Arab
تعرضت مجموعة موانئ دبي العالمية لهزّة كبرى، بعد أن علقت مؤسّسات كبرى عديدة صفقاتها مع شركة (DP World)، المديرة لموانئ جبل علي وراشد، عقب الكشف عن وثائق قضائية حديثة عن صلات رئيسها التنفيذي سلطان أحمد بن سليم، برجل الأعمال الأميركي المدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين.
وبدأت الفضيحة بانكشاف رسائل إلكترونية تظهر تواصلاً بين بن سليم وإبستين بعد إدانة الأخير عام 2008، تشمل مناقشات في أعمال تجارية وشراكات محتملة، ما دفع جهات استثمارية إلى الانسحاب احتياطيّاً.
وحسب وكالة رويترز، أمس الخميس، قال أعضاء في الكونغرس الأميركي إن اسم بن سليم ورد في الملفات، ما أدى إلى تجدد التدقيق في تفاعلاته السابقة مع الراحل إبستين. وترجّح الملفات استمرار العلاقة الوثيقة بين الرجلين ما يزيد على عقد بعد إدانة إبستين في 2008. وهذه الملفات من بين ملايين نشرتها وزارة العدل الأميركية، وأظهرت شبكة علاقات إبستين الواسعة مع شخصيات بارزة في السياسة والمال والأوساط الأكاديمية والأعمال. وأحجمت موانئ دبي العالمية عن التعليق حتى مساء أمس. ولم يرد بن سليم بعد على طلب للتعليق أرسلته إليه "رويترز" لحسابه على "لينكد إن".
التداعيات تمتد إلى أنشطة أخرى
ترجح تقديرات أن الآثار لن تتوقف عند موانئ دبي العالمية، بل ستمتد إلى أنشطة أخرى تجارية واستثمارية في الإمارات، حسب مراقبين، حيث يُعتبر بن سليم من أبرز الشخصيات الاقتصادية في الدولة الخليجية، ويشغل عدة مناصب استراتيجية تجعله لاعباً محورياً في قطاع التجارة والموانئ والخدمات اللوجستية على مستوى العالم.
فهو بالإضافة إلى قيادته "موانئ دبي العالمية"، يتولى منصب رئيس مؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة (PCFC): وهي المظلة التي تضم جهات حكومية حيوية، مثل جمارك دبي، وسلطة مدينة دبي الملاحية. كما يرأس "غرفة دبي للاقتصاد العالمي"، وهي إحدى الغرف الثلاث تحت مظلة غرف دبي، وتهدف إلى تعزيز مكانة دبي مركزاً للتجارة العالمية وجذب الاستثمارات الأجنبية. كما أنه عضو في "مجلس الشؤون الاقتصادية" في دبي: للمساهمة في صياغة السياسات المالية والاقتصادية للإمارة.
وبن سليم، أحد أبرز رجال الأعمال في دبي، الذي يقود مجموعة موانئ دبي العالمية خلال فترة توسع هائلة، ما جعلها من أكبر شركات الخدمات اللوجستية في العالم. وتدير المجموعة نحو 10% من التجارة العالمية، ولها عمليات تمتد عبر مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك كندا والبيرو والهند وأنغولا. وترعى المجموعة أيضا جولة جولف احترافية رائدة في أوروبا، وتعد شريكا لوجستيا لفريق ماكلارين لسباقات الفورمولا 1 منذ عام 2023.
ووفقا لسيرته الذاتية على موقع المجموعة، تشمل بعض مشاريع بن سليم الأخرى تأسيس شركة نخيل، المطوّر العقاري الذي يقف وراء جزر دبي الشهيرة على شكل نخلة، بالإضافة إلى إسهامه في إنشاء مركز دبي للسلع المتعددة.
اختبار دقيق وانسحابات عديدة
بين تداعيات السمعة والضغوط المتزايدة، تبقى "موانئ دبي" أمام اختبار دقيق، فهل تنجح في احتواء العاصفة وإعادة بناء الثقة، أم تتحول الأزمة إلى محطة مفصلية في إعادة رسم خريطة النفوذ اللوجستي في المنطقة.
وحسب بلومبيرغ، أعلنت "بريتش إنترناشونال إنفستمنت" (British International Investment)، المؤسسة البريطانية للتنمية والتمويل البالغة قيمتها 13.6 مليار دولار والمملوكة بالكامل لحكومة المملكة المتحدة، أول من أمس، تعليق استثماراتها مع "موانئ دبي العالمية" بسبب ما وصفته بالتصريحات المروّعة الواردة في ملفات إبستين بشأن سلطان بن سليم. وقال متحدث باسمها في بيان عبر البريد الإلكتروني: "نحن مصدومون من المزاعم الواردة في ملفات إبستين حول سلطان أحمد بن سليّم. وبناءً على هذه المزاعم، لن نقوم بأي استثمارات جديدة مع موانئ دبي العالمية، حتى تتخذ الشركة الإجراءات المطلوبة".
ويأتي هذا الإعلان بعد يوم واحد فقط من إعلان صندوق التقاعد الكندي "صندوق كيبك للتقاعد والاستثمار" (Caisse de Depot et Placement du Quebec)، ثاني أكبر صندوق تقاعد في كندا، تعليق خططه الاستثمارية المستقبلية مع موانئ دبي العالمية، وقال متحدث باسم الصندوق الكندي: "لقد أوضحنا للشركة أننا نتوقع توضيح الوضع واتخاذ الإجراءات اللازمة. وحتى ذلك الحين، نوقف أي نشر لرأس المال الإضافي بالشراكة معها". ويحتفظ الصندوق الكندي، البالغ حجمه 366 مليار دولار أميركي، بحصص كبيرة في عدد من أصول مجموعة دبي العالمية، بما في ذلك 45% من الفرع الكندي للشركة، واستثماراته كانت تركز على مشاريع الموانئ وليس على الشركة الأم.
وتُبرز هذه الخطوات ضغوطا متزايدة على DP World، التي تدير نحو 80 ميناءً عالميّاً وتُعد عماد اقتصاد دبي، حيث يمثل الاستثمار الأجنبي دعامة لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط. ويتوقع مراقبون تأثيرات سلبية على ثقة المستثمرين، خاصة في ظل التنافس مع موانئ سنغافورة والصين. وفي سياق أوسع، قد يؤدي هذا إلى إعادة تقييم الشراكات الدولية لدبي، مع مخاطر فقدان صفقات بمليارات في القطاع اللوجستي.
وفي إطار تواصل تداعيات فضيحة إبستين، أعلنت شركة بي.آي.آي أنها علقت الاستثمارات الجديدة مع مجموعة موانئ دبي العالمية. وقال متحدث باسم (بي.آي.آي) في رسالة بالبريد الإلكتروني "نحن مصدومون من المزاعم التي ظهرت في ملفات إبستين بشأن سلطان أحمد بن سليم، في ضوء هذه المزاعم، لن نقوم بأي استثمارات جديدة مع دبي بي ورلد إلى حين اتخاذ الشركة الإجراءات اللازمة". وتستثمر "بي.آي.آي" في أربعة موانئ في أفريقيا إلى جانب دبي بي ورلد.
أدوات الصراع الدولي
يرى الخبير في الاقتصاد السياسي، رائد المصري، أنه لا يمكن فصل قراءة انعكاس هذه التطورات عن سياق أوسع من التنافس الجيو- اقتصادي الدولي. ويقول إن "توقيت التسريبات المرتبطة بقضية إبستين، وما تبعها من تحركات استثمارية سريعة، يثير تساؤلات حول ما إذا كنا أمام تداعيات تقليدية للوثائق التي تم كشفها، أم أمام شكل من أشكال الضغط الاقتصادي المنظم". ويرى المصري أن استخدام ملفات أخلاقية أو قضائية في توقيتات حساسة اقتصاديا بات أداة ضمن أدوات الصراع الدولي، مضيفاً أن "هناك ملفات اقتصادية كبرى تدور في العالم، وتُستثمر سياسيّاً للضغط على دول بعينها، خصوصاً التي تمتلك مواقع استراتيجية في سلاسل الإمداد العالمية، مثل الإمارات عبر موانئ دبي".
ويشير إلى أن انسحاب مؤسسات مثل صندوق كيبيك للتقاعد والمؤسّسة البريطانية للتنمية والتمويل، لا يمكن قراءته فقط من زاوية الامتثال لمعايير الحوكمة، بل أيضاً في إطار تنافس اقتصادي محتدم تسعى فيه قوى كبرى إلى إعادة توزيع النفوذ داخل قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية عالميّاً.
ويضيف: "نحن أمام مشهد يعكس حجم التشابك بين السياسة والاقتصاد، حيث تُستخدم أدوات السمعة والفضائح والتسريبات ضمن معركة أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية. هذا النوع من الصراعات لا يستهدف شركة بعينها فقط، بل قد يكون جزءا من عملية أوسع لإضعاف أدوار اقتصادية منافسة، وفتح المجال أمام بدائل أخرى".
ويحذر المصري من أن استمرار هذا النمط من التوظيف السياسي للملفات القضائية قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في الاستثمارات العابرة للحدود، خصوصاً في المنطقة العربية والخليجية، التي تعتمد إلى حد كبير على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية. ويختتم: "إذا تحولت الفضائح والتسريبات إلى أدوات ثابتة في إدارة التنافس الدولي، فإن العالم مقبل على إعادة صياغة قسرية لقواعد العلاقات الاقتصادية. المطلوب اليوم ليس فقط احتواء الأزمات، بل التفكير جدّياً في بناء منظومة علاقات اقتصادية أكثر تحصيناً ضد الابتزاز السياسي، وأكثر استقلالية في قرارها الاستثماري".
فجوة تمويلية فورية
من جانبه، قال عميد كلية إدارة الأعمال بالجامعة الأميركية للتكنولوجيا في لبنان، بيار الخوري إن "موانئ دبي العالمية تُعدّ ركيزة أساسية في سلاسل التوريد العالمية، وبالتالي فإن أي اهتزاز في قاعدتها الاستثمارية ينعكس مباشرة على مؤشرات السيولة والقدرة التشغيلية". وأوضح أن انسحاب رؤوس الأموال البريطانية والكندية، على خلفية تداعيات قضايا دولية حساسة، أحدث فجوة تمويلية فورية، وضغطا على التقييمات السوقية للأصول اللوجستية التابعة للمجموعة.
وأشار إلى أن هذا الانسحاب "لم يكن مجرد حركة تقنية للأموال، بل عكس استجابة سريعة من صناديق سيادية وتقاعدية كبرى تجاه مخاطر السمعة"، لافتاً إلى أن المؤسسات المالية الكبرى تتعامل بحذر بالغ مع أي كيانات قد ترتبط بملفات قانونية أو أخلاقية معقدة على الساحة الدولية.
وأضاف الخوري أن الثقة الاستثمارية تأثرت بشكل ملموس، إذ يميل المستثمرون المؤسسون إلى تجنّب المراكز المالية التي تحيط بها شبهات أخلاقية أو قانونية، خشية المساءلة أمام مساهميهم أو الخضوع لتدقيقات تنظيمية صارمة. ولفت إلى أن هذا التراجع في الثقة "لا يقتصر على موانئ دبي العالمية فحسب، بل يمتد ليطاول جاذبية الأسواق المحيطة"، ما قد يرفع تكلفة الاقتراض ويزيد من حساسية تأمين الاستثمارات في ظل تقلب المزاج الاستثماري العالمي تجاه المنطقة.
وعلى الصعيد المحلي والإقليمي، شدد الخوري على أن قطاع اللوجستيات والموانئ يمثل الشريان الحيوي لاقتصاد دبي غير النفطي، وأن أي اضطراب في هذا القطاع قد ينعكس على وتيرة النمو في الأنشطة المرتبطة، مثل الشحن والتخزين والتجارة البينية. وأوضح أن تراجع التدفقات النقدية الخارجية قد يبطئ تنفيذ التوسعات الاستراتيجية المخطط لها، ما يفرض ضغوطاً إضافية على الميزانيات المحلية لتعويض النقص في الاستثمار الأجنبي المباشر وضمان استمرارية المشاريع الكبرى.
وفي ما يتعلق بالاستجابة الرسمية، أشار إلى أن السلطات المحلية والجهات التنظيمية تحركت لترميم الثقة من خلال تعزيز أطر الحوكمة والشفافية، والبحث عن شراكات استراتيجية بديلة من أسواق شرق آسيا والأسواق الناشئة، بهدف تقليل الاعتماد على رأس المال الغربي. كما لفت إلى اتخاذ إجراءات قانونية تهدف إلى فصل الكيان الاقتصادي عن أي تداعيات قانونية فردية أو سياسية، وإعادة تمحيص سجلات الامتثال الدولية لتقديم ضمانات أوضح للمستثمرين بأن الأصول التشغيلية تُدار بمعزل عن الأزمات الخارجية.
ورأى الخوري أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشدداً أكبر في معايير "البيئة والمجتمع والحوكمة" (ESG) شرطا أساسيا لتدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى المنطقة.
وختم بالقول إن "المخاطر تكمن في استمرار خروج الرساميل الذكية الباحثة عن الاستقرار طويل الأمد، ما قد يهدد الريادة الإقليمية لصالح مراكز لوجستية منافسة". لكنه أشار في المقابل إلى وجود فرصة حقيقية لإعادة التموضع عبر تنويع مصادر الاستثمار، وتسريع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة لرفع الكفاءة التشغيلية وخفض التكاليف، بما يعزز جاذبية القطاع مجدداً أمام المستثمرين الباحثين عن عوائد مجزية في بيئة تكنولوجية متطورة رغم التحديات الجيوسياسية الراهنة.

Related News
الجزائر... سبع سنوات بعد
alaraby ALjadeed
18 minutes ago
نيفيز: شاهدت كرة سلة... طبقوا معايير التحكيم على الجميع
aawsat
22 minutes ago