسيحية مهدّدة بالانقراض بسبب "غزو" الإسلام البلاد، وأن تربية الكلاب من المحرّمات في الإسلام. تحوّلت "إيميليا" إلى المتحدثة الأبرز باسم اليمين المتطرّف. في فيديوهاتها التي تلقى رواجاً واسعاً، تردّد "إيميليا" (تعتبر نفسها راديكاليةً سياسياً) شعارات الحبّ والولاء لإنكلترا، محذّرةً من مخاطر "المسلمين المتشدّدين" و"مهاجري العالم الثالث". وفي أحد هذه المقاطع مثلاً، يتعرّض لها رجلٌ ملتحٍٍ يرتدي زيّاً إسلاميّاً بسبب تناولها لحم الخنزير، أو تطلب من جيرانها حماية كلابهم خوفاً من تشدّد المسلمين. والمضحك أن نجمة اليمين المتطرّف كانت في الأساس جزءاً من برنامج فيديو لمكافحة التطرّف، مموَّل من وزارة الداخلية البريطانية، ومصمَّم لردع الشباب من عمر 13 إلى 18 عاماً عن الانجذاب إلى التطرّف اليميني في منطقة يوركشاير التي تعاني هذه الآفة بشكل خاص. باتت "إيميليا" نفسها متطرّفة تهاجم الهجرة الجماعية والسياسات الليبرالية باسم الولاء للقيم البريطانية. يبدو أن المجتمع البريطاني في طريقه إلى طيّ صفحة التنوّع الثقافي الذي طالما شكّل العلامةَ الفارقةَ له مقارنةً بالجيران الأوروبيين. لم تعد شعارات شكّلت عموداً فقرياً في ثقافة التنوّع البريطاني وساهمت في نجاح اندماج المهاجرين (فرادى ومجموعات) مقارنة بتجارب الجيران في مقاربة الهجرة، تعني كثيراً لجيل الشباب المنجذب إلى شعارات النقاء الهُويّاتي. لم يكن يخيّل لي أنني سأسمع شتيمةً من نوع (هل من أحد يتكلّم الإنكليزية) في الباص اللندني كما لو أنها مجرّد نكتة سمجة. ولم يخيّل لي أيضاً أن ركّاب الحافلة، في تنوّعهم، لن يجدوا ما يقولونه في وجه الشتيمة التي تريد أن تلغينا جميعاً، بوصفنا لندنيين أصيلين. لربما هي لندن الجديدة يا عزيزي!

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows